مصطفى قرطاح يكتب: علو الهمة وأثره في حياة الداعية (الحلقة الثانية)

مفهوم علو الهمة:

  • الهَمُّ والهِمَّةُ لغةً: ما هممتَ به، أي أردتَه؛ أصلهما من ‌‌هَمَّ أو هَمَمَ، أي ما أشغلكَ طلبُهُ وتحصيله حتى أثر على حالتك النفسية والبدنية. قال ابن فارس: « قول العرب: هَمَّنِي الشيءُ: أذابني. وانهم الشحم: ذاب وأهمني: أقلقني. والهم: ما هممت به، وكذلك ‌الهمة، ثم تشتق من ‌الهمة: الهُمَامُ: الملك العظيم ‌الهمة. ومهمُ الأمر: شديدُه»[1].

 وقال الرازي: « هَمَّ بِالشَّيْءِ: أَرَادَهُ، وَأَهَمَّهُ الْأَمْرُ أَقْلَقَهُ وَحَزَنَهُ. والْهَمُّ: الْحُزْنُ وَالْجَمْعُ (الْهُمُومُ) وَ (الْمُهِمُّ) الْأَمْرُ الشَّدِيدُ. وَ (هَمَّهُ) الْمَرَضُ أَذَابَهُ. وَ (الِاهْتِمَامُ) الِاغْتِمَامُ. »[2] وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قَوْله صلى الله عليه وسلم” إِذا هَمَّ أحدكُم بِأَمْر” أَي قَصده وَاعْتَمدهُ بهمته وَهُوَ بِمَعْنى عزم[3].

أخبار / مقالات ذات صلة

يتضح من التعريفات المعجمية المتقدمة أن الهمة قوة كامنة في النفس تحمل صاحبها حملا شديدا على تحقيق مراده، ويظهر أثر تلك الشدة على حالته النفسية، فهو قَلِقٌ حزينٌ إلا أن يتحقق مراده على الوجه الأكمل، وتنعكس تلك الشدة على حالة البدن ضعفا وضمورا.

وإذا أطلق لفظ الهمة انصرف في الغالب إلى الوجه الأعلى منها، لكنها في الحقيقة توصف بالأوصاف المتقابلة؛ فكما يقال: همة عالية يقال كذلك همة قصيرة، ويقال أيضا: مُجْتَمِعُ الهمة أو مُتَفَرِّقُهَا، وذو همة بعيدة أي عالية؛ أو ذو همة قريبةٍ أي قَصِيرةٍ، وَهُوَ من رضي بِأَن يَكفِيَه غيرُه الأمورَ، ويكونَ كَلاًّ على غيرِه، وَيَقُول: حَسبِي مَا أَنا فِيهِ[4].

  • الهمة اصطلاحا:

حظي مفهوم الهمة بعناية العلماء والمربين والمصلحين، فأوردوا له تعريفات عديدة محاولين الإحاطة بمعناه. ومعلوم أن تعدد التعريفات لمصطلح معين يدل على قوته واتساع دلالته، وفيما يلي جملة من تلك التعريفات.

  • فقد عرفه الجرجاني بأنه: « توجهُ القلب وقصدُه بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو لغيره»[5].
  • وعرفها ابن مسكويه فقال: «وأما عِظَمُ ‌الهِمَّةِ فهي فضيلة للنفس تحتمل بها سعادَةَ الجد وضدَّها حتى الشدائد التي تكون عند الموت»[6].
  • وقال ابْنُ الكمال: ‌الهِمَّةُ: قُوَّةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْس، طَالِبَةٌ لَمَعَالِي الأُمُورِ، هَارِبَةٌ مِنْ خَسَائِسِها»[7].
  • وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: “والهِمة فِعْلَةٌ من الهم، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خَصُّوها بنهاية الإرادة. فالهم مبدؤها، والهمة نهايتها… وأضاف:” همةُ العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبا خالصا صادقا محضا، فتلك هي الهمة العالية التي لا يتمالك صاحبها، أي لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره، لغلبة سلطان الهمة عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود، ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها. وصاحب هذه الهمة سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق»[8].

 

 

[1]  ـ مقاييس اللغة: 6/ 13. لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت ٣٩٥هـ) تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م.

[2]  ـ  «مختار الصحاح» (ص328)، لزين الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: 666هـ)، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا الطبعة: الخامسة، 1420هـ / 1999م

[3]  ـ «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» (2/ 270)، للقاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت ٥٤٤هـ) المكتبة العتيقة ودار التراث.

[4]  ـ تاج العروس من جواهر القاموس» (28/ 57)، لمحمّد مرتضى الحسيني الزَّبيدي تحقيق: جماعة من المختصين وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، أعوام النشر: (١٣٨٥ – ١٤٢٢ هـ) = (١٩٦٥ – ٢٠٠١ م).

[5]  ـ  التعريفات: (ص257). لعلي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (ت ٨١٦هـ) دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة: الأولى ١٤٠٣هـ -١٩٨٣م.

[6]  ـ «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق: (ص30)، لأبي علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (ت ٤٢١هـ) تحقيق: ابن الخطيب، مكتبة الثقافة الدينية الطبعة الأولى.

[7]  ـ تاج العروس من جواهر القاموس: (34/ 120)

[8]  ـ مدارج السالكين في منازل السائرين، 3/ 360 ـ 361.  لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ – ٧٥١)، دار عطاءات العلم (الرياض) – دار ابن حزم (بيروت) الطبعة الثانية، ١٤٤١ هـ – ٢٠١٩ م.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى