دروس من الوداع الأخير

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد:

فرأينا في مقال سابق1 كيف أن الأيام الأخيرة التي سبقت موت النبي صلى لله عليه وسلم كانت ملينة بالدروس للأمة في الرحمة، وسنرى في هذا المقال نماذج أخرى من الدروس والمواقف الجميلة التي ودع به المصطفى صلى الله عليه وسلم الأمة، إذ كانت لحظاته الأخيرة التي ودع فيها الدنيا كحياته كلها نبراسا ونورا يهتدي بهما من أراد سبيل الهدى والرشاد.

اخترت منها ما يلي:

درس الصبر على البلاء:

لم يسلم من البلاء أحد حتى الأنبياء ـ بل هم أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل كما جاء في الحديث 2 ـ ولو سلم أحد من البلاء إكراما له وتعظيما لشأنه لسلم منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكن السيرة تحكي لنا عكس ذلك، فقد لاقى صلى الله عليه وسلم صنوفا من الأذى والمعاناة في سبيل تبليغ دعوة الإسلام، فرمي بالسحر والكهانة والجنون، وألقي عليه سلا جزور وهو ساجد، وقذف بالحجارة في الطائف، وسممته يهودية، وسحره لبيد بن الأعصم، وكسرت رباعيته يوم أحد، وأصابه المرض والموت كغيره من الخلائق.

“إنك ميت وإنهم ميتون”الزمر30 ، “وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون” الأنبياء34

بل قد لقي أشد ما يلقاه رجل من ذلك:

قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم)3

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا(أي من الحمى) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ” 4

فانظروا إلى الدرس البليغ الذي أنهى به صلى الله عليه وسلم حواره هذا مع ابن مسعود، وكيف بين للأمة من بعده أحد المقاصد الإلهية من شدة البلاء على أهل الخير والفضل، وهو أن عظم الأجر مع عظم البلاء.

كما لم يسلم صلى الله عليه وسلم أيضا من سكرات الموت ولاقى منها ما لاقى:

عن عائشة رضي الله عنها: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه رَكْوَة، أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده)5.

إنه درس الصبر على البلاء رقم شدته، يعلمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعلمه من القرآن.

“فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل” الأحقاف35

 فالقرآن يعلمنا أن التمحيص والابتلاء والتدافع سنن ربانية لابد أن يحصل للفرد وللأمة نصيب منها قبل سنة التمكين.

” أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين” العنكبوت 2ـ3

درس الوفاء:

كثيرا ما نتحدث عن حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ووفائهم له ولدعوة الإسلام، ولكننا نادرا ما نتحدث عن الجانب الآخر من هذا الحب وهو حبه صلى الله عليه وسلم للصحابة ووفاؤه لهم.. وهو أمر يستحيل أن يخفى على لبيب قرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد شاهد حتما مواقف عجيبة تدل على مشاعر الحب والوفاء الفياضة التي يحملها هذا النبي العظيم لصحابته الكرام..كيف لا وهم قد أمنوا به ونصروه وأبانوا عن بطولات وتضحيات، في الوقت الذي أظهر فيه غيرهم الجحود والطغيان .

وفاؤه لأبي بكر:

وعلى رأس هؤلاء الصحابة الذين فازوا بهذا الحب النبوي وأكرمهم الله به كما يعلم الجميع: عبد الله بن أبي قحافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وصهره، ورفيق دعوته وهجرته، وخليفته.

وقد أظهر له النبي صلى الله عليه وسلم مع الحب وفاء شديدا هو أهل له، لما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعوة الإسلامية وأهلها من خدمات وتضحيات جمة لا تخفى على أحد.

وأكثر ما ظهر هذا الوفاء من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في أيامه الأخيرة وهو مقبل على الآخرة، كأنه أراد أن يخبر الأمة بعده أنه لن يقودها، ولن يحمل المشعل بعده خيرا من أبي بكر، فكان أن جعله إماما للصلاة بدلا عنه لما اشتد به المرض، وأمر أن تسد كل خوخة6 في المسجد إلا خوخة أبي بكر وأوصى به وتكلم عن فضله قبل أيام من رحيله.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، فقال : “إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده ” فبكى أبو بكر وقال: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنها أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر7

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم:” ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن صاحبكم خليل الله.”8 

وقال محمد بن جبير بن مطعم رضي لله عنه: أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : “إن لم تجديني فأتي أبا بكر”9.

كلها رويات ـ وغيرها كثيرـ يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم فضل أبي بكر ومكانته عنده وعند الله امتنانا له وعرفانا بجميل ما صنع لهذا الدين وأهله.

إنها ثقة الصاحب بصاحبه ومعرفة ثابتة بما ملكه الله من مزايا وشيم.

وفاؤه للأنصار:

كذلك لم ينس النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار فضلهم، وحسن صنيعهم في نصرة الإسلام والدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، فأوصى بهم قبل موته بقليل، بل وكلف نفسه عناء الخروج إليهم ولأجلهم وهو معصوب الرأس محموم:

عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه، قالُ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ، وَالعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ، قَالَ: فَصَعِدَ المِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ”.10

الوفاء لشهداء أحد وأهل البقيع:

ويا لعجبي من صنيع رسول صلى لله عليه وسلم، إذ حرص على أن يودع شهداء أحد وأهل البقيع قبل موته كما ودع الأحياء من الصحابة، راسما أجمل صورة وأروعها لحسن صحبة الخلان حتى بعد وفاتهم.

عن عقبة بن عامر الجهني قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع على المنبر، فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.11

وعَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ : ( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي )، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ: ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ، مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ، أَقْبَلَت الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى ) قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: ( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ )، قَالَ: قُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، قَالَ: ( لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ )، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ”.12

درس العناية بالصلاة:

أما الصلاة فكان للنبي صلى لله عليه وسلم معها خصوصا قبيل موته بقليل شأن عحيب ومواقف غريبة، تبين من خلالها اهتمامه صلى الله عليه وسلم بها وشدة حرصه على إقامة جماعتها حتى آخر لحظة من حياته.

وإليكم هذه الأحاديث الغنية عن كل شرح أو تعليق:

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عبداللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلاَ تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْنَا: لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِصَلاَةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ بِأَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ، قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلاَةِ النَّبِيِّ، وَالنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ قَاعِدٌ.

يعني يبلغ عن الناس؛ لأن صوت النبي ضعيف بسبب المرض فصار أبو بكر يبلغه للناس.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال “أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم”13.

فانظروا إلى هذا الحرص الشديد من النبي على أن يؤم الصحابة في المسجد مع مرضه الشديد، حتى تصل الرسالة للأمة بأهميتها وعظم قدرها، وانظروا أيضا إلى حرصه على تعليمهم لأحكامها وفروضها وفضل الدعاء فيها وهو طريح مسجى في فراشه يرفع الستارة ليخاطبهم يذلك من حجرته.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر)14.

فكأنه أراد فقط أن يطمئن على هذه الشعيرة العظيمة والركن الركين قبل موته وان المسلمين لن يفرطوا فيها ولن يضيعوها، فابتسم لما رأى الناس قد رصوا صفوفهم مجتمعين خلف أبي بكر يصلون باطمئنان وخضوع رغم أن إمامهم ليس النبي صلى الله عليه وسلم.

ولم يأت على النبي صلى لله عليه وسلم صلاة أخرى بعدها، فقد قبض في نفس اليوم قبل صلاة الظهر وهو يدندن بالأمر بالصلاة:

قال أنس: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) حتى جعل يغرغر بها في صدره ولا يفيض بها لسانه15.

وقد وصلت الرسالة للصحابة من بعده، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته كان يكتب لعماله على الأقاليم:

(إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا، حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ)16.

فليت تلك الرسالة تصل أيضا إلى أبنائنا وإخواننا اليوم، لعل المساجد تمتلئ بهم فيعم الخير ويخنس الفحش والمنكر.

وجوب تبليغ العلم والدعوة إلى الله:

لقد سطرت لنا كتب الحديث والسيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أمته في خطبة حجة الوداع بعدد من الوصايا البليغة: أوصى بالاعتصام بالكتاب والسنة، والمساواة بين المسلمين، وجعل حرمة دماءهم وأموالهم وأعراضهم كحرمة البيت الحرام والشهر الحرام، وحذر من الذنوب والمعاصي وأكد على حرمة الربا، وأمر بطاعة ولاة الأمر، وأوصى بالنساء خيرا.

وكان يقول بين الوصية والأخرى: (ألا قد بلغت..اللهم فاشهد) مقيما بذلك الحجة على الخلق حتى لا يدعي أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ـوحاشاه من ذلك ـ قد قصر في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة.

ولم يكتف بذلك صلى الله عليه وسلم، بل حرص على أن يكون بين الناس خلف له يبلغون عنه فأمر كذلك غيره ممن حضر بالتبليغ فقال: (فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع)

وقد بلغ الصحابة رضوان الله عليهم ما سمعوه ورأوه من النبي صلى الله عليه وسلم إلى من بعدهم، وبلغه هؤلاء بدورهم لمن بعدهم حتى وصلنا غضا طريا، ولسنا اليوم في غنى عن هذه الوصية النبوية، بل نحن والله أحوج لها ممن سبقونا، والوضع كما ترون، فعلينا وعلى الجميع واجب تبليغ ما وصلنا والدعوة إليه إلى قيام الساعة لا عذر لأحد أن يترك هذا التوجيه النبوي وهذه الرسالة السماوية، فكل من يعلم شيئا من أمر هذا الدين: شريعة أو سنة، أمرا أو نهيا، آية أو حديثا، وجب عليه تبليغه بأمر من أشرف الخلق أجمعين: (بلغوا عني ولو آية)17.

وبهذا نقيم بدورنا الحجة على أهلينا ومعاصرينا في هذا الزمان يوم القيامة، ونشهد أمام الله أننا بلغنا وبينا وعلمنا، وأننا كنا عن حق وصدق كما قال الله تعالى: الأمة الوسط الشاهدة على الخلق.

 “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” البقرة:143

“وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ” النحل89

إنه لاشك تكليف وتشريف كبير لهذه الأمة، لكن من تمعن ودقق في المعنى عرف أنه أكثر من ذلك: أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة، لا نملك إلا أن نكون معها في  كدح ونصب وتعب لا فراغ لنا منها ولا راحة إلى أن نلقى الله تعالى على ما لقيه عليه نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، فإذ لم يأذن له ربه بالفراغ حتى قبض، لم يأذن لنا نحن أتباعه كذلك.

“فإذا فرغت فانصب” الشرح7

فهيهات هيهات أن نرتاح مع هذا الحمل الثقيل والهم الكبير؟!!

علياء زحل

————————

هوامش :

1 – المقال بعنوان: دروس الرحمة المهداة في الوداع الأخير نشر في الموقع بناريخ:15 كانون1/ديسمبر 2018

2 – أخرجه ابن ماجة 4024 والترمذي 2398 وصححه

3 – رواه البخاري 5646 ومسلم 2570

4 – أخرجه البخاري 5660 ومسلم 2571

5 – رواه البخاري 4449

6 – الخوخة بلغة عصرنا: النافذة

7 – رواه البخاري 3904

8 – رواه الترمذي 3661 وقال حسن غريب

9 – أخرجه البخاري 7220 ومسلم 2386

10 – رواه البخاري 3799 ومسلم 2510 .شرح: (مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا) أي جلوسا معه وكان ذلك في مرضه صلى الله عليه وسلم فخافوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه فبكوا حزنا على ذلك. (حاشية برد) طرفه والبرد كساء مربع كالسلهام المغربي. (كرشي وعيبتي) بطانتي وخاصتي وموضع سري وأمانتي. (قضوا الذي عليهم) أدوا ما عاهدوا عليه من النصرة وغيرها. (بقي الذي لهم) وهو دخول الجنة.

11 – أخرجه البخاري 1344

12 – رواه الإمام أحمد (15567) والدارمي (78) والطبراني في “المعجم الكبير” (871) والحاكم (4383)

13 – أخرجه مسلم 479ز وقمن أي: جدير وحقيق وحري أن يستجاب لكم

14 – أخرجه البخاري 680 ومسلم 419

15 – أخرجه النسائي 7095 وابن ماجة 2697 واحمد 12169 البزار في مسنده13/364 وروى مثله علي وأم سلمة.

16 – وهو في الموطأ  كتاب وقوت الصلاة حديث رقم 6

17 – أخرجه البخاري (3461) من حديث عبد لله بن عمرو بن العاص

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى