في مقال رأي، الدكتور قرطاح يكتب: السلمية اختيار استراتيجي وليست مناورة الضعفاء

منذ أن دخلت حركة طالبان العاصمة الأفغانية كابل واندحرت بالتزامن مع ذلك القوات الأمريكية ومعها السلطات الأفغانية العميلة،  أخذت مواقع التواصل  الاجتماعي تعج بالتدوينات القصيرة والمقالات المتوسطة والطويلة تتناول الموضوع من زوايا متعددة ومختلفة. وما يهمني منها الآن هو تلك التي تدندن حول سبيل الخلاص الذي ينبغي على الحركات الإسلامية أن تنهجه للتخلص من ربقة الاستبداد والدكتاتورية. إذ جنح البعض من تلك المنشورات إلى الإشادة بالخيار العسكري الذي انتهجته طالبان   معتبرين ذلك شاهدا على صحة العقيدة وقوة الإيمان لدى الحركة وصلابة مواقفها وعدم تنازلها عن مبادئها. وفي ضمن تلك الإشادات، لمز من طرف خفي للحركات الإسلامية التي اختارت الانتخابات والديمقراطية سبيلا لاكتساب مشروعيتها السياسية، واختارت السلمية طريقا لمواجهة الانقلابات، وانتهى بها هذا الاختيار إلى السجون والإعدامات والمنافي بعد الإقصاء من الحكم وإلغاء الشرعيات الانتخابية.

ولعل مما زاد من حدة التقابل هته بين خيار السلمية وخيار القوة، أنه خلال مدة لا تزيد عن الشهر تقابل حدثان يجسدان الاختيارين معا. الحدث الأول هو الانقلاب الذي شهدته تونس وادى إلى إلغاء البرلمان  الذي تترأسه حركة النهضة، ومن ثم إقصائها من أي مشاركة سياسية . وأما الحدث الثاني فهو انتصار طالبان على الحكومة الأفغانية وراعيتها الأمريكان.

ولا شك أن قصر المدة الفاصلة بين الحدثين، والفرق الهائل بين نتائج كل منهما، كان لهما الأثر الواضح على الحالة النفسية لأصحاب تلك التحليلات. فمباشرة بعد انقلاب تونس انبرت بعض الأقلام تتساءل: لماذا فشل الإسلاميون؟ وهو سؤال لم يترك الفرصة للنقاش حول تجربة الإسلاميين هل فشلت فعلا أم لا، بل حسم الأمر وقطع بالحكم بالفشل، وانطلق في البحث عن أسبابه مدرجا في ثنايا ذلك شيئا غير يسير من الجلد والتقريع، ومتسائلا في نبرة استفزازية: ما فائدة التنازلات التي قدمت إذن؟ وما جدوى خيار  السلمية؟ ومع التقدم في التحليل ذهب البعض إلى أن  السلمية ليست إلا تورية للانهزامية، وأن التنازلات ليست إلا إيثارا للكراسي  والمناصب وتقديم الحياة الدنيا على الآخرة. فلما جاء انتصار طالبان واندحار خصومها بتلك الصورة المثيرة وجدوا في هذا الحدث مستندا واقعيا للتأكيد على سداد رؤيتهم وصوابية تحليلهم.

أجد من الواجب الشرعي على أهل العلم والفكر التصدي لمثل هذه التحليلات وبيان عوارها المنهجي. وهذه الكلمات مساهمة متواضعة في هذا الاتجاه، وأرجو من الله تعالى أن تدعم بالمساهمات الوازنة من أهلها. لست هنا ادعي امتلاك الحقيقة، ولكني انطلق من مقدمات منهجية أخذتها بعين الاعتبار.

وأولها  أن النفوس المتوترة لا يمكن أن يصدر عنها رأي سديد، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقضي القاضي وهو غضبان. ويجتمع الفرح مع الغضب في التشويش على العقل، وأصحابنا هؤلاء ينتقلون من الغضب المفرط عند الأزمة  إلى الفرح المفرط كذلك عند تحقق بعض المكاسب.  وأسباب التوتر النفسي لدى المتحمسين للمشروع الإسلامي ازدادت حدة بعد الانقلاب الدموي على الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله تعالى، وما تبع ذلك من إجهاض للثورتين  الليبية واليمنية والانقلاب في السودان ثم انقلاب تونس في آخر الحلقات . ولعل الأقلام والمنابر الإعلامية المناوئة قد نجحت إلى حد بعيد في استفزاز الفكر الإسلامي،  وكرست لدى بعض أهله تصورا مفاده أن العمل الإسلامي هو مسار من الفشل والإخفاقات، وأن قادة المشروع الإسلامي مجرد وعاظ لا يصلحون لقيادة الدول وإدارة المجتمعات بتنوعاتها. كما دفعته إلى تبني وانتهاج العدمية عند نقد العمل الإسلامي، فلم يعد يذكر له أي منقبة ولا يرى له أي إنجاز يشرف.

المقدمة المنهجية الثانية أن هذه التحليلات يطبعها التسرع وضغط اللحظة، فهي لا تترك بينها وبين الحدث مسافة زمنية يقتضيها التروي والتؤدة اللازمين للتبصر والحكم بعدل واعتدال، بل إنها تستل أقلامها لتدبج ما تمليه اللحظة من انطباعات وانفعالات معتبرة ذلك هو التحليل السديد.
أما المقدمة المنهجية الثالثة فهي ان هذه التحليلات تضع الخيار العسكري في مقابل الخيار السلمي ونقيضا له، وعلى الفاعل الإسلامي أن يختار أحدهما. هذا مع أن النصوص والمقاصد الشرعية تؤكد أن الأصل هو الاختيار السلمي وان الخيار العسكري هو ضرورة واستثناء يؤكد قاعدة السلم، وإجراء يتخذ  لضمانه فقط، ولذلك فهو يقدر بقدره حاجة ومحلا وزمانا.
من القواعد الفكرية المنهجية التي استثمرها العقل الإسلامي بمختلف تخصصاته قاعدة اعتبار الجزء بالكل، ومفادها أنه لا عبرة بالجزئي  إلا في إطار الكلي، فإذا كان الجزئي منساقا مع الكلي وخادما له فهو معتبر، ومثال ذلك أن فهم الآية القرآنية يعتبر بمدى اتساقها مع مجموع السورة الواردة فيها. وعليه  فليس مهما أن  نخسر معركة إذا كنا سنربح حربا، أو أن نخسر صفقة على أن نربح مشروعا ولكن الخسارة الفادحة هي أن يقع العكس. وإن المشروع الأكبر الذي يؤطر الفعل الإصلاحي هو تمليك المجتمع حرية الاختيار ، أن يختار حاكمه بكل حرية، وأن يختار قوانينه بكل حرية، وأن يختار وجهته بكل حرية. وان تكون الشورى والديمقراطية أساسا لتدبير الاختلاف وإدارة التنوع. واحسب أن هذا هو جوهر الإسلام الذي نادت آياته أن لا إكراه في الدين وأن توحيد الألوهية يقتضي نفي الوهية البشر وتحكمهم واستفرادهم بالرأي والقرار. وقد تعلمت من تجربة العمل الجمعوي  أن تدبير الاختلاف بالطرق السلمية وتقبل الرأي الآخر والاستماع للمخالف والاستعداد الذاتي لمراجعة الرأي الشخصي  ليست بالأمور السهلة، بل دونها عوائق نفسية وعادات اجتماعية وسلوكية سيئة تحتاج إلى جهد جهيد ، تربوي وثقافي وفكري لإزالتها .
وقد تجد الواحد يدبج المقالات ويؤلف الكتب في موضوع الحوار وآدابه وشروطه وعن الاختلاف تأصيله وطرق تدبيره لكن عند تسيير الاجتماعات وتدبير النقاشات تجده شخصا مختلفا تماما يناقض فعله قوله. ولعل المتابع لبعض البرامج الحوارية والمطلع على ما يروج في مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي يخرج بخلاصة مفادها أن ثقافة الحوار وآدابه لا تزال بعيدة المنال منا، وأن المتحاورين او المختلفين قد استعملا كل ما بحوزتهما من ” أسلحة لفظية من سباب وشتم”، ولم يبق لهم إلا الأسلحة النارية التي يفتقرون إليها. لذلك اجدني مدفوعا إلى القول بأنه على قدر ما يجب الإشادة باستعمال السلاح في محله، كما استعملته طالبان في مواجهة الاحتلال الأمريكي أو كما تستخدمه المقاومة الفلسطينية في مواجهة الكيان الصهيوني، فإنه في الوقت ذاته يجب ان نخاف من السلاح ونحذر من اعتماده في مواجهة الانقلابات والديكتاتوريات، إذ إن ذلك سيفتح باب فتنة عامة أشد من القتل، وما العشرية السوداء بالجزائر ونتائجها عنا ببعيدة. وعلينا أن نردد دون ملل المقولة الشهيرة للدكتور  محمد بديع فك الله اسره: ” سلميتنا أقوى من الرصاص”!!

الدكتور مصطفى قرطاح

*******

ملحوظة: “مقالات رأي” لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الهيئة الناشرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى