مفكير يكتب : إتقان العمل في ميزان الإسلام

يعمل الناس في زمننا المعاصر كل ما في وسعهم للتفوق والرقي والتميز، وهو ما يقصد به في الشرع الإحسان ، وبين الإحسان (الجودة) والإتقان تلازم ، وإن كان الإحسان أشمل وأعم دلالة من الإتقان. والإتقان عمل يتعلق بالمهارات التي يكتسبها الإنسان، بينما الإحسان قوة داخلية تتربى في كيان المسلم، وتتعلق في ضميره وتترجم إلى مهارة يدوية أيضاً.

الإحسان والإتقان تقريب المفاهيم:

ركز القرآن والسُّنة على الإحسان ، ووردت كلمة الإحسان بمشتقاتها المختلفة مرات كثيرة في القرآن الكريم، منها ما ورد بصيغة المصدر اثنتي عشرة مرة، بينما وردت كلمة المحسنين ثلاثاً وثلاثين مرة، وبصيغ اسم الفاعل أربع مرات، واللافت للنظر أنها لم ترد بصيغة الأمر إلا مرة واحدة للجماعة: {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”195″}(البقرة).

فالإحسان مراقبة دائمة لله تعالى، وإحساس بقيمة العمل، وعلى هذا تندرج كل عبادة شرعية، أو سلوكية أو عائلية تحت مصطلح الإحسان.. وقد ركز القرآن الكريم في طلب الإحسان في أمور، منها: الإحسان إلى الوالدين، مع دوام الإحسان في كل شيء، يقول الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا “36”}(النساء).

 والرسول “صلى الله عليه وسلم” يربط بين الإتقان والإحسان فيقول: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة»، فالإحسان هنا مرادف لكلمة الإتقان، وقد أراد الرسول “صلى الله عليه وسلم” أن يزرع بذلك الرحمة في قلب المسلم، ويكسبه عادة الإتقان في العمل حتى ولو لم يكن للعمل آثار اجتماعية كالذبح الذي ينتهي بإتمام العمل كيفما كان. الإتقان في ميزان الإسلام حثنا ديننا الإسلامي على إتقان العمل بشدة، فبين لنا الله عز وجل أنه سائلنا عن الأعمال التي نقوم بها، وأينا أحنها في اختيار الصالح منها وفي إجادة هذا الصالح وأينا لم يحسنها فقال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)}(الملك)؛ أي أيكم أفضل عملاً، من حيث العمل الصالح، وجودة ما عمل، وإتقان الإنسان لما عمل من الخير، ويشمل هذا الاختبار في العمل: عمل الدنيا والآخرة، وأمرنا به نبينا “صلى الله عليه وسلم” في الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، ولا يخفى أن كتب بمعنى فرض، والإحسان: الإتقان. وإتقان العمل قيمة إسلامية كبرى، إذ به تعظم الأعمال ويثقل وزنها، والعبرة في الآخرة بقيمة الأعمال ووزنها لا بكثرتها، وقد اهتم القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة بالإتقان، فخلْق الله عز وجل للكون بما فيه ومن فيه قائم على الإتقان، دلنا على ذلك قول ربنا تبارك وتعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ “88”}(النمل)، وقوله: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)}(الملك). والسيرة النبوية بكامل مواقفها تدل على أن رسولنا الكريم “صلى الله عليه وسلم” كان ديدنه الإتقان في كل أموره يأخذ بالأسباب متوكلاً على الله تعالى، ويراقب ربه عز وجل، ويراعي الأولويات.. إلخ، وما حادث الهجرة عنا ببعيد في تجهيزه للرحلة سراً، واختياره لعلي رضي الله عنه في المبيت مكانه، والخروج هو وأبو بكر رضي الله عنه ليلاً، وترتيبه للأدوار، واجتهاده في اختيار الزمان والطريق.. إلخ، وهكذا في كل أموره، حتى أنه كان يسمع لمن يجتهد من أصحابه رضي الله عنهم في أشد المواقف، وخير دليل سماعه لرأي الحباب بن المنذر بل والأخذ به. الصحابة الذين عاشوا فيما بعد تعودوا الإتقان، ومن ثمرات إتقانهم انتصاراتهم وفتوحاتهم شرقاً وغرباً، وجمع الصحابة للقرآن الكريم، واجتهادهم في إتقان ذلك العمل، ومن بعدهم التابعون وتابعو التابعين وجهدهم المتقن في جمع الحديث وضوابطهم في ذلك.

إن الإتقان من أسس التربية في الإسلام، وهو هدف تربوي في حد ذاته؛ لأن الإتقان في المجتمع المسلم ظاهرة سلوكية تلازم المسلم في حياته، والمجتمع في تفاعله وإنتاجه، فلا يكفي الفرد أن يؤدي العمل صحيحا بل لا بد أن يكون صحيحا ومتقنا، حتى يكون الإتقان جزءا من سلوكه الفعلي اليومي وعندها تتميز الأمة بالإخلاص في العمل وتقوى المراقبة الداخلية وتجرد العمل من مظاهر النفاق والرياء، حيث ما زال كثير من الناس يتقن عمله ويجوّده إن كان مراقبا من رئيس له، أو قصد به تحقيق غايات له أو سعى إلى السمعة والشهرة؛ لأنه يفتقد المراقبة الداخلية التي تجعله يؤدي عمله بإتقان في كل الحالات دون النظر إلى الاعتبارات التي اعتاد بعضهم عليها.

إن الإتقان في المفهوم الإسلامي ليس هدفا سلوكيا فحسب، بل هو ظاهرة حضارية تؤدي إلى رقي الجنس البشري، وعليه تقوم الحضارات، ويعمر الكون، وتثرى الحياة، وتنعش، ثم هو قبل ذلك كله هدف من أهداف الدين يسمو به المسلم ويرقى به في مرضاة الله والإخلاص له؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وإخلاص العمل لا يكون إلا بإتقانه.

ولعلنا نلحظ أن من أسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية افتقادها خاصية الإتقان كظاهرة سلوكية وعلمية في الأفراد والجماعات، وانتشار الصفات المناقضة للإتقان كالفوضى والتسيب وفقدان النظام وعدم المبالاة بقيمة الوقت واختفاء الإحساس الجمعي والإهمال والغش والخديعة، وهذا منعكس في فقدان المسلمين للثقة في كل شيء ينتج في بلادهم مع ثقتهم فيما ينتج في غير بلاد المسلمين مع أن صفة الإتقان وصف الله بها نفسه لتنقل إلى عباده {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} (النمل: 88).

الاتقان والإحسان.. الإيجابية المنشودة

الإنسان المسلم يفترض فيه أن تكون شخصيته إيجابية، مقبلة على الحياة، متفاعلة معها، وبما أن الإنسان المسلم مطالب باستيفاء شروط الخلافة في الأرض والسعي في مناكبها عبادةً لله، وإعمارًا للأرض، واستفادة مما فيها من ثروات وخيرات فلن يصل إليها إلا بالعمل والعمل الجاد؛ لذلك كانت مطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتقن الإنسان عمله: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.

فالإتقان سمة أساسية في الشخصية المسلمة يربيها الإسلام فيه منذ أن يدخل فيه، وهي التي تحدث التغيير في سلوكه ونشاطه؛ فالمسلم مطالب بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنية العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه سواء كان عمل دنيا أم آخرة. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}. (الأنعام: 162-163).

فهل نحن نربي الآن في مجتمعنا المسلم الشخصية المسلمة التي تهتم بإتقان أمور الحياة كلها؟ فردية أو جماعية؟ وهل سبب تخلفنا وتأخرنا يرجع إلى فقدان هذه الخاصية؟ وما قيمة الشعائر والوسائل التعبدية التي لا تغير في سلوك الإنسان ونمط حياته ووسائل إنتاجه؟

إننا فعلا نفتقد التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي تجعل عمل الإتقان في حياتنا مهارة داخلية تعبر عن قوة الشخصية التي تكسب الإنسان الاتزان والثقة والاطمئنان والتفرد إلى جانب اكتساب المهارة المادية والحركية.

لذلك نحن مطالبون بترسيخ هذه القيمة التربوية الحياتية في واقعنا وسلوكنا؛ لأنها تمثل معيار سلامة الفرد وقوة شخصيته وسمة التغيير الحقيقي فيه، كما أننا مطالبون ببذل الجهد كله في إتقان كل عمل في الحياة يطلب منا ضمن واجباتنا الحياتية أو التعبدية.

الإحسان والشخصية المثالية:

إن الإحسان دعوة إلى إيجاد الشخصية المثلى، الشخصية التي اتجهت حركة المجتمع وجهود التربية إلى إيجادها، هذه الشخصية تمثل المثالية التي تحققت في واقع المجتمع المسلم في الماضي، ويمكن أن تتحقق في واقعنا إذا توافرت الشروط الموضوعية لتحقيقها. وقد اختصر القرآن الكريم الصورة الإنسانية المثالية في آية واحدة؛ يقول تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83)، وللوصول إلى شخصية المسلم التي تحققت فيه معاني الإحسان نرى أن الأمر يحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس تتحقق فيها كثير من الصفات، منها قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134).

ولأن الإحسان مجاهدة وجهاد يقول سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69) وقد وصف الله سبحانه الأنبياء جميعا بأنهم من المحسنين الذين يستحقون حسن الجزاء عند الله؛ لأنهم كانوا يجاهدون أنفسهم خوفا من الله وتقوى، يقول الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (الذاريات: 15-16- 17-18-19).

وإلى جانب المجاهدة هناك وسيلة أخرى لاكتساب صفة الإحسان وهي الإقبال على الله بالطاعة والعبادة والذكر، يقول الله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (الإسراء: 7).

الإحسان والحياة:

إن الإحسان في أمور الدنيا يشمل الحياة كلها؛ إذ إن الحياة لا تنمو ولا تزدهر، والحضارات لا تبنى ولا تتقدم إلا بالإحسان، إحسان التخطيط وإحسان التنفيذ وإحسان التقدير (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) والمسلم لا يتربى على الإحسان إلاّ إذا قصد الإحسان في تفاعله مع المجتمع، ليس بقصد اللياقة الاجتماعية المظهرية؛ بل بقصد مراعاة حق الإنسان وحق الأخوة الإسلامية في إحسان التعامل على قاعدة من الأمانة والصدق والإخلاص والتقوى والمسئولية الاجتماعية المتجذرة في وجدانه وكيانه.

الإحسان والإيجابية المنشودة:

الإحسان إيجابية، والمسلم مطالب بأن يكون الإحسان هدفه، وغايته لأن الله يأمر بالعدل والإحسان قولاً وعملاً، يقول تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (الإسراء: 53)، ويقول تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (التوبة: 121)، وكذلك فإن الإسلام توجه في تربيته إلى مجتمع العمل ليكون متقنا كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الإسلام العمل المعيار الأوحد لما يكسبه الإنسان في الحياة، وجعل إتقان العمل عبادة تحبب العامل إلى الله، وتحقق له سر استخلافه ووجوده؛ فالمجتمع العامل هو المجتمع المنتج الذي يعتمد أفراده في كسبهم على جهدهم العضلي والفكري؛ لذلك دعا الإسلام إلى العمل وباركه وجعل له جزاء في الآخرة مع جزاء الدنيا.

كما أن الإسلام يحرم استغلال الإنسان، وسلب جهده وطاقته، كما أكد الإسلام على حق العامل في ملكية أجره وحمايته والوفاء له والتعجيل بإعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، بل جعل الإسلام كل عمل يقوم به المسلم طاعة لله إذا قصد مصلحة البشر وأتقنه وأخلص فيه، وجعل العمل عبادة وقربى يعتبر من أعظم الدوافع لبذل الجهد وكثرة الإنتاج، وفي المقابل حرم الإسلام البطالة وعابها فجعل اليد العليا خيرا من اليد السفلى وحض على العمل، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه”.

مبادئنا بين النظرية والتطبيق!:

إننا للأسف نقر المبادئ السابقة نظريا ونحدث عنها كثيرا، ولكننا لا نترجمها في واقع مجتمعنا الذي يتميز بضعف الإنتاج، والتهرب من العمل، وعدم الإتقان بل يحمل قيما فكرية نحو العمل مخالفة لمفهوم الإسلام. مجتمعنا يحتاج إلى تغيير جذري في مفاهيم العمل وأهمية الإنتاج ويحتاج إلى تعليم مكثف لأهمية الإتقان لكل عمل يقوم به؛ فنحن لا نتعلم من ديننا ولا نتعلم من غيرنا، وتربيتنا الأسرية والمدرسية والحياتية لا تقوم على أهمية أن تعمل، وتكد وتجتهد وتبني في الحياة بل إن مفاهيم خاطئة لا تفرق بين التكافل كقيمة حياتية، والتواكل والتكاسل كعيوب سلوكية وحياتية، وإلى الآن لم توضع البرامج التي ستغير من أساليب العمل. ومفاهيم الإنتاج في المستقبل والتعليم العام والجامعي في بلادنا يدلان على أننا لا نسعى لتغيير هذا المجتمع إلى الأفضل والأحسن، وسنظل عالة على غيرنا نستهلك ما يصنعون وينتجون ونمارس فضيلة المناقشة والجدال والتنظير والتجديد للشعارات والأماني وأحلام اليقظة التي أدمنها مجتمعنا.

قيمة المجتمع المتعلم:

إن المجتمع المتعلم هو المجتمع الذي يبشر بالحضارة والرفاهية والنظام والتخطيط والإنتاج والازدهار، وهو المجتمع المعصوم من الفوضى والتسيب، والمبرأ من الأمية والجهل والخرافة، وكل مظاهر التخلف الحضاري والعلمي، وهو المجتمع الذي يربط الأسباب بالمسببات، والنتائج بالمقدمات، ويكتشف قوانين الله في الكون، ويحسن التعامل معها والاستفادة منها، وأول آيات الوحي كانت دعوة إلى المجتمع المتعلم المعتمد على المنهج العلمي.

والمنهج العلمي الذي أصله المسلمون وعممه علماء الحديث، وقبل ذلك وضع أساسه القرآن الكريم هذا المنهج هو الذي أوجد مجتمع العلم والحضارة وكان سر التقدم وبناء العقلية المسلمة على منهجية العلم والإيمان.

والذين يظنون أن أكثر المؤسسات الفارغة من المضامين العلمية الحقيقية يمكن أن تحدث تغييرا في المجتمع – هؤلاء واهمون – لأن هذا النوع من التغيير سيكون تغييرا شكليا مظهريا أجوف لا قيمة له في الحياة ولا أثر له في عملية التنمية والتقدم وسنظل نحرث في البحر ونضرب في حديد بارد.

عوامل إتقان العمل:

إذا كان الله سبحانه وتعالى قد لفت أنظار الناس إلى ما في خلقه من الإتقان والإحكام والإحسان، ونعى على الكافرين ما هم فيه من الفوضى والاختلاف، وإذا كان الشرع قد حض المؤمنين على الإتقان والإحسان، فإن القيام بالواجبات وأداء الأعمال على وجه الإتقان والإحسان يستلزم عدداً من الأمور، لا فرق في ذلك بين أن يكون العمل فردياً أو يكون على مستوى جماعة أو مؤسسة أو على مستوى الدولة أو الأمة، وإن كان الأمر يكتسب أهمية متزايدة كلما اتسع نطاق العمل.

إن من أول الأمور اللازمة لإتقان العمل والإحسان فيه إدراك أهمية هذا الأمر، فإن من لا يدرك أهمية العلم ورفع الجهل لن يقدم على التعلم بقوة، ومن لا يدرك أهمية المحافظة على الصحة لن يعير هذا الجانب ما ينبغي من الاهتمام، وكذلك من لا يدرك أهمية الإتقان والإحسان في أداء العمل، فإنه لن يعطيه ما يكفي من الجهد والوقت بل قد تكون أعماله فوضوية عبثية لا تؤتي المرجو منها.

ومن هذه الأمور الترتيب والتنظيم والانضباط، وهي أمور مهمة، وبخاصة عندما يخرج العمل عن نطاق الفرد ليشمل جماعة من الجماعات، أو مجتمعاً من المجتمعات أو أمة من الأمم، ومن الأدلة الشرعية على ذلك ما جاء في حديث الإسراء والمعراج، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء” صحيح البخاري 3/1410 (3674)، صحيح مسلم 1/149 (164، وقد تكرر هذا عند كل سماء عرجا إليها. فجبريل عليه السلام -وهو أفضل الملائكة- ما كان ليخفى على هؤلاء الملائكة الكرام، ومع ذلك فما فتحوا له إلا بعد أن أجابهم، وهو عليه السلام لم يقل لهم: ألا تعرفونني؟ ولم يأمرهم أن يفتحوا بلا نقاش أو كثرة كلام كما يفعل كثير من أهل الجفاء من الأزواج مع زوجاتهم، أو من الأبناء العاقين مع أهليهم، لكنه أجاب في كل مرة بتواضع على قدر السؤال، وجبريل ما كان ليعرج بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون إذن الله، وعروجه عليه السلام كان معلوماً للملائكة من قبل وبرغم ذلك فقد كانوا يستوثقون في كل مرة: “وقد أرسل إليه؟”، قال الحافظ: (قولهم: أرسل إليه؟ أي للعروج، وليس المراد أصل البعث لأن ذلك كان قد اشتهر في الملكوت الأعلى … فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد، مثلاً)( فتح الباري 7/209

ومن الأمور المهمة توزيع الأدوار والتخصصات، إذ كل ميسر لما خلق له، فيوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولا يكون الأمر فوضى، بل لا بد من تحديد الواجبات وتوزيع المسؤوليات، كي لا تتبعثر الجهود وتتضارب الأعمال، فلكل فرد من أفراد الجماعة أو المؤسسة دوره؛ ومما يدل على هذا الأمر أعظم دلالة ما ثبت من تعدد تخصصات الملائكة الكرام، فجبريل عليه السلام موكل بإبلاغ الوحي من الله سبحانه وتعالى لأنبيائه عليهم السلام، وبإنزال العذاب بكثير من الأمم المكذبة التي حل بها عذاب الله وانتقامه، وميكائيل عليه السلام موكل بقطر السماء، وإسرافيل موكل بالصور، فهو قد التقمه ينتظر الإذن من الرب جل وعلا كي ينفخ فيه فيصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، وللأرواح ملك كريم موكل بقبضها، وللجبال ملك، وللسحاب ملك، ورضوان على باب الجنة، ومالك خازن النار، وملائكة للرحمة، وملائكة للعذاب، وملائكة للحسنات وملائكة للسيئات، ومنكر ونكير لسؤال القبر، وهكذا.

وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح” سنن الترمذي 5/665 (3791)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني ، وكان بلال يؤْذِن رسول الله بدخول الوقت ويؤَذِّن، وكان عبد الله بن مسعود يحمل له نعليه وطهوره ووساده، وكان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه حتى نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، وكان حذيفة أمين سره عليه السلام.

ومما يدل على هذا قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، [الأنبياء: 5]، فلكل تخصصه الذي يجيده، سواء ما تعلق بأمور الدين أو الدنيا، وبمثل هذا حاز المسلمون الأوائل قدم السبق في شتى المجالات، فعن ابن أبي أويس قال: (سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين -وأشار إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم- يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقدم علينا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب وهو شاب فنزدحم على بابه) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي 1/159، فجلالة المرء وديانته وأمانته شيء، وتخصصه في علم الحديث أو غيره من الأمور شيء آخر، وبهذا يعلم بطلان المبدأ الفاسد الذي سنه أهل الاستبداد من تقديم المقربين منهم -وإن لم يكونوا أهلاً لما أوكل إليهم- على أهل الخبرة من غير المقربين، وأشد من هذا ما نراه اليوم من فوضى في حياتنا، فنرى شاباً حدثاً لم تكد تنبت لحيته يتصدر للإفتاء في دين الله بعد أن يقرأ كتاباً أو كتابين، وأشد منه ما نراه من تسور بعض اللاعبين والفنانين على الفتيا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ومن الأمور المهمة، بعد النظر والتطلع إلى ما ستصير عليه الأمور، وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المسألة في كثير من الأحاديث، فيوم جاءه خباب رضي الله عنه يشكو ما يلقاه المسلمون من عذاب على يد كفار قريش لم يكتف عليه السلام بدعوتهم للصبر كما صبر من كان قبلهم من المؤمنين، بل لفت الأنظار إلى شيء أبعد من ذلك بكثير، فقال عليه الصلاة والسلام: “والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون” صحيح البخاري 3/1322 (3416, فأي نقلة هذه التي نقلها النبي صلى الله عليه وسلم خباباً ومَن وراءه من ضعفة المؤمنين المعذبين!

ويوم الخندق حين بشر أصحابه بفتح بلاد فارس والروم، رغم أن العرب قد رمتهم عن قوس واحدة وجاءت لتسأصلهم عن بكرة أبيهم، ومن كان في هذه الحال إنما يكون همه أن تنجلي هذه الغمة وتنفرج هذه الكربة، لكنه عليه السلام أراد أن ينقلهم إلى ما هو أبعد بكثير، ولا شك أن كل من سمع منهم مقالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تعد تصوراته تنحصر في أرض المعركة يوم الخندق لكنها شرقت وغربت.

وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (قلت لرجل من الأنصار: هلم يا فلان فلنطلب العلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء. قال: عجباً لك يا ابن عباس، ترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن فيهم! قال: فتركت ذاك و أقبلت أطلب … قال: فبقي ذلك الرجل حتى أن الناس اجتمعوا عليَّ فقال: هذا الفتى كان أعقل مني .(   المستدرك 3/619 (6294)، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.، فلا ينبغي للإنسان أن تستغرقه اللحظة التي يعيش فيها، فإن هذا الأمر يعمي البصيرة عن وضع الأمور في نصابها، بل لا بد أن يرتفع فوق مستوى اللحظة ويتطلع إلى المستقبل ويشحذ الهمة ويقبل على عمله بجد ونشاط كما كان من ابن عباس رضي الله عنهم

ذ عبدالرحيم مفكير

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى