د محمد ابراهمي يكتب: مفهوم النص بين مرجعية الوحي والتأويل الحداثي 1/3

النص في اصطلاح الأصوليين هو ما دل على معناه دلالة واضحة، وكان مسوقا لإفادة هذا المعنى؛ فهو في التصور الإسلامي نص واضح الدلالة مقصود المعنى، يمثل مرجعية عليا في توجيه الفكر والسلوك.
ويعد مفهوم “النص” من القضايا المركزية التي يتأسس عليها الخلاف بين المنهج الإسلامي في الفهم والتفسير، والاتجاه الحداثي في مقاربة الخطاب الديني، فالنص في التصور الإسلامي ليس مجرد بنية لغوية تُقرأ في إطارها اللساني فحسب، بل هو وحي رباني يتضمن رسالة موجهة للإنسان، ويحمل في طياته دلالات مقصودة وأحكاما مرادة، وأخلاقا مؤطرة، ويؤدي وظيفة تأسيسية ومرجعية في بناء التصور العقدي والقيمي والتشريعي، فالتعامل معه يقتضي مراعاة طبيعته الخاصة، والتمييز بينه وبين سائر النصوص البشرية التي تخضع لعوامل البيئة وظروف التاريخ وشروطه ومتغيراته.
غير أن القراءة الحداثية أعادت تعريف هذا المفهوم، فجردته من خصوصيته المرجعية، وأدرجته ضمن دائرة النصوص عامة، باعتباره خطابا لغويا قابلا للتحليل والحفر والتفكيك، شأنه في ذلك شأن أي نص آخر. [1]
وقد ترتب على ذلك إدراج القرآن ضمن “التراث”، بوصفه منتجا ثقافيا تشكّل في سياق تاريخي معين، وتفاعل مع معطيات بيئته الاجتماعية والسياسية. وبذلك تم الانتقال من النظر إلى النص بوصفه مصدرا للتراث ومؤسسا له، إلى اعتباره جزءا منه وخاضعا لشروطه.[2]
ويكشف هذا التحول عن إشكال منهجي عميق، يتمثل في الخلط بين مستويين مختلفين: مستوى “الوحي” الذي يمثل خطابا إلهيا متعاليا، ومستوى “التراث” الذي يمثل حصيلة التفاعل البشري مع هذا الخطاب في سياقات تاريخية وثقافية متعددة،[3] فالتراث –مهما بلغت قيمته– يظل نتاجا بشريا قابلا للنقد والمراجعة، بينما تظل نصوص الوحي مرجعية عليا تضبط هذا التفاعل وتوجهه، ومنه فإدراج النص ضمن التراث يفضي إلى إلغاء هذا التمييز، وإلى تسوية غير مبررة بين الثابت والمتغير، والمطلق والنسبي.
كما أن هذا التصور يؤدي إلى إعادة بناء العلاقة بين القارئ والنص على أسس جديدة، حيث يُمنح القارئ سلطة واسعة في إنتاج الدلالات والمعاني انطلاقا من خلفياته الفكرية وسياقه الثقافي وبيئته الاجتماعية، دون التقيد بضوابط الدلالة أو مقاصد الخطاب. وفي ظل هذا التوجه يصبح النص مفتوحا على احتمالات تأويلية غير محدودة، تتعدد بتعدد القراء، وقد تتناقض في نتائجها، مما يفقده وظيفته المرجعية الضابطة، وسلطته التوجيهية الثابتة، ويحوّله إلى مجال للتعبير والتأويل الذاتي.
ويترتب على هذا التحول آثار عميقة على مستوى المعرفة والتشريع والهوية، فعلى المستوى المعرفي يؤدي إلى نسبية الحقيقة ونفي الإطلاق عنها، وإلى تعدد غير منضبط للقراءات، بما يفضي إلى إرباك في الفهم، وغياب للمعايير المؤطرة والموجهة، وعلى المستوى التشريعي يفضي إلى إضعاف البعد الإلزامي للأحكام، وتحويلها إلى اختيارات قابلة للتجاوز تبعا لتحولات الواقع ومستجداته. أما على مستوى الهوية فإنه يسهم في تآكل الخصوصية الحضارية والمرجعيات الثابتة، من خلال فك الارتباط بالمصدر المؤسس، وإحلال نماذج تفسيرية مستوردة محله.
ومع ذلك فإن نقد هذا الاتجاه، لا يعني رفض التجديد في التعامل مع النص، بل يقتضي إعادة تأصيله ضمن إطار منهجي يحفظ للنص مرجعيته، ويتيح في الوقت نفسه تفعيل دلالاته في الواقع المتغير. فالتجديد المنشود لا يقوم على تفكيك النص أو نزع قدسيته، بل على تطوير أدوات الفهم، واستحضار المقاصد الكلية، ومراعاة السياقات دون أن تتحول إلى سلطة مهيمنة، وهو ما أصّل له علماء الأصول من خلال بناء منهج متكامل يجمع بين ثبات النص ومرونة التنزيل، ويوازن بين دلالات الألفاظ ومقاصدها.
إن الحفاظ على التمييز بين النص والتراث يُعد شرطا أساسيا لصيانة المرجعية، وضمان استمرارية الفعل الاجتهادي في إطار منضبط، فنصوص الوحي تظل المصدر المؤسس الذي تستمد منه الأمة معاييرها وقيمها، وتحفظ به خصوصيتها، بينما يظل التراث مجالا للتفاعل والتجديد، يؤخذ منه ويرد في ضوء المعايير والقيم المرجعية، وبهذا يتحقق التكامل بين الثبات والتجدد، دون الوقوع في جمود يعطل فاعلية الوحي، أو انفلات يفضي إلى تفكيكه.
إن القرآن ليس منتجا للتراث، بل هو المؤسس له، ومصدره من خارج تفاعلات الواقع، وهو القادر على توجيهها، وصالح لمسايرة المتغيرات والمستجدات بما يحمله من قواعد وكليات وأصول عامة.
[1] : النص، السلطة، الحقيقة، إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، نصر حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي، ط: 4، 2000، ص: 16.
[2] : يمكن الوقوف عند هذه المعاني والدلالات من خلل كتابات :النص الحقيقة د: علي حرب، المركز الثقافي العربي، ط: 3، 2000.
والنص واليات القراءة، محمد أركون، نصر حامد أبو زيد، ذ:عبد القادر بودومة، مجلة فكر ونقد،ع:45،
القراءة وتوليد الدلالة، تغير عادتنا في قراءة النص الأدبي، د: حميد الحمداني، المركز الثقافي العربي، ط: 1، 2003.
[3] : يمكن العودة لكتباب نقد النص: لعلى حرب، المركز الثقافي العربي، ط: 3، 2000، ص: 65. والفكر الأصولي لمحمد أركون، ص: 193 للوقوف عند هذا الخلط.







