مقالات رأي

ثَوْرتنا الـمتَجدِّدة.. الماضِي شَريكاً في صِناعة الحاضر في الذكرى 67 لثورة الملك والشَّـعب – عدنان بن صالح

بنوعٍ مِن الذّكاء والخـصوصية؛ عاش الـمغاربة _ وبتأطيرٍ من خلايا المقاومة ونُخَب الحركة الوطنية في شمال البلاد ووسطها وشرقها وصَحرائها _ تجربةَ نضالٍ حقيقيٍّ ضدّ الاحتلال، منذُ مَطالِع سنة 1912، ولم تَهدأ سِلسلة الانتفاضات لغاية أواخر السّتينات مع جيش التحرير المغربي بالـجنوب، ولولاَ مسار الـحوار وجلسات التَّـفاوض مع الـمستعمِر وتجاوُبٌ مع مقتضيات العصر وقتئذٍ؛ لما توقَّف صَدى الانتفاضة المغربية، ولأتَى الاستِقلال على إيقاع صوتِ البَنادِق.

جَــرَت أحداثٌ كثيرةٌ بين 1912 – 1956؛ وعاشت الوطنية المغربية انعطافات وانتقالات عديدة تماشِياً وَتَـغَــيُّـــــر الوقائع السياسية والاجتماعية دوليا وعربيا ومغارِبيا، وبرَزَت مواقفِ وأخرى، وانكشَفت عوراتُ تياراتٍ ورجالات وثبَتَ آخرون، غير أنَّ حَدثاً مِن بينِ أحداثٍ بارزة طَبعت مسيرة المغرب في التاريخ الـمذكور، كان له تأثيرٌ وخصوصية. ذلكَ أنَّ المغاربة عاشوا ثَورةَ مـلِكٍ وشَعبٍ وقوى وطنية، تجاوزوا بها مِـحنَة الركوعِ لاختيارات فرنسا، أو الانتهاز الوضيع لفُرْصةِ إزاحةِ سلطانٍ وقَبولِ آخَر صُورِي، أو الذّهاب صوبَ مَطالِب جمهورية، واقتفاء أثَر بعض دُول الجوار. لا شي من هذا حَصَل؛ استقوى الشعب المغربي بقِيمة الوحدة وحبّ الثوابت والوفاء بالعهود المركوزة في أصْلِ تَكوينه، واستَوعَب خطابَ الحركة الوطنية ومطالِبها، وقادَ ثَورته إلى جانِبٍ ملكٍ رفضَ الانصياع لقرارات الإقامة العامة.

استثمرَت الحركة الوطنية في بُـنودِ عَقْدِ الحماية نفسُه؛ ومنها البَند الذي ينصّ على كَون السلطان هو الملك الشّرعي للبلاد، كما استثمَرَتْ إيجاباً في الرابطة التاريخية المتينة التي تربط الشَّعب بالعرش، وبشخص السّلطان أساساً؛ فأطْلَقت شرارة ثورة الملك والشَّعب.

ورغم تقلُّبات عصر الإيديولوجيا والسياسة منذ خمسينات القرن العشرين، وفي الوقت الذي كانَت العساكر والنُّخب السياسية العربية تَنْزَع الملوك مِن عروشها وتَجْمع بين مَطلب الاستقلال ومَطلب الجمهورية، في تونس ومصر وليبيا والعراق..؛ كان المغارِبة يخوضون تَجربة نضالية خاصة، برأسَيْن؛ طَرْدُ المستعمِر والتشبُّث بشخص السُّلطان، ويَقترِح الـوطنيون الاحتفال ببعض الأعياد الـوطنية استِثماراً في الزّخم السياسي والوطني الذي تُـتيحه، فقاموا بإشراكِ الـملِك في “الثورة التحررية” ضد الاستعمار، وأقنعوه بتـبنِّي دِفتر مطالِب الحركة الوطنية، وعلى رأس جدول المطالب؛ الاستقلال. تَرتّب عن نَفْيِ محمد الخامس إيذاءُ مركز المشروعية السِّياسية والدينية في البلاد، فَرَأَت الوطنية المغربية أو بعض مكوّناتها على الأصح في عملية النّفي توقيعٌ رَسميِ على شهادة وفاة الوجود الاستعماري، كما رأَت في عَزْل محمد بن يوسف واضْطِراه للرحيل إلى المنفى على أرْضية تعاطيه الإيجابي مع خطاب ومطالب الوطَنيين، تَعبيراً عن وفاءِ السلطان لمطالب الشعب والحركة الوطنية، فبادَلته نفس الوفاء، وأطْلَقت شَرارة ثورة الملك والشَّعب، واشْتَرَطت مختلِف الوفود الـمُحَاوِرَة للطَّرَف الـفرنسي في مُحادَثات (إكس-ليبان) عودَة السلطان أوّلاً. فنَشأ عن هذا الوفاء الـمتبادَل، والثورة الـمُشتَرَكة؛ نضالٌ مغربي ضدّ الاستعمار بمضمون روحي وبُعْد شَعبِي، فكانت ثَورةَ مَلكٍ مَعية شَعبٍ وثورة شَعْبٍ مَعية ملكٍ؛ في سياق لا يُشبِهه سياق عربي ولا مغاربي مُطلَقاً.

إنَّ حَدث ثورة الملك والشَّعب الذي ضلَّ يحتِفظُ بثِقْلِه ورمزيته في الوجدان المغربي طيلة 67 سنة، والذي نجدِّد الاحتفاء به عامَنا هذا؛ ليُدلِّلِ بحقٍّ على وجودِ سابِقِ تلاحُم وحاضِرِ تَلاقِي إرادات الشعب والـملك والقوى الوطنية والديمقراطية، وينطوِي على معنَى قُدرة الشعب والملك على تقديم مضمونٍ مُجدِّدٍ لــثَورَتهما، عنوانها التعاقُد الاجتماعي والسياسي الواضح والمتين، والتضامُن المنتصِر على الظَّرفيات العَصيبة، والتَّقَدُّم القائم على التعاون بين العرش والشَّعب والحكومة والمجتمع المدني لما فيه مصلحة بِلادنا ورِفْعتها بين الأمم.

والله ولِيُّ التّـوفيق.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق