أخبارالرئيسية-رمضان

رمضان شهر القرآن

الحمد لله على نعمة الإسلام و كفى بها نعمة والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد السبب في كل خير و منة، الشفيع المشفع في هذه الأمة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته والتابعين، وعلى من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين.

أما بعد ، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، وسلك منهاجا قويما و سبيلا رشدا ومن يعص الله و رسوله فقد غوى و اعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله و سؤله، فإنما نحن بالله و له .

عباد الله : حديثنا اليوم سيكون عن كون رمضان شهر القرآن فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر في رمضان من قراءة القرآن ومدارسته ، وكان أجود ما يكون بالخير في رمضان، فلهو أجود من الريح المرسلة حين يدارسه جبريل عليه السلام القرآن، فالله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ ﴾[ سورة البقرة الآية : 185] إذن من كرامة هذا الشهر على الله عزَّ وجل أنه قد أنزل فيه القرآن و من حرمته وفضيلته أن سن سبحانه لقراءته آدابا منها حسن الاستماع والإنصات إليه فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلب القارئ والسامع برحمته ألم يقل عز شأنه:﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[ سورة الأعراف الآية : 204 ].

أيها المؤمنون إن الله سبحانه وتعالى لم يدعنا إلى تلاوته فحسبُ ولكن إلى تدبُّره وفهمه، وإلى التأمُّل في معانيه والتبصُّر في آياته تدقيقا وتمحيصا، قال تعالى:﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾[ محمد الآية : 24 ]

ـ تلاوة القرآن : أيها الإخوة شأنٌ كبيرٌ من شؤون المؤمن و أحواله، فمن أبرز أحوال المؤمن تلاوته لكتاب الله. قال عز من قائل:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾[ سورة يونس الآية : 61 ] و قد وصف الله سبحانه القرآن بأنه عظيم، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ) سورة الحجر الآية : 87 ]فإذا وصفه الله ـ وهو العلي العظيم ، بأنه عظيم ـ أفلا يجدر بنا أن نعظِّمه ؟ ثم إن من آداب القرآن أن نلتجئ إليه سبحانه وتعالى ونستعيذ به ، ونحتمي بحماه من كل شيطانٍ رجيم ، ومن كل وسوسة اللعين إذا تلونا كتابه الم يأمر بذلك إذ قال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾[ سورة النحل الآية : 98 ]و قد بين عز وجل.﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾[ سورة الإسراء الآية : 9] هداية مطلقة في كل مجال في الحياة الزوجية ، في الحياة المعاشية، في العمل ، في الصحَّة الجسدية و النفسية و العقلية في كل شؤون الحياة لو اتبعنا القرآن الكريم لعرفنا ..﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نقرأ القرآن في أوقات السحر ، في أوقات الفجر ، قال الله تعالى:.﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾[ سورة المزمل الآية : 6] و قال عز من قائل:﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾[ سورة الإسراء الآية : 78 ] ويبيِّن الله سبحانه وتعالى أن القرآن شفاءٌ للنفوس ، ورحمةٌ للمؤمنين فقال تعالى :﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾[ سورة الإسراء الآية : 82 ] و لله الحمد تولَّى الله سبحانه وتعالى تيسيره ، وتيسير تلاوته ، وحفظِه للموفقين من عباده، فقال تعالى :﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾[ سورة القمر الآية : 17 ] فكيف لا نخشع للقرآن والجبال الشامخة تخشع له لو أُنْزِلَ عليها ؟!..﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾[ سورة الحشر الآية : 21 ] .

ـ لابدَّ لي ولك ولنا جميعا معاشر المؤمنين من قراءة القرآن، ولو صفحةً في اليوم ، ولو حِزْباً ، ولو جُزْءاً . والله سبحانه وتعالى يقول :﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً ﴾[ سورة المزمل الآية : 4 ] و يقول:﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾[ سورة المزمل الآية : 20 ] وقد أثنى سبحانه وتعالى على بعض أهل الكتاب فقال تعالى :﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾[ سورة البقرة الآية : 121 ]وقد فسَّر العلماء (حقَّ التلاوة) بتجويده ، وفهمه ، والعمل به.

تلك ـ أيها الإخوة ـ كانت بعض آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن القرآن الكريم ، فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الكتاب العظيم ؟ قال عليه الصلاة والسلام :(( من قرأ القرآن ثم رأى أن أحداً أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظَّمه الله)) رواه الطبراني. و قال عليه الصلاة و السلام: (( ما من شفيعٍ أفضل منزلةً عند الله تعالى من القرآن)) (قال العراقي: رواه عبد الملك بن حبيب من رواية سعيد بن سليم مرسلاً) وعن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : (( لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق “))رواه الدارمي، وقال: (( أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ))( البيهقي في شعب الايمان عن النعمان بن بشير) و.قال.(( خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه ))( البخاري في صحيحه ) وقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ((يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ‏أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه”. (رواه الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وقال ‏: هذا حديث حسن غريب).‏ قال صلى الله عليه و سلم:(( (ثلاثة على كثيب من مسك أسود يوم القيامة ، لا يهولهم الفزع ، ولا ينالهم الحساب :1ـ رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم به قوما وهم به راضون (يعني ليسوا كارهين لأن من أمَّ قوماً وهم له كارهون لا تتجاوز صلاته اذنيه يعني لا ترفع و لاتقبل) . 2ـ ورجل أذن في مسجد دعا إلى الله ابتغاء وجه الله . 3ـ ورجل ابتلي بالرق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن طلب الآخرة) (رواه البيهقي في “شعب الإيمان” عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.)و قال صلى الله عليه و سلم: (( أهل القرآن أهل الله وخاصَّته ))( ابن ماجة في سننه عن انس) و.قال صلى الله عليه و سلم:.(( إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، فقيل : يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت وتلاوة القرآن)) المنتقى من سماعات محمد ابن عبد الرحيم المقدسي عبد الله بن عمر .

ـ و قال صلى الله عليه و سلم:(( لا يحزن قارئ القرآن ))

فهلا تأملنا هذا الحديث: نعم صدق عليه الصلاة و السلام أنَّى للحزن أن يتسرَّب إلى قلب قارئ القرآن ؟ كيف يحزن وهو يوحِّد الله ، كيف يحزن و هو يرى الله قبل ومع وبعد كل شيء ، وبيده كل شيء ، وإليه المصير، فإذا كان الله عنك راضياً يا قارئ القرآن فما الذي يحزنك ؟ وإذا كان الله عنك راضياً يا قارئ القرآن فما الذي يُقْلِقُك ؟ و إذا كان الله عنك راضياً يا قارئ القرآن فمن الذي يخيفك ؟ وإذا كان الله عليك راضياً يا قارئ القرآن فما الذي تحزن على فقده ؟ قال تعالى في الحديث القدسي .(( ابنَ آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإذا فـُتّـُك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))(جامع العلوم و الحكم لابن رجب) سبحان الله إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ نعم أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ][ سورة النحل الآية : 97 ]أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يوقن أن ﴿ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾[ سورة الحج الآية : 38 ]أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودَّا ؟ أنى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يعلم أن الله قال عن المؤمنين ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾[ سورة المائدة الآية : 54 ]أنَّى لقارئ القرآن ان يحزن والله تعالى يقول :﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[ سورة هود الآية : 56 ] أنَّى له أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾[ سورة الجاثية الآية : 21 ] أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن وهو يتلو قوله تعالى :﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾[ سورة القصص الآية : 61 ]أنَّى لقارئ القرآن أن يحزن والله سبحانه وتعالى يقول﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾[ سورة السجدة الآية : 18 ]

ـ نعم أيها المؤمنون علامة قراءة القرآن بحق و القرب منه بصدق أنَّ الحُزْنَ لا يجد طريقا إلى قلب قارئه، وعلامة البُعْد عن القرآن أن القلب تثقله المخاوف و الأحزان، و تثقله الهموم و الأشجان، أوحى الله لموسى عليه السلام :(( أن يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ فخرَّ موسى ساجداً لله عزَّ وجل ، قال : يا ربّ وكيف ذلك ؟ فقال الله سبحانه وتعالى : يا موسى أما علمت أنني جليس من ذكرني ؟ وحيثما التمسني عبدي وجدني ؟ )) (ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر) و القرآن سماه الله ذكرا،و. و في الأثر :(( من تعلم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت )) ما من خريف عمرٍ أجمل من خريف عمر المؤمن، لأنه نشأ في طاعة الله ، فالدماغ الذي وعى القرآن أنَّى له أن يخرف أنى له أن يُضَيَّع وقد قرأ كتاب الله، و تدبره والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:(( القرآن غِنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه )) (رواه أبو يعلى عن أنس ) فإن شعرت يا أخي أنك محروم فلست تقرأ القرآن لأن من علامة تلاوة كتاب الله كما أراده سبحانه أن يُتلى أن تحسَّ بالغنى: غنى النفس ، الغنى الذي لا حدود له.

ـ ثم ماذا قال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وبعض التابعين، وبعض العلماء العاملين في حق القرآن الكريم ؟

قال سيدنا عمر رضي الله عنه حينما رأى إنساناً ترك العمل، وقعد في المسجد في النهار يتلو كتاب الله ، فقال سيدنا عمر مُعَنِّفاً :(( إنما أُنْزِلَ هذا القرآن ليُعمل به، أفاتخذت قراءته عملاً ؟)) أن يقرأه في الليل ويعمل به في النهار، هذا هو المسلم الحقيقي .وأبو هريرة رضي الله عنه قال :(( إن البيت الذي يُتلى فيه القرآن اتسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله ، وقلَّ خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشياطين )) و في هذا المعنى هناك قولٌ مأثور : إن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلِّم ـ لم يقل: السلام عليكم ـ قال الشيطان لإخوانه أصبتم المبيت في هذا البيت، فإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه: أصبتم العشاء، فإذا دخل ولم يسلِّم ، وجلس إلى الطعام ولم يسم قال الشيطان لإخوانه: أصبتم المبيت والعشاء ، فإذا هذا البيت شقاقٌ وخصامٌ، ونفورٌ، وسُبابٌ ،وضربٌ وتكسيرٌ، ونغصٌ لا حدود له، وأما سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال :(( كل آيةٍ في القرآن الكريم درجةٌ في الجنة …))بمعنى أن كل آيةٍ تفهمها ترتقي بك درجةً في الجنة ، كم آيةٍ في كتاب الله ؟ وإذا شئت التدقيق كل كلمةٍ تفهمها ، وكل حرفٍ تعقله ، وكل حركةٍ ، كل ذلك درجات في الجنة الحركة لها معنى دقيق تأمل﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾[ سورة التوبة الآية : 40 ]قال تعالى :﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي العليا﴾[ سورة التوبة الآية : 40 ]لم يقل : و جعل كلمةَ الله هي العُليا ، أي جعلها عُليا بعد أن كانت سفلى ، فهذا معنى فاسد مبتدأ ..﴿ كلمة اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾دائماً وأبداً ، إذا فقهت حركة الكلمة فلك عند الله درجة ، الحركة درجة، الحرف درجة، الكلمة درجة، الآية درجة، ” كل آيةٍ في القرآن درجةٌ في الجنة ومصباحٌ في بيوتكم ” .

ـ فهذا الذي يغضب من زوجته ويطردها إلى بيت أهلها ما تلا كتاب الله كيف يكون تلاها و قد قال سبحانه..﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾ [ سورة الطلاق الآية : 1 ] لو أنه تلا هذه الآية لكانت مصباحاً له فأبقاها في بيتها فقد قال تعالى بيوتهن أضاف البيوت إليهن، فانطفأ الشرُّ بعد ساعات ، فلما طردها إلى بيت أهلها تفاقم الشر، وانتهى بالطلاق، وتشريد الأولاد ، القرآن مصباحٌ في بيوتكم . وسيدنا عمرو بن العاص يقول أيضاً :(( من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جبيه إلا أنه لا يوحى إليه ))

ـ أما التابعون فيقول بعضهم وهو الفضيل بن عياض :(( ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له إلى أحدٍ حاجة ، فينبغي أن تكون حوائج الخَلْق إليه ، وحامل القرآن حامل راية الإسلام ، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ، ولا أن يسهو مع من يسهو ، ولا أن يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن ” . هذا الذي يحمل كتاب الله ينبغي أن يكون في موضع إعزازٍ وتقدير ، لا في موضع سؤالٍ ، وتذلُّل ، وخنوع ))و الإمام العكبري يقول :(( تؤخذ ألفاظه من حفَّاظه ، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه”. والتقى القاسم بن عبد الرحمن بناسكٍ

فشكا له الوحشة ، فقال له :(( ما أحدٌ هنا تستأنس به ؟ قال : لا . فمدَّ يده إلى كتاب الله ووضعه في حجره، استأنس به)).

جعلني الله وإياكم ممن استأنس بالقرآن و تلاه حق تلاوته و رزق حسن الفهم لمعانيه و حسن العمل بما دعا إليه و الوقوف عما نهى عنه

سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

الحمد لله على نواله وإفضاله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله وبعد :

أيها الإخوة المؤمنون ؛ عقد الإمام الغزالي رضي الله عنه في الإحياء باباً حول آداب تلاوة القرآن الكريم ، ذكر فيه : أن أفضل أحوال المؤمن أن يقرأ القرآن واقفاً في صلاةٍ في مسجدٍ . أي أنتم حينما تصلون التراويح ، تقفون في المساجد بين يدي الله عزَّ وجل ، تستمعون إلى الإمام وهو يتلو عليكم آيات القرآن ، فهذه أفضل أحوال المؤمن .وفد إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في عهد عمر رسول عامله على أذربيجان ، وقد دخلها بعد منتصف الليل ، فَكَرِهَ أن يطرق باب أمير المؤمنين في هذا الوقت المتأخِّر ، فدخل المسجد النبوي ليمضي فيه بعض الوقت ، ريثما تقام صلاة الفجر ، فسمع رجلاً وسط الظلام يقرأ القرآن مصلياً ، يبكي بكاء الحزين ، ويتأوه تأوّه السقيم ، ويقول بعد أن انتهى من صلاته : ” يا رب أنا واقفٌ ببابك ، أرجو جنابك هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ فدنوت منه وقلت له : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر . فقلت : يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟! .فقال : يا هذا إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .فلما دخل وقت الفجر ، وصلَّى عمر الفجر بالمسلمين ، أخذني وانطلق بي إلى بيته ، وفي البيت نادى زوجته على أم كلثوم فقال لها : ما عندكِ من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت : والله ما في بيتي إلا خبزٌ وملح . فقال : أحضريه لنا ، تناول مع رسول عامله على أذربيجان هذا الطعام المتواضع ، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال له :ما الذي أقدمك إلينا ؟ لماذا جئت ؟ فقال : هديةٌ بعث بها إليك عاملك على أذربيجان . قال : افتحها . فإذا هي حلوى نفيسة ، وضع بعضها في فمه وقال: يا هذا أيأكل عامَّة المسلمين عندكم هذا الطعام ؟ .قال : لا إنه طعام الخاصَّة .قال : أو أعطيت فقراء المسلمين في المدينة مثلما أعطيتني ؟ .قال : لا هذه لك وحدك .فقال : خذها ، ووزعها على فقراء المسلمين ، وحرامٌ على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يطعمه فقراء المسلمين .ومرَّةً قرقر بطنه كثيراً ـ لتركه أكل اللحم فترةً طويلة ـ فقال مخاطباً بطنه : ” قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين “.أيها الإخوة المؤمنون … هكذا تفعل تلاوة القرآن في الليل ، هكذا تفعل ، هكذا تفعل قراءة القرآن في الليل ؛ تملأ القلب رحمةً ، تملأ القلب إنصافاً ، تملأ القلب حباً لخلق الله كلهم .أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت تخطانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني واستعينوا على ذلك كله بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم،

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره ومقداره العظيم، صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات وتطهرنا بها من جميع السيئات، و ترفعنا بها أعلى الدرجات و تبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات، آمين. و ارض اللهم عن أصحاب رسولك وخلفاء نبيك القائمين معه وبعده على الوجه الذي أمر به وارتضاه و استنه خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة والأنصار منهم و المهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم، وانظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لا تخالف بنا عن نهجهم القويم و سنتهم،(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم).

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى فضل الله و رحمته :

ذ. سعيد منقار بنيس

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى