الانتخابات في المغرب2021الرئيسية-قضايا و آراءمع الحدثمقالات رأي

في مقال رأي، أحمد كافي يجيب عن سؤال: على من سأصوت؟

أفزعتني كتابة البعض ودعوته إلى عدم المشاركة والتصويت، بعد أن صوت سابقا، لأن أحلامه وآماله قد تبخرت مع حزب العدالة والتنمية حسبما نشر واقتنع بنظرته، مما جعله يعيد النظر في اختياراته السابقة، والدعوة إلى ترك العملية السياسية وهجرها، وإعلام الآخرين برأيه، في دعوة منه للاتساء بصنيعه.

لا حجر على الاختلاف في التقدير:

ولست أرى مانعا من أن يقرأ كل مكلف الوضع ويقدره، ولكن أن يرتب عليه الدعوة إلى المقاطعة وعدم التصويت، وتسفيه جهود المخلصين…بل وأن ينطلق من خلال نشره آهات بعض الكاتبين السابقين عن الأخطاء الستة أو العشرة للحركة الإسلامية…تلك هي الكارثة والفزع عندي. وأما النقد فعمل صالح.

الفزع الأول: هدم بناء عقود

أفزعني قول هؤلاء، لأن الذي بناه الصالحون ممن قضوا أو لا يزال البعض منهم على قيد الحياة، حين وجدوا أنفسهم ذات زمان عندما فكروا وأصلوا للمشاركة السياسية أن الأبواب دونهم موصدة، والسياسيين رافضون لهؤلاء الوافدين الجدد الذين ينطلقون من المرجعية الإسلامية.

لقد بذل السابقون جهودا علمية وفكرية، وأنفقوا أموالا للأقناع بالمشاركة السياسية، وأنها باب من أبواب العبادات إن أخلصنا لله تصرفاتنا. ثم رويدا رويدا بدأت الساحة السياسية التي كانت كارهة نافرة من الصوت الإسلامي مستأنسة به، قابلة وجوده…أفنقوم بإتلاف هذا البناء لأن البعض منا لم يجد نفسه في الاختيار، وبعضهم لم يجد تحسنا ماليا، وآخرون لم يجدوا تحسنا اجتماعيا، وفئة رابعة وجدت بعض الأخطاء…وخامسة لم تجد…

وكأن مشاكل المغرب منذ الاستقلال وجب على هذا الفصيل الإسلامي أن يغيرها. وكأنه ممنوع عليه أن يخطئ، بل عليه فقط أن يصيب!! ” اعدلوا هو أقرب للتقوى”.

إعنات الأجيال القادمة:

وهذا التفكير المتأزم من خلال ما كان ينتظره بناء على ما تخيله وتصوره، سيتلف بناءً يتسم بالقصور نعم، ولكن مع قصوره إذا تم إرباكه وهدمه، ستجد الأجيال القادمة نفسها أمام ضرورة البدء مما بدأنا نحن منه ذات تاريخ، كنا نتمنى أن نقبل فيه مشاركين فقط.

وعوض أن نسلم المشعل للأجيال كي يضيفوا كسبهم إلى ما انتهت إليه سابق الجهود. أرى أن هؤلاء يريدون نسف تلكم الجهود باختيار العدمية. وهذا معناه أننا نفرض بالزهد البارد والورع المغشوش أن يبدأ كل جيل الكرة من نقطة الصفر، وأن لا يترحم جيل على من سبقه، بل عليه:” كلما دخلت أمة لعنت أختها”!!!

ومن يدري أن يقع لجيل اليوم أو القادم منه تحت ضغط شكاة اليوم، فنستجيب لشكواهم بنسف الجهود. ونكون قد قررنا عن وعي أن لا تستفيد من التراكم الأجيال، وليكافح كل جيل وحده ثم يقطع طريق المواصلة. لا تحقيق للإصلاح إلا بالتراكم بما له أو عليه.

الإصلاح: مد وجزر

متى كانت مسيرة الإصلاح عند الحركات الإسلامية أو أي حركة إصلاحية في الكون ومن أية مرجعية مع وجود الصدق في أصحابها، قد تمهدت السبيل أمامهم بالنصر تلو النصر، وبالمصلحة تلو الأخرى.

ما أعلمه من خلال قراءتي لمجموعة من التجارب الإصلاحية أنها تعرف مدا وجزا. ولا نخلي المسؤولية في هذه أو تلك لأحد. لكني أريد أن ننصف المسيرة المباركة في الإصلاح.

إن هذه المرحلة التي نعيشها اليوم بإيجابياتها وبعيوبها هي كسب الحركة الإسلامية المغربية.

وأعني بالحركة الإسلامية جميع العاملين للإسلام بشكل مباشر أو غير مباشر. من مثل: العلماء، والخطباء، والوعاظ، والمؤسسات الدينية المتنوعة، والحركات الإسلامية المنظمة، والتعليم العتيق، والشعب الشرعية، و المثقفين، والفاعلين السياسيين…كل هؤلاء ممن يتدافعون في الميدان، لهم نصيب في المشاركة تقل أو تكثر، وليس الأمر متعلق بحزب سياسي (العدالة والتنمية) أو حركة إسلامية واحدة.

إن هؤلاء جميعا ممن يؤمنون أن الإسلام ما فرط في مجال من المجالات ـ وأن قولا له عظيم ومساهمة غير منكورة في الجانب السياسي، وأن الحكم من أصغر وحدة فيه إلى أعلى الهرم كانت ولا تزال محط العناية العلمية والواقعية للإسلام ـ هم الحركة الإسلامية المباركة.

رفض الأمة:

لما كتب الشيخ علي عبد الرازق كتابه:” الإسلام وأصول الحكم”، وملخص فكرة الكتاب أن لا شأن للإسلام بالسياسة، قامت الأمة كلها للرد عليه، وبيان فساد ما فكر فيه.

صحيح أن الشيخ عليا تراجع عن كتابه وأفكار هذا الكتاب، واعتبرها من وحي الشيطان تسللت إليه. ولكن الفائدة أن العمل السياسي من أعمال الإسلام لا أعلم من خالف في هذا من علمائنا الكرام. وأن الذين يشتغلون فيه لا بد وأن تكون لهم إيجابيات أو سلبيات، تكثر هذه أو تقل في تلك.

ولكن المؤكد أن السلبيات قد تكون من ضرورات العمل الذي لا يمكن الانفكاك منه، وقد يكون من ترهل الفاعل السياسي…إلى غيرها من الأسباب. والإسلام في إطار محاربة السلبيات قد يتفهم أوضاع الضرورات، وينكر أوضاع الترهل. ويطالب بمعالجة ما تجب معالجته وتلافيه.

وأما الانسحاب والتشاؤم من تجاربنا وكسبنا فليس من شيم الصالحين، الذين يجعلون من الاجتهاد الخاطئ مناسبة لاستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وفضل.

الفزع الثاني: ضغط السلبيات والإخفاقات

أعند كل تصرف يكون لنا منه سلبيات يجب علينا أن نرفض المجال الذي جاءنا منه ما نكره. فإننا إذن أمام كوارث في التصور.

إن الإسلام وهو يطالبنا بالاجتهاد وبذل الوسع، يؤمننا نفسيا ويحذرنا من ضغط الأخطاء في الطريق، فلم يقل لنا إنكم إن أخطأتم فأنتم في حل وعفو، بل أعطى لنا مكافأة على الاجتهاد الصادق بأن لنا أجرا وإن أخطأنا، حتى لا نتهيب من الأخطاء، ولا نجعل للأخطاء سبيلا للتبرم والتضجر واليأس، بل مجالا للفهم والاستبصار، وصدق القائلون: من الأخطاء نتعلم.

وإن الأعمال في المجال العام لا بد وأن تكون منها إيجابيات، ولا بد وأن يرافق هذه الإيجابيات سلبيات وعقبات. والتعثرات من كسبنا كما النجاحات. ومن أخطائنا نتعلم ونتقدم، ونطالب بعدم تكرار التجارب التي ثبت فشلها. ولو لم تكن إخفاقات ما عرفنا قيمة النجاحات، ولا قيمة الرواحل التي كانت وراءها.

وأما الذي يبحث عن القديسين المعصومين فلا أعلم من ديني وجودهم في الأرض.

الموضوعي والذاتي في التعثرات:

وحتى نكون منصفين علينا أن لا نجلد الذات بسياط الظلم، ولا نجلد الآخرين بالحيف عليهم، فإن هذه التعثرات قد تكون بسبب قلة الخبرة، أو دهشات المجال الذي أصبح بين أيدي الفاعلين الجدد، وقد يكون من عجز وتقصير منهم، وقد يكون بسبب عدم حضور وقت النصر. فالنصر لا يتأخر عن زمنه ولا يتقدم. وقليلون من يستحضر دور الزمن في العلاج.

وفي كل الأحوال، نحن مطالبون بأن إذا توقفنا في محطة بسبب التعثرات، أن نصمد في هذه المحطة التي استنفذنا فيها جهودنا واستفدنا منها، وأخذنا منها وأخذت منا، وأن نسلمها لدماء جديدة تكون قادرة على الإبداع والقفز بالتجربة إلى مدى آخر أسعد وأفضل. وأما أن نروج لترك السياسة فمكيدة إبليسية تروج على كثير من الصالحين.

الاعتراض أولا والموافقة ثانية:

ومن التجارب الحزينة التي يجب الحذر منها أن كثيرا من الأفاضل يعترضون ويرفضون ويستقيلون، ثم يجدون أنفسهم أمام بشر يتحكمون فيهم من غير وعي منهم، ماذا فعلوا. فيتحكمون فيهم ضدا على اختياراتهم، ودون التفات إليهم.

يستفيقون من خطئهم، فينهضون كي يوجدوا مكانا لأنفسهم، لأنه ثبت عندهم بالواقع الذي لا يرتفع أن وجودهم واعتراضهم ومدافعتهم، خير من السعي إلى إلغاء ما تم تقنينه في غيبتهم.

وكل التجارب في العالم كله، أثبتت أن الذين دعوا إلى المقاطعة أو تركوا المجال السياسي، إما تراجعوا عنها بعد أداء الثمن غاليا. وإما تجاوزتهم الأحداث وعاشوا بوارا في أفكارهم، وانفض سامر الناس عنهم، وتقررت القضايا الخطيرة دون أن يستمع لأنينهم وصراخهم أحد.

ومن المذمات عند العرب التي هجوا بها، قولهم:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستأمرون وهم شهود

فعلى من سأصوت؟

يتبع إن شاء الله تعالى

د. أحمد كافي

*/*/*/*/*/*/

ملحوظة: مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة الناشرة 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى