كيف يستفيد الدستور المغربي من مقاصد الشريعة الإسلامية – عبد الحق لمهى

يكاد يتفق كل من تناول مفهوم مقاصد الشريعة من المتقدمين والمتأخرين على معنى واحد هو أنها جاءت لإقامة مصالح الخلق في المعاد والمعاش، في العاجل والآجل.[1]

هذه المصالح التي جاءت الشريعة من أجلها قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: الضروريات والحاجيات والتحسينات. وذلك يعبر عنه قول صاحب الموافقات: “تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: إحداها: أن تكون ضرورية. والثاني: أن تكون حاجية. والثالث: أن تكون تحسينية[2]

ويعد الإمام أبو حامد الغزالي أول من قسمها (أي الضروريات) إلى خمسة أقسام فقال: “ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.[3]

 وبخصوص سبل حفظها فقد بينها العلماء، ومنهم الإمام الشاطبي في الموافقات فقال: «والحفظ لها يكون بأمرين: “أحدهما” ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها. وذلك عبارة عن مراعاة من جانب الوجود. والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”[4] ولحفظ النفس ـ مثلا ـ شرع الإسلام: وجوب تناول الطعام والشراب واللباس ….[5] وفي سبيل حمايتها حرم الإسلام الانتحار، لأنه اعتداء على النفس الإنسانية، وشرع القصاص في النفس…[6]

من خلال ما سبق، يمكننا القول بأن شريعة الإسلام تمتلك قانونا متكاملا فيما يخص حفظ الضروريات الخمس، يتميز بالتوازن من خلال جمعه بين التشريعات التي تحفظ كل ضروري من جانب الوجود والعدم كما عرضناه سلفا.

ويبقى السؤال المطروح ماذا يمكننا استفادته مما عرضناه سالفا في مجالات الحياة المعاصرة اليوم، ففي هذا السياق نستطيع القول بأن أي تشريع بشري وضعي ناجح يروم حفظ مصالح الانسان إلا كان من المهم فيه تشريع قوانين تجمع بين ما يحفظ تلك المصالح من جانب الوجود ومن جانب العدم.

وإذا تأملنا ـ بشكل أولي ـ في وثيقة الدستور المغربي لسنة 20011م على سبيل المثال نجده يستحضر هذه ” المنهجية الأصولية”  في ثنايا بنوده ومواده، ومن ذلك ما تضمنه الباب الثاني منه والمعنون ب “الحريات والحقوق الأساسية ” [7]حيث نجد النص الدستوري يشير بعبارات والفاظ منها : ” يتمتع الرجل والمرأة “، ” الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل انسان، ويحمي القانون هذا الحق ” … فهذه بعض العبارات التي يمكن أن نفهم منها حفظ بعض الحريات والحقوق من جانب الوجود، وبجانبها العبارة السالفة الذكر نجد المشرع يقول مثلا ” لا يجوز المس بالسلامة الجسدية…” و” لا يجوز لأي أحد أن يعامل الغير،…..” ففي هذه العبارات ما يمكن حمله على أنه تشريع يحفظ تلك الحقوق المنصوص عليها في هذا الباب من الدستور.

صفوة القول مما سبق التطرق إليه في هذه المقالة، أننا يمكننا اعتبار منهجية أصول الفقه الإسلامي في حفظ الضروريات منهجية في الحياة كلها حيث يمكن للمشرع وغيره ـ كما رأينا قبل ـ الاستفادة منها في وضع القوانين والتشريعات الضامنة لحفظ الحقوق والحريات.

الهوامش:

[1]  ـ.الموافقات في أصول الشريعة، ابي إسحاق الشاطبي م 1، ج 2، ص 4، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان، ط الثامنة 2005م ـ 1426ه.  وانظر مقاصد الشريعة ومكارمها، لفضيلة العلامة الأستاذ علال الفاسي، ص 111، دار السلام، ط 1ـ1432ه ـ 2011 م.

[2]  ـ الموافقات م 1، ج 2، ص 7 مصدر سابق. وانظر حقوق الانسان في الإسلام، دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي والاعلان الإسلامي لحقوق الانسان، تأليف الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي، ص 81، دار ابن كثير، ط 6ـ 1432ه ـ 2011م.

[3]  ـ المستصفى، للغزالي ج 1 ص 287.

[4]  ـ الموافقات، مصدر سابق م1، ج 2، ص 7، 8 وما بعدها. وما بعدها

[5]  ـ. حقوق الانسان في الإسلام مرجع سابق، ص 86.

[7]ـ الدستور الجديد للمملكة المغربية. ص 20ـ21. ط 1 ،2011.الناشر édition emaliv.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى