مظاهر تدين المغاربة وتجلياته من خلال العادات والتقاليد

تقديم:

لقد كان للمغرب وما زال اختيارات في التدين والتمذهب، ارتكزت على: قراءة نافع للقرآن الكريم، ومذهب الإمام مالك في الفقه، ومذهب الإمام الأشعري في العقيدة، وطريقة الجنيد في التصوف. وعانى فقهاء المذهب المالكي من التضييق والاضطهاد السلطاني بمختلف المناطق المغربية، لاسيما على أيدي العبيدين، في كل شمال إفريقيا، وعلى يد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، وتم تمزيق كتب المالكية، وسموها كتب الرأي، ونكلوا بجملة من الفضلاء بسبب أخذهم في الشريعة بمذهب مالك، وصمد المذهب أمام كل الضربات.[1].

الأستاذ عبد الرحيم مفكير

وتؤكد أهم الدراسات أن التدين المغربي يتسم بالاعتدال والوسيطة، ويرفض الغلو والتطرف، ويسمح بالتعايش والتسامح بين الديانات، وهذا يتضح جليا من خلال تواجد مغاربة مسلمين يشكلون فسيفساء وتنوعا ثقافيا ولغويا، إلى جانب يهود مغاربة ومسيحيين، في مغرب متعدد الثقافات، ومنفتح على الحضارات الإنسانية.[2]

واستمر إلى اليوم موحدا للمغرب والمغاربة، بالرغم من الانفتاح وتداعياته، في ومن الرقمنة، والتحولات التي عرفتها المجتمعات الحديثة. لقد عرف المغاربة الحرث الجماعي وهو ما يسمى عندهم ب”التويزة” والحصاد الجماعي، والعرس، والختان الجماعي، وعملوا على جمع المال لأضحية من لا أضحية له، والذهاب للطبيب بمن لا يملك أجرته، ويقيمون حفل العزاء بإعداد الطعام ” الكسكس” للمعزين، والتضامن من أجل مواساة أهل الميت، وإعداد القصعة “قصاري الكسكس” يوم الجمعة وإرسالها لفقراء المساجد، وحرصوا على ” الشرط” وهو مبلغ من المال لفائدة محفظ أبنائهم كتاب الله، و” لاربعية” مبلغ من المال يسلم للفقيه كل أربعاء، وغيرها من الأشكال التضامنية التي تجد لها سندا في النص الشرعي. كما عرف المغاربة “الحيك” لباسا للمرأة يستر جسدها تلتحف به، و”النجاب” تضعه على وجهها بعد ارتداء جلابية مغربية لها ” قب”، إلى أن حدثت تحولات بفعل الاستعمار والعصرنة والحداثة، فبدأ بعض مظاهر السفور والعري بالشواطئ منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، وفشى في الناس شرب التدخين والخمر الذي كان عارا بالنسبة للمجتمع يستنكر فاعله، وطفى على السطح العلاقات غير الشرعية، وتواعد الشباب والشابات بأرصفة الشواطئ وشوارع المدن، وبرز مظهر العناق والعلاقات الحميمية جهارا، وأمام الملأ، وعرف المغرب تناول المخدرات بشكل مخيف بعد أن روجت  لوبيات الفساد وفعلت المسلسلات المدبلجة وقبلها المصرية فعلها في الأمة المغربية، وظهر العنف اللفظي والجسدي، وهو ما عرف ب” التشرميل” وبرز مظهر التهديد بالسلاح الأبيض والسيوف، واستغلال التلاميذ بمحيط المؤسسات، ونتج عنه الأمهات العازبات، وتشكلت جمعيات للمطالبة بعدم اعتماد النصوص الشرعية والدين الإسلامي باسم الحرية والحداثة، وكانت بدايات مسار من التدافع بين مكونات المجتمع حول القيم.

هذا وغيره يطرح السؤال عن طبيعة تدين المغاربة ومدى تمسكهم بدينهم؟ لقد أنجزت العديد من الدراسات في بحث عن تجليات التدين بالمغرب ومستوياته، وطبيعته، وخصوصيته، في عالم يعج بالمتناقضات وهجمة الماديات، وظهور الفكر الإلحادي، والإباحي، واللائكية، والتكفير، وسطوة إرهاب الدول والجماعات. وأغلب هذه الدراسات سواء التي قام بها باحثون أو مراكز غفلت جانب التراث الشعبي الشفاهي منه والمكتوب وعلاقته بتدين المغاربة، وهو ما تتوخى هذه الورقة مقاربته باستقراء لهذا التراث في بعض جوانبه، وكشف علاقته بالمتخيل والمقدس والمدنس، وقربه أو بعده من النص الشرعي واجتهادات العلماء، والوقوف على تمثلات المجتمع للدين وأركانه ومرتكزاته، ومدى تعلقهم بثوابته ومقدساته، وأشكال التلقي، وقد فرضت علي هذه الدواعي الانطلاق من طرح الأسئلة التالية: ما مدى تأثير التراث الشعبي في تدين المغاربة ؟ وأين يتداخل فيه الأسطوري بالحقيقي، والواقعي بالمتخيل ؟ وهل حمولة هذا التراث الفكرية والثقافية دينية أم لا دينية ؟ وما جدوى المحافظة على العادات والتقاليد ؟ وهل استطاع التراث الشعبي أن يصمد أمام الثورة التكنولوجية ويتخلص من مقدسه ؟ وهل يستطيع هذا الجيل حفظ متونه وفهم معانيه وتفكيكه والتعرف على دلالاته ورموزه؟ وطبيعة تدين المغاربة المتمسكين بالعادات والتقاليد وتمجيدها لها أو تبخيسها واعتبارها من الخرافات والشعوذة؟ وما علاقة التراث بمنظومة القيم ؟ وما دور العلماء والزوايا في الحفاظ على التراث وتثبيت الهوية الحضارية للأمة ؟

كلها أسئلة تحيل إلى سؤال مركزي  عن طبيعة تدين المغاربة من خلال قراءة في التراث الشعبي وعلاقته  بمنظومة القيم ومظاهر التدين وتجلياته ؟

التراث الشعبي بين المتخيل والمقدس:

من المؤكد أن حاضرة المغرب بباديته ومدنه وعلى اختلاف أحجامه وأصنافه حرص على الدفاع عن مقدساته وأضرحته وولاته وزواياه ومزاراته، وعرف معركة بين الدين الإسلامي المستمد من الشرع المستند على النص القرآني والحديثي، واجتهاد العلماء، بين “المقدس” و”المدنس“، بين الواقعي والمتخيل، والشاهد الحاضر والغائب المنتظر.

نظرة للمقدس بالرغم من تحوله إلى مدنس، لحظات فرجوية جماعية عاشتها البادية ونافحت عنها اتخذت أشكالا ونحتت لتنوع ثقافي وتعبيري، مرة يركب صهوة “الزجل”، ومرة “الحكي “، و“الأسطورة “، والأغنية، والفلكلور، وتاغنجا، أو احتفالات بليلة القدر وانتظار ” سيدنا قدر” وترحيبا ”بشعبانة” وبركة الملوك السبعة، واحتفال ب”بولبطاين” و”بوجلود”  وتنظيم طقوس ”بوهروس” واستدعاء ترانيم وإيقاعات ”كناوة” وتقديم ذبائح لولي، واستحضار للجن وغيرها.

إنه المتخيل الشعبي يحاول أن يجيب عن سؤال من نحن؟ وفي أي مجال نحن؟ وماذا نريد ونرغب فيه؟ وما الذي نطمح إنجازه؟ المتخيل يملأ المكان ويصاحب الزمان بمعان ودلالات قدسية أو عجائبية، وهكذا تنتج الصور والرموز والحكايات والأساطير بكل مستلزماتها الشعائرية والطقوسية عادات تفوق العقل وتنبئ عن سعة في التمثل.

المتخيل دينامية خلاقة قد يتجاوز إدراكات العقل فيستدعي الوجدان ويرسم معالمه ويثبت خصائصه ويصبح ملكا جماعيا مقدسا. إنه التراث الشعبي بكل تجلياته وتمظهراته وتميزه وعنفوانه.

ينتقل التراث الشعبي من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون ونحوها من جيل إلى جيل، ونسمه ب “التراث الإنساني ”التراث الأدبي، التراث الشعبي“، وهو يشمل كل الفنون والمأثورات الشعبية من شعر وغناء وموسيقى ومعتقدات شّعبية وقصص وحكايات وأمثال تجري على ألسنة العامة من الناس، وعادات الزواج والمناسبات المختلفة وما تتضمنه من طرق موروثة في الأداء والأشكال ومن ألوان الرقص والألعاب والمهارات.

الزوايا حراسة التراث الديني وتنميطه:

تفرض فضاءات الزوايا أنماطا من الحضرة الطقوسية جلبة وإيقاعات وتحايلا، وادعاء بالنسب الشريف ووراثة البركة، والقدرة على الشفاء، وعلم ما فات والتحذير من الآت، والتنبيه إلى الحاسدين والحاسدات، وإزالة السحر وطمسه بعد اكتشافه، وإخراج الجن من الذات، وعند ” الجذبة ” يحق أكل اللحم الطري والتهام قطع الزجاج، واللعب بالنار ووضعه على الرأس وباقي أعضاء الجسد.

وفي المقابل يتم حراسة التراث الديني والدفاع عنه بالورع والتقوى وتعليم المتون، وتحفيظ القرآن، والاحتفال بمتعلميه بعد التمكن من استظهاره المتون والقدرة على إتمام ” السلكة ” أي حفظ القرآن كاملا، وغرس قيم الصبر والتعاون والمحبة والتكافل والقدوة، والإخلاص، والتفاني في العمل، والطاعة، والالتزام، وحب المعرفة.

بين الراغبين في إعادة الاعتبار للزوايا ووظائفها ومستغلي مجال ” الأولياء ” ومحيطهم ممن يستفيدون من جهل الناس ويقصدون الأضرحة قصد الاستشفاء يرسم التراث الشعبي لوحة تشكيلية مختلفة المنطلقات والنتائج، تستعمل فيها ألوان داكنة وأخرى مضيئة.

وما على الباحث في التراث إلا أن يستوعب هذه الطقوس ويقف على مقاصدها ويتأكد من منطلقاتها ليميز فيها بين السليم والسقيم، والمقدس والمدنس، والواقعي والمتخيل، والحقيقي والزائف.

سلطان الطلبة عرس التفوق وتاج للوالدين:

يتوج مشوار الطالب المجد بعرس الطلبة،وفي جو بهيج يزف حافظ القرآن، وينظم الحفل، إنه “عرس الطلبة ” “بيضة بيضة لله..”، مطلع ابتهال محلّي لطالما صدحت به حناجر رُواد المساجد والكتاتيب القرآنية التي يسهر أئمتها وشيوخها على تحفيظ ما تيسّرَ من سُور القرآن الكريم لأبناء المنطقة، وهو بالمناسبة فُرصة سانحة لجمْع الهبات والتبرعات العينية والنقدية من طرف الساكنة التي تعتز أيَّمَا اعتزاز بالتعليم العتيق، والسهر على تعظيم الفقهاء ومشايخ العلم.

صفوة من تلاميذ المَسِيد (إمْحضارن)، يتقدمهم الطالب النجيب الذي يحمل معه لوحاً كبير مزخرفاً بآيات قرآنية كريمة، ونصوص من الحديث الشريف، تفنّن الفقيه/ الإمام في زخرفتها وحبْك كلماتها بعناية وإتقان.

إرسالهم من طرف “الفقيه” قصد جمع التبرعات، غالبا ما يتم زمانيا مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، أو كلما تخرّج على يديه طالب جديد؛ فمن كان وراء ذلك الطقس الاحتفالي الذي يختلف من منطقة جغرافية نحو أخرى؟ ومن أوحى إلى طلبة العلم بتلك الأشعار لترديدها وسط مجتمع يستوعب جيدا الحمولة الروحية لتلك الكلمات؟

لا أحد يستطيع أن يتحدّثَ عن البدايات الأولى لتلك العادة التي لم يُكتب لها الاختفاء إلا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كما لا نعرف مُنشدَ تلك الأشعار التي تُوظَّف لاستمالة القلوب، ودعوتهم لإكرام طلبة العلم ورموزه؛ بيد أننا نستطيع أن نضع رهن إشارة المطلع على هذه الأسطر المتواضعة النص الكامل “لمقامات توسلية” حفظها الأهالي عن ظهر قلب لكثرة ترديدها بصوت مسموع، ونغم خاص بين الأحياء والمداشر.

وتقول الكلمات: بيضة بيضة لله، باش نصلص لوحتي، لوحتي عند الطالب، والطالب في الجنة، والجنة محلولة، حالها مولانا، مولانا مولانا، يا سميع دعانا، لا تقطع رجانا، من حرمة نبينا، نبينا..نبينا، محمد وأصحابه، في الجنة ينصابو، اليهود والنصارى، طاحو في خطارى، ضربتهم خسارة، وعلى زين الحالة، صلوا يا رجالا، لا إله إلا الله، محمد رسول الله..

التبرعات والهبات التي تُجمع، من خلال هذا الطقس، تُسَلَّم للفقيه مباشرة، مكافأة له على المجهود الجبّار الذي يبذله في سبيل تلقين القرآن الكريم والتربية الدينية الصالحة للناشئة؛ وبقدر ما تعكس تلك العادة التي اختفت في الوسط القروي بشكل تدريجي الطابع التضامني بين أفراد المجتمع المتضامن؛ بقدر ما يحق أن نتساءل اليوم عن سبل إحيائها والمحافظة عليها من الزوال.

طالب طالبيايو

يافرحاتمو وبوه

بامولات الخيمة

اعطيني بايضة

باش نزوق لوحتي

لوحتي عند الطالب

والطالب في الجنة

والجنة محلولة

حلها مولانا

مولانا مولانا

لا تقطع رجانا

النبي وصحابو

في الجنة يتصابو

لا إله إلا الله

محمد رسول الله

يالنويقة كع كع

فين غادي بيا

لبلاد الشاوية

الطالب حالف عليا

يقطع ليا يديا ورجليا.

إن المتتبع لبعض الزوايا التي تهتم بتحفيظ القرآن وتسعى جاهدة لتعليم الدين وعلومه، وتنشد تربية الجيل على القيم والمبادئ السمحة للإسلام، يقف على  القيم التالية:

قيمة العلم:

فالحرص على التعلم وحفظ المتون بعض النص القرآني دأب الصالحين والأخيار، به ترفع الدرجات وتتقدم الأمم. فأول ما نزل على الرسول عليه السلام “اقرأ” يتحلق الطلبة في مجالس العلم رغبة منهم في تعلم المعارف وتحصيل المكتسبات والاستزادة من بحر لا ينفذ. ولما لا وهم أعلم الناس  بقيمة العلم والعلماء ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾سورة آل عمران: 18.

قيمة الوقت:

حيث يشرع المتعلم الفقيه في حفظ متنه منذ وقت مبكر قبل صلاة الصبح، يشعل شمعته، وفي القديم يستخدم الحطب، ويقوم لأداء صلاته ثم يرجع للحفظ إلى حدود العاشرة صباحا، وهذا قبل البرنامج النظامي، ويعيد في المساء استظهار ما حفظه، وبين الوقتين يمحي لوحته ب “الصلصال” ويكتبه بمعية الفقيه. كما يحفظ المتون. ويحتاج هذا البرنامج احتراما للوقت وتقديسا له.

قيمتا الاحترام والانضباط:

مفروض على طالب العلم السمع والطاعة والانضباط، واتباع المدرس الفقيه الشيخ وعدم التكلم أمامه إلا بإذنه، واحترامه. ويؤكد هذا أن الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع العيش بمفرده لذلك يبني شبكة من العلاقات تربطه بمن حوله تقوى وتتوسع باحترام هذا الإنسان لذاته وتقديره للآخرين المحيطين به فيحترمونه بدورهم ليساعدهم هذا الاحترام في اجتياز ما يعترض طريقهم وإتاحة الفرص أمامهم ليجربوا، ليكتشفوا وليتقدموا حتى يعيشوا حياة آمنة كريمة.

إن احترام الغير يؤكده قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ”. صدقَ الله العظيم (سورة الحجرات، آية 11). كما أن الزاوية فرضت احترام قدسيّة المكان: قال تعالى ” إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى“. صدقَ الله العظيم (سورة طه، آية 20).

قيمة التواضع: تلمس في الفقيه المدرس لينا وتواضعا لمن يقبلون عليه من الطلبة، يأخذهم بالرفق ويستمع إليهم ويبين لهم آي القرآن ويكرر المبهم ويفسر الصعب ويعيد مرات متعددة لا يمل ولا يكل. وبهذا تمثل قيمة التواضع وسيلة ناجعة لتقريب المفاهيم وتبسيطها، وتحبيب المادة المدرسة للتلاميذ.

قيمتي القناعة والإيثار:

وهذه قل نظيرها حتى حكي عن القوم مبالغة ” الطلبا أي الطلبة، قسموا بيضة علا ربعين ” أي أنهم لا يقدمون على فعل إلا بحضور الجميع، ويقومون باقتسام كل ما حضر للزاوية من طعام ومؤونة. وقد تعلم المتعلمون هذه القيمة من دين الإسلام.فالقناعة  هي الرضا بما قسم الله، ولو كان قليلا، وهي عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وهي علامة على صدق الإيمان. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه) [مسلم].والإيثار هو من أرفع درجات الجود والكرم، ولا يتحلّى بهذه الصّفة إلا الذين بلغوا قمة السخاء، فجادوا بالعطاء وهم بأمس الحاجة إليه، وآثروا النوال وهم في ضنك العيش، لذا عدت من أهم صفات الأبرار وشيم الأخيار كما قال علي عليه السلام: “الإيثار سجيّة الأبرار وشيمة الأخيار. والإيثار هو أن يجود الإنسان بالمال أو النَّفس أو الراحة أو ما إلى ذلك من النّعم مع الحاجة إليها، وتفضيل الإنسان الآخرين على نفسه، وتقديم حاجتهم على حاجته. بخلاف السخاء الذي هو عبارة عن بذل الإنسان وجوده.

قيمةالتعاون: وهذه القيمة تتجلى في طريقة الطبخ الجماعي والتناوب على سقي الماء، وإعداد مستلزمات كتابة الألواح، والذهاب للسوق لجلب واجبات التغذية وغيرها.

قيمة الكرم: رغم قلة اليد وضعف الموارد فإن أهل الزوايا يجتهدون في مساعدات الطلبة، والتفضل عليهم ببعض الطعام والإحسان إليهم ومشاركتهم أفراحهم. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس شرفًا ونسبًا، وأجود الناس وأكرمهم في العطاء والإنفاق، فقد أتاه رجل يطلب منه مالا، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فأخذها كلها، ورجع إلى قومه، وقال لهم: أسلموا، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. [أحمد].

خلاصة:

إن لدراسة التراث الشعبي أهمية كبيرة في فهم تمثلات الأفراد للدين، كما تساهم في توطيد العلاقة بين ماضي الشعب وحاضره، وربط هذا الحاضر بتطلعات الشعب المستقبلية، ومن هنا تتعاظم أهمية مؤسسات البحث في التراث، وتشتد الحاجة إليها في الوطن العربي عموما والمغربي خصوصا.وتبين أن التمسك بالمورث الشعبي ظاهرة صحية، وقد قيل: “من لا تراث له.. لا وطن له”.. وكثيراً ما استخدمت عناصر التراث لتدعيم قضية صراع وطنية، وكسب حقوق، ونحن اليوم في مواجهة سارقي حضارات، وقد تكالبت علينا الأمم، والصهيونية العالمية تسرق الأرض، والزي، والحكاية، والمأكولات الشعبية، وتنسج منها ثقافة تدافع عنها. إننا اليوم أحوج الناس للدفاع عن هذا الموروث، لا أن ننظر إليه نظرة استخفاف، واستهزاء، وتعال. إن تمسكنا بتراثنا سيكون أنجع، إذا أدركناه، وتعلمناه وتذوقناه، وعلمنا كنهه، ونقلناه للأبناء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ــ أحمد الريسوني الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب

[2] ــ لأن نمط الاعتقاد المغربي متميز عن باقي الأنماط المتبعة في الأقطار الإسلامية الأخرى، وهو ما خلصت إليه نتائج استطلاع حديث أجراه معهد «غالوب» الأمريكي الشهير الذي جاء فيه أن «المغاربة يعدون ثالث شعوب العالم الأكثر تدينا».98 %في المائة من المغاربة المستجوبين في الاستطلاع أجابوا ب»نعم» حول حضور الدين، بقوة، في حياتهم اليومية، متقدمين بذلك على العديد من الشعوب الإسلامية والإفريقية. مصر احتلت المركز الأول في نتائج الاستطلاع بنسبة 100 في المائة وبنجلاديش صنفت ثانية بنسبة 99 في المائة.استطلاع معهد «غالوب» الأمريكي استمر ثلاث سنوات (2006، 2007، 2008) وشمل عينات من 143 بلدا وإقليما حول العالم، وحددت العينة في ألف شخص لا تقل أعمارهم عن 18 سنة، طُرحت عليهم أسئلة، على اختلاف أديانهم، حول ما إذا كان الدين يحتل جزءا هاما من حياتهم اليومية أم لا.معهد «غالوب» الأمريكي في نتائج استطلاعه على معيار صوم شهر رمضان فسيكون المغاربة على رأس الشعوب الأكثر تدينا، لأن هذا الشهر الفضيل بالنسبة إلى المغاربة مقدس، على خلاف معظم الدول العربية، في حين لا تجد فريضة الصلاة اهتماما كبيرا لدى المسلمين المغاربة. انظر أيضا تقريرا أنْجزه المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة حول “الحالة الدينية في المغرب”، وهمّ الفترة ما بين 2017 و2016، عند ما اعتبره “استمرار تصاعُد الإقبال على التديّن وسَط المجتمع المغربي”، مستنداً في حُكمه على مجموعة من التمظهرات الدينية التي رصدها؛ من قبيل “تزايد الإقبال الديني خاصة في شهر رمضان، وتزايد الإقبال على مدارس التعليم العتيق، ورفع عدد المتمدرسين وتوسيع طاقتها الاستيعابية والاهتمام المتزايد بالمساجد ودور القرآن”.ومن جُملة المؤشّرات الدّالة على تنامي حركية التديّن لدى المغاربة -حسب التقرير-تشييد المساجد والعناية بها، وكذا حركيّة المصلين في الإقبال عليها، أوْ إسهامها في التأطير الديني، حيث كشفت المؤشرات الرصدية لسنة 2016 عن “تنامي الاهتمام بالمساجد سواء من قبل الفاعل الديني الرسمي أو المدني حيث تزايد حضورها في اهتمامات المتدين المغربي، حيث وصل عددها إلى حوالي 50 ألف مسجد، منها فتح 200 مسجد جديد، وذلك بـأصل 200 مسجد في السنة”.وبناء على المعطيات المجمعة، سجل التقرير ارتفاع مؤشرات التدين بشكل كبير في المجتمع المغربي خلال شهر رمضان؛ الأمر الذي تؤكده عدد من الإجراءات والأعمال على المستوى الرسمي أو المدني”، كما سجلت المساجد المُصليات أرقاماً قياسيةفي الاقبال على صلاة التراويح والتهجد في مختلف المدن والقرى، وأبرزت أرقام التقرير “ارتفاع مؤشرات الدين خلال هذا الشهر، حيث أشارت إلى أن “150 ألفا ختموا القرآن خلف الإمام عمر القزابري في ليلة القدر لسنة 2016”.

الأستاذ عبد الرحيم مفكير

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى