الرئيسية-ثقافة و مجتمعمقالات رأي

النشاط يكتب عن فاجعة طنجة، ويحدد ثلاثة رهانات للتجاوز

خلفت فاجعة طنجة 28 قتيلا، لقوا حتفهم غرقا، في وحدة صناعية للنسيج، وذلك في مرآب، تحت أرضي، في فيلا سكنية في حي الإناس، في منطقة المرس في طنجة، بعدما حاصرتهم مياه الأمطار داخله. وهو حدث استأثر بالرأي العام الوطني، وتفاعل معه المغاربة، كل بطريقته وأسلوبه، إلا أن المشترك في هذا التفاعل كان هو التساؤل عن دور الدولة ومؤسسات الرقابة في توفير الحماية الاجتماعية والقانونية في مختلف العلاقات الشغلية، فضلا عن مدى انخراط الاقتصاد غير المهيكل في الدورة الاقتصادية النظامية.

وهو الحادث الذي أعاد طرح سؤال الاقتصاد غير المهيكل، وسؤال الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة العاملة في هذا النوع من الاقتصاد، وإذا كان المغرب قد قطع شوطا متقدما من مدونة الشغل، بحيث ورد في ديباجة مدونة الشغل أن “العمل ليس بضاعة، والعامل ليس أداة من أدوات الإنتاج. ولا يجوز، في أي حال من الأحوال، أن يمارس العمل
 في ظروف تنقص من كرامة العامل”، فإن هذا يعني أن المشرع المغربي ارتقى بالعلاقة الشغلية، بحيث منع أية علاقة شغلية تمارس في ظروف تنقص من كرامة العامل.

وإذا كانت السلطات العمومية المختصة بمراقبة العلاقات الشغلية تستند إلى تشريعات ومذكرات في تنظيم مجال العلاقات الشغلية، فإنه في الواقع توجد مجموعة من العلاقات الشغلية غير المنضبطة لمقتضيات مدونة الشغل، والمثال الذي بين ايدينا هذه الوحدة الصناعية بطنجة التي كانت تمارس في مرآب تحت أرضي، وظروف أقل ما يقال عنها، أنها كانت غير مهنية، وتنقص من كرامة العمال، فضلا عن كون هذه الوحدة كانت تمارس نشاطها في غياب الشروط القانونية، والترخيصات المعمول بها، وفق ما راج في وسائل الإعلام مؤخرا.

إن فاجعة طنجة، وهي حادثة تنضاف إلى سلسلة من الحوادث الأليمة التي عرفها تاريخ العلاقات الشغلية بالمغرب، تطرح مجموعة من الرهانات:

أولا: منظومة الحماية الاجتماعية

وهي من بين أبرز الإشكالات المطروحة على صعيد العلاقات الشغلية بالمغرب، بحيث تعمد بعض المقاولات والشركات إلى  عدم التصريح بالعمال والعاملات أو بعضهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبالتالي لا يتوفرون على أية تغطية صحية، على الرغم من مجهودات الدولة في التحسيس بأهمية توسيع دائرة التغطية الاجتماعية، لكل “الممتهنين والأجراء ذكورا أو إناثا العاملون لحساب مشغل واحد أو عدة مشغلين في الصناعة والتجارة والمهن الحرة كيفما كان نوع تأدية أجورهم وشكل عقدتهم أو نوعها أو صحتها” وفق ما تنص عليه المادة الأولى من الظهير المحدث للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عام 1959.

وإذا كانت مسألة الحماية الاجتماعية تهم إرادة الدولة في تعميم سياستها العمومية المتعلقة بتوسيع دائرة التغطية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، فإن تحقيق هذه الإرادة تستدعي انخراطا واسعا من لدن الفاعلين الاقتصاديين، وأرباب المقاولات والشركات، وهذا يتطلب كسب معركة الثقة المتبادلة بين الدولة ومؤسساتها وبين جميع الفاعلين في المجال الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب من أجل ترسيم منظومة حمائية اجتماعية تكون منسجمة ومتفاعلة مع الواقع، ومستجيبة للتحديات الاقتصادية.

وفي انتظار صدور قانون ـ إطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، والذي صادق عليه المجلس الوزاري المنعقد أمس الخميس 11فبراير2021، لتأطير السياسات العمومية التي تستهدف “المشروع المجتمعي، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وصيانة كرامة جميع المغاربة، وتحصين الفئات الهشة، لاسيما في وقت التقلبات الاقتصادية والمخاطر الصحية والطوارئ المختلفة”، وفق بلاغ الديوان الملكي، فإن الأمل يظل معقودا في انتقال العلاقات الشغلية والخيارات الاقتصادية، نحو اقتصاد شفاف يحترم التعاقدات والالتزامات المبرمة بين مختلف الفاعلين لاستدامة الأمن والسلم الاجتماعيين.

ثانيا: إدماج الاقتصاد غير المهيكل

إن حادثة طنجة عززت فرضية وجود صعوبات في إدماج قطاع الاقتصاد غير المهيكل ضمن النسيج والنموذج الاقتصادي المهيكل، سيما وأن البنيات الاستقبالية لتشجيع هذا النوع من الاقتصاد  في الانخراط في الاقتصاد الوطني لم تتحدد معالمها بالشكل الذي يجذب الفاعلين الاقتصاديين، وهذا يقتضي من الدولة بذل كثير من المجهودات على مستوى ترسيخ الثقة بين الدولة والفاعلين في هذا المجال، ومنح مزيد من التسهيلات والإعفاءات وتبسيط المساطر الإدارية لتقوية الدافعية لدى هؤلاء الفاعلين في الاقتصاد غير المهيكل في الانخراط في النسيج الاقتصادي المهيكل للدولة المغربية.

ثالثا: إحداث مناطق صناعية، وتوسيح مناطق “التسريع الصناعي”

أفرزت حادثة طنجة، والظروف اللامهنية التي كان يشتغل فيها العمال، مدى الحاجة إلى إحداث مزيد من المناطق الصناعية، إلى جانب 26 منطقة صناعية موجودة حاليا، وفتح أبوابها أمام المقاولات والشركات الناشئة، وتمتيعها بمزيد من الامتيازات والاعفاءات، إلى جانب تقوية “مناطق التسريع الصناعي” والتي حلت محل عبارة “المناطق الحرة للتصدير” وذلك بمقتضى البند VI من المادة 6 من قانون المالية رقم 70.19 للسنة المالية2020.

وقد شملت هذه المناطق مجموعة من الامتيازات والإعفاءات الضريبية، لفائدة الأنشطة المقامة فيها، وهذا يقوي رغبة الدولة في تحويل المغرب إلى قطب إقليمي صناعي كبير، وذلك من خلال وضع سياسات عمومية تحفيزية لجلب رؤوس الأموال الأجنبية، وإغراء الشركات والمقاولات الراغبة في الاستثمار، بمزيد من الإعفاءات والاستثناءات الضريبية، نظرا لخصوصيات مطالبها، وطبيعة احتياجاتها، وحدة المنافسة الدولية في هذا المجال.

إن هذه الرهانات الثلاث قادرة على إكساب الاقتصاد الوطني المناعة في حدها الأدنى لحماية مختلف العلاقات الاقتصادية، والروابط الشغلية،  وضمان مختلف الحقوق لمختلف الفاعلين؛ سواء كانوا مستثمرين، أو عمالا  منتجي الثروة الاقتصادية، وهذا كله في ظل الرعاية الاجتماعية التي تتولاها الدولة وتشرف عليها، في ظل اقتصاد مهيكل وداعم للنموذج التنموي في الحياة الاقتصادية.

صالح النشاط

-*-*-*-*-*-*

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة الناشرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى