مقاصد عيد الأضحى المبارك – علائم دين الله، وأدلة طاعته – يوسف الحزيمري

المقاصد هي روح الشريعة، وهي الغايات والحكم والمعاني ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا، من أجل تحقيق مصالح العباد، وكل حكم من أحكام الشريعة له مقصد خاص به، وقد يشترك مع غيره فيه، علمه من علمه، وجهله من جهله، فإذا كان مقصد إقامة الصلاة ربط الصلة بالله، ودوام ذكره، لقوله تعالى: “وَأَقِمِ ‌ٱلصَّلَوٰةَ ‌لِذِكۡرِيٓ” [طه: 14]، ومقصد الزكاة تطهير النفس من حب الدنيا وتزكيتها، لقوله تعالى: “خُذۡ ‌مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا”[التوبة: 103]، ومقصد الصيام تحقيق التقوى والرشد، ودوام الشكر لله، لقوله تعالى: “‌لَعَلَّكُمۡ ‌تَتَّقُونَ” [البقرة: 183]، “وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ” [البقرة: 185]، “لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ”[البقرة: 186]، ومقصد الحج شهود المنافع الدنيوية والأخروية، وذكر الله عز وجل “‌لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ”[الحج: 28].

 فإن مقاصد عيد الأضحى المبارك أشارت إليها الآيات الكريمات، والأحاديث النبوية  الشريفة، والتضحية هي من النسك أي العبادة، قال تعالى: “وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ”[الحج: 34]، قال الشيخ وهبة الزحيلي: “ولكل أهل دين تقدموا متعبدا أو قربانا يتقربون به إلى الله تعالى، وهو الذبح تقربا إلى الله، والأصل في النسك والمنسك: العبادة مطلقا، وشاع استعماله في أعمال الحج”، قال ابن العربي أن المنسك: “هو ما يرجع إلى العبادة والتقرب”.

فالمقصد الأول هو التقرب إلى الله عز وجل بقربان الأضحية، وذكر اسم الله عليها لأنه هو من رزقنا إياها وسخرها وذللها لنا، ففي ذكر الله عليها إضافة إلى التقرب بالعبادة، تحقيق الشكر لنعمة الله عز وجل، قال تعالى: “وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧” [الحج: 36-37].

أي شرعنا لهم سنة ذبح الأنعام، لكي يذكروا اسم الله حين ذبحها، أي عند الشروع فيه، ويشكروه على نعمه التي أنعم بها عليهم، ففي ذلك خير أي نفع في الدنيا، وأجر في العقبى، أي لكم فيها منافع دينية ودنيوية.

ففي الآية الكريمة إشارة إلى مقصد تحقيق التقوى، فإذا كانت التقوى هي امتثال أمر الله عز وجل واجتناب نواهيه، فإن في ذبح الأضحية تقربا إلى الله وذكر اسمه عليها، دلالة على الطاعة والامتثال، تأسيا بامتثال أبينا إبراهيم عليه السلام، فإنما شرع الله لنا نحر هذه الهدايا والضحايا، لنذكره عند ذبحها، ولن يصل إلى الله شيء من لحومها ولا من دمائها، ولكن يصله التقوى والإخلاص.

قال ابن الجوزي رحمه الله: “والإِشارة بهذه الآية إِلى أنه لا يقبل اللحوم والدِّماء إِذا لم تكن صادرة عن تقوى الله، وإِنما يتقبل ما يتقونه به، وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إِذا عريت عن نيَّةٍ صحيحة”.

والمقصد الآخر من الأضحية هو تكبير الله عز وجل، وفيه إشارة إلى عظمته سبحانه، واستفراده بالخلق والرزق والقدرة، “ففي الآية: {لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} دلالة على أن التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل لله جل شأنه من أهم المطالب الشرعية التي لا يجوز لأحد إغفالها”، فلما “ذكر سبحانه في الآية السابقة ذكر اسمه على البدن ونحوها التي تذبح تقربا إليه، وذكر هنا التكبير ليجمع المسلم بينهما عند ذبح القربة، بل وغيرها من الذبائح، وكان عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-يجمع بينهما إذا نحر هديه، فيقول: باسم الله، والله أكبر، وهذا من فقهه رضي الله عنه،، كيف لا وقد روى أبو داود عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: ذبح النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم الذّبح كبشين أقرنين، موجوءين، خصيّين، أملحين، فلمّا وجّههما؛ قال: “إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض… إلى قوله: وأنا أوّل المسلمين، اللهمّ منك، ولك، عن محمد، وأمّته، باسم الله، والله أكبر”. ثم ذبح”.

يقول الشيخ عبد الرحيم الطحان: “إن دين الله يقوم على دعامتين اثنتين: تعظيم لله، وشفقة على خلق الله، ومقاصد الأعياد في الإسلام تجمع هذين الأمرين،…وهكذا عيد الأضحى المبارك، فقبل يوم العيد الحجاج يتجردون لله المجيد في أيام المناسك وقضاء المناسك التي عليهم، ألسنتهم تجهر بالتلبية والتهليل والتعظيم لله، ومن عداهم يصومون يوم عرفات ويعظمون رب الأرض والسموات، وما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله عز وجل من عشر ذي الحجة، أيام مباركة حصل فيها تعظيم لله، وحصل فيها شفقة على خلق الله، فبر الحج طيب الكلام وإطعام الطعام عظمت الله وأحسنت إلى عباد الله.

وأما يوم الأضحى ففيه التكبير أيضا، من دخول يوم عرفة نكبر إلى عصر آخر أيام التشريق، تعظيم لله وثناء عليه، وفيه تقرب إلى الله بالأضاحي والهدي، ونأكل منها، ونطعم البائس الفقير، ففي ذلك تعظيم لله وشفقة على خلق الله وصدق الله إذ يقول: “‌قُلۡ ‌بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ” [يونس: 58]  ولذلك كانت التحية بيننا أيام العيد أن يذكر بعضنا بعضا بمنة الله عليه وإحسان الله إليه وفضل الله عليه فيقول المسلمون لبعضهم إذا تلاقوا تقبل الله منا ومنكم”.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى