أخبارالرئيسية-عيد الفطر

زكاة الفطر وتعزيز فاعلية المجتمع في الإصلاح ـ مصطفى قرطاح

 من تجليات حكمة الله تعالى في التشريع أنه أناط مهمة الإصلاح بالأمة، فقال سبحانه:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]. وأصل الأمة في كلام العرب الطائفة من الناس التي تؤم قصدا واحدا: من نسب أو موطن أو دين، أو مجموع ذلك[1]، و قد اختلف في المعني بالخطاب في الآية،  فقيل هو مجموع الأمة على اعتبار أن كلمة “منكم”هي بيانية، ويكون معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وقيل بعض الأمة على اعتبار أن ” منكم” تبعيضية، غير أن هذا البعض يجب أن يبلغ ما تتحقق به الكفاية في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[2] .

    ولعل أهم تحد يمكن أن يواجه أية قيادة كيفما كان مستواها هو النجاح في تعبئة مواردها البشرية للانخراط في إنجاح الأوراش التي تشتغل عليها. ينطبق هذا الأمر على الأسرة كما ينطبق على المؤسسات الإدارية والاقتصادية، وينطبق كذلك على الحكومات  والدول. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى يوم فتح مكة حيث قال عن الهجرة: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»[3]. فإذا كان على القيادة أن تستنفر الرعية للنهوض لأعمال الخير؛ فإن على الرعية أن تستجيب، لكن درجة هذه الاستجابة تبقى مشروطة بتحقق جملة من الشروط الموضوعية المرتبطة بالتكليف تجعل المكلفين يقبلون عليه وينشطون له.

       وتعد مشكلة الفقر واحدة من المشكلات التي تواجه الدول والمجتمعات، وتجتهد الحكومات في وضع البرامج والخطط لحلها، غير أن ما يتحقق من نتائج تلك البرامج والخطط يبقى دون المستوى المنشود. لذا فإن من الحكمة ونفاذ البصيرة الاستنان في هذا الشأن بمنهج الإسلام في تشريع فريضة زكاة الفطر كما يتضح من خلال الإضاءات الآتية.    

  1. توسيع وعاء الزكاة:

        والمقصود أن الذين فرض عليهم زكاة الفطر عدد كبير جدا يكاد يشمل المجتمع بأسره؛  فزكاة الفطر هي زكاة أبدان وليست زكاة مال، حيث فرضها الشرع الحنيف على كل مسلم؛ حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، ممن أدركه مغرب ليلة العيد أو فجر يومه وهو حي يرزق. وليس من شرطها الغنى ولا حصول النصاب، بل يكفي أن يكون لصاحبها فضل عن قوته وقوت عياله[4]. قال ابن عبد البر: «وقد قيل إنها تجب على الغني والفقير ومعناه عندنا إذا قدر عليها الفقير كما وصفنا والله أعلم. وقال مالك: يستسلف إذا وجد من يسلفه ويؤدي»[5].

وعليه فإن أفراد الأسرة جميعا يجدون أنفسهم ملزمين بإخراج زكاة الفطر، ويكون رب الأسرة ملزما بإخراجها عمن تلزمه نفقته، والحصيلة النهائية أن غالبية أفراد المجتمع بمن فيهم الرضع والشيوخ سيخرجون زكاة فطرهم.

        ولا يختص وجوبها بناحية أو إقليم معين، فهي تجب على أهل البوادي كما تجب على أهل القرى والأمصار. قال مالك: «تجب زكاة الفطر على أهل البادية كما تجب على أهل القرى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس. على كل حر أو عبد. ذكر أو أنثى من المسلمين»[6].

إقرأ أيضا       رمضان مدرسة ربانية ـ خطبة عيد الفطر

       نتيجة ذلك أن الإسلام ضمن انخراط غالبية أفراد المجتمع في إخراج زكاة الفطر، ونجح في حث جميع فئات المجتمع على الإسهام في أداء هذه الشعيرة العظيمة ونيل شرف ما يترتب عنها من مصالح دينية ودنيوية، ومن ذلك ارتفاع عائد زكاة الفطر وجودة مردوديتها. فلو افترضنا أن حوالي 20 مليون مغربي ستخرج عنهم زكاة الفطر، وكان مقدار قيمتها هو 13 درهما، فإن المبلغ الذي سيتداول بين المزكين والمستحقين لها هو 260 مليون درهم، وهو رقم مالي مهم جدا. يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا»[7].  

  1. خفة مقدار الزكاة واتساع أصناف المخرج:

        فخفة المقدار جعلت فئات واسعة من المجتمع تنخرط في هذا العمل الإصلاحي وتستشعر المسؤولية في محاربة الفقر وتنخرط في مكافحته ولو بالأمر اليسير. فالكثيرون من ذوي الدخل المحدود يجدون من أنفسهم القدرة على تحمل مقدار هذه الزكاة، فهو لا يعدو أن يكون صَاعًا مِنْ أنواع مختلفة من الأطعمة.

        عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين»[8].  وعن أبي سعيد الخدري قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب، وذلك بصاع النبي صلى الله عليه وسلم»[9].

        وخفة هذا المقدار تندرج ضمن المنهج الرباني في الإنفاق القائم على قيمة الوسطية والاعتدال حيث قال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [الفرقان: 67]

        كما أن تعدد الأصناف المخرج منها شكل عامل تيسير على المكلفين، إذ لا يلزمهم البحث عن صنف معين من الأطعمة لإخراج الزكاة منه، بل يخرجونها مما بين أيديهم مما يطعمونه ذويهم. وقد كان مقصد التيسير هو الإطار النظري الذي حكم اختلاف الفقهاء في المفهوم من تعدد الأصناف في حديث أبي سعيد الخدري، فمنهم من رأى «أن ذلك على التخيير للذي تجب عليه، وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلف إذا لم يقدر على قوت البلد، وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب »[10].

إقرأ أيضا

زكاة الفطر وقيمتها الاجتماعية

وفي هذا السياق تفهم إباحة الفقهاء إخراج الزكاة بقيمتها نقدا[11]، فهو أمر يتسق مع تعدد الأصناف المخرجة، ومع مقصد التيسير على المكلفين، ولعله يكون أكثر نفعا للمستحقين.

        وكما تضمن خفة المقدار القدرة على الأداء فإنها تضمن كذلك المداومة عليه، وذلك لعدم وجود العسر والمشقة المحرِجَةِ في القيام به، وإن من أحب الدين إلى الله تعالى أدومه وإن قل.

  1. الاجتهاد العيني في تحديد مستحقي الزكاة:

        حرص الإسلام على إيصال حق الزكاة إلى أصحابها المستحقين لها، فاتخذ أفضل السبل إلى ذلك وأيسرها، حيث أوكل أمر تحديد مستحقي الزكاة إلى المكلف نفسه، داعيا إياه إلى الاعتماد على معرفته الخاصة به من خلال قربه منه واطلاعه على أحواله. قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26]، وقال أيضا:{فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38، 39]، وبذلك لا تتحول زكاة الفطر إلى ضرب في عماية، بل تكون عملية قاصدة جامعة مانعة، تستهدف المستحقين لها وتمنع غيرهم.

        واعتماد سياسة القرب في أداء فريضة الزكاة يحقق مصالح متعددة منها،

  • فهي تعزز خلق العفة في المجتمع، فكثير من الفقراء يتورعون عن سؤال الناس إيثارا لعزتهم وكرامتهم وحفظا لماء وجههم، فيحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم، ولا يطلع على فقرهم وحاجتهم إلا من كان قريبا منهم.
  • وهي كذلك تعزز الصلات في المجتمع وتقوي درجة تماسكه، فالقريب لن يكون إلا من أهل الرحم أو من الجيران أو من أصدقاء العمل.

فلو خصصت لهم زكاة الفطر لتوطدت العلاقة بين المعطي والآخذ، وهذا ما يجعل الصدقة مضاعفة الأجر كذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ »[12].

        وفي معنى سياسة القرب دعا الفقهاء إلى تخصيص زكاة الفطر بفقراء أهل البلد ومنحهم الأولية في ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حين بعثه إلى اليمن:  «… فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[13].

        قال ابن بطال معلقا على هذه الفقرة من الحديث النبوي: « واختلفوا فى نقل الصدقة من بلد إلى بلد، فقال الشافعي: لا يجوز نقلها من بلد إلى بلد آخر، وقال مالك: إذا وجد المستحقون للزكاة فى البلد الذي تؤخذ فيه لم تنقل عنه إلى بلد آخر، … وقال أبو حنيفة: يجوز نقلها إلى بلد آخر مع وجود الفقراء فى البلد الذي تؤخذ فيه، وإن كنا نكرهه»[14].

      خلاصة:

  • يتضح مما تقدم من الإضاءات السابقة أن الإسلام قد اختط منهجا سديدا يجعل به المجتمع فاعلا في الإصلاح ومواجهة مشكلة من أخطر المشكلات التي تواجهه وأعمقها أثرا فيه وأشدها خطرا عليه، ألا وهي مشكلة الفقر، وبهذا المنهج يتخلص أفراد المجتمع ـ إن هم أحسنوا التطبيق ـ من آثار السلبية و الانتظارية والاتكالية، والاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخر من حكومات ودول أو غيرهم، مع تبرئة الذمة من كل مسؤولية. بل إنهم يطلقون قدراتهم مهما قلت في سبيل إصلاح أحوال المجتمع ومواجهة مشكلاته. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

  • [1]  ـ التحرير والتنوير للإمام الطاه بن عاشور(4/ 37)
  • [2]  ـ مفاتيح الغيب للرازي: 8/314 ـ 315.
  • [3]  ـ صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير.
  • [4]  ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/ 41)
  • [5]  ـ الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 321).
  • [6]  ـ موطأ مالك كتاب الزكاة، باب من تجب عليه زكاة الفطر.
  • [7]  ـ صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء.
  • [8]  ـ الموطأ، كتاب الزكاة، باب مكيلة زكاة الفطر.
  • [9]  ـ نفسه.
  • [10]  ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2/42.
  • [11]  ـ ينظر رأي الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى “حول زكاة الفطر ومقدارها كيلا ونقدا لعام 1440ه /2019 م، الصادر يوم السبت 19 رمضان 144ه 25 ماي 2019م ، وقد حدد قيمتها نقدا في 13 درهما..
  • [12]  ـ سنن الترمذي، أبواب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة.
  • [13]  ـ وأول الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ،. رواه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة.
  • [14]  ـ شرح صحيح البخارى لابن بطال (3/ 547-548)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

موقع الإصلاح يضع بين أيديكم ملفا متكاملا  عن عيد الفطر 

زيارتكم لموقع الإصلاح https://alislah.ma شرف للإصلاح 

الوسوم

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق