الموس يكتب: المُدرس وغرس القيم الإسلامية

بسم الله الرحمان الرحيم

 

المُدرس وغرس القيم الإسلامية[1]

مقدمات:

أولا:  إذا كانت التربية مهمة يضطلع بها كل أب وكل أم، بل و كل فرد في المجتمع، فإن الأستاذ له دور كبير في التأثير فيها. كما أن الفرق بين تربية وأخرى يكمن في نوعية القيم التي تلقن للناشئة، ويتشبعون بها في حياتهم، وهل هي قيم إيجابية أو سلبية؟ 

ثانيا: ينبغي التأكيد على حاجة المسلم عامة، والمشتعل بالتربية والتعليم خاصة إلى استلهام مبادئ التربية و أصولها من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن خلال تراث علماء الإسلام ومربيه، وعدم الاكتفاء بالجهد البشري الغربي رغم أهميته. 

ثالثا: الآباء والأمهات، الإمام والواعظ والخطيب، المدرس في كل مراحل التعليم يسهم كل منهم في نقل القيم وتلقينها، ومن ثم فإنهم جميعا معنيون بمحاور هذه الورقة.

أولا: رسالة المعلم رسالة تربوية بالأساس:

التعليم لا يكفي عند غياب التربية، بل هما متلازمان، وقد يُستغني بالتربية عن التعليم ولا يُستغني بالتعليم عن التربية، ومن ثم فإن رسالة الأستاذ تربوية بالأساس، ولذلك شبهه الشاعر أحمد شوقي بالرسول فقال في قصيدته:

                      قم للمعلم ووفه التبجيلا    كاد المعلم أن يكون رسولا

والتربية تروم غرس القيم النبيلة، وهي عملية مترابطة الأجزاء متكاملة الحلقات، تشمل كافة مراحل الانسان العمرية. ولقد كانت المهمة الأساسية للنبي صلى الله عليه وسلم جامعة بين التربية و التعليم قال الله تعالى مخبرا عن دعاء إيراهيم: “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ” [ البقرة  129 ]. وأخبر تعالى عن استجابته لهذا الدعاء وامتن على المسلمين ببعثة النبي الخاتم فقال: ” لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ” [ آل عمران  164 ] وأمر سبحانه بذكره وشكره على هذه النعمة فقال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 151، 152]

ثانيا: أهمية القدوة في غرس القيم

إن غرس القيم ومبادئ الدين لا يكون دائما بشكل مباشر، بل إنه يتم في الغالب عن طريق التمثل والاقتداء بسلوك المربي. وقديما قيل:” لسان الحال أبلغ من المقال” وهو ما يسمى بالدعوة الصامتة. ولذلك فإن من أهم أساليب التربية اعتماد القدوة.

فلا يخفى أن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة التقليد الكامنة في النفوس. وقد راعى القرآن الكريم هذا البعد حيث أنه – كما نبه الشاطبي – كثيرا ما يُذكّر العرب بسيرة أبيهم إبراهيم، وأنه كان على التوحيد ولم يكن مشركا، وهم يرونه الأسوة والقدوة. ولاشك أم مقام القدوة يقتضي أن يكون المعلم والمربي متحليا بالفضيلة معروفا بالأخلاق الرفيعة، بعيدا عن الدناءات والشبهات. فالمربون والعلماء مصابيح الأمة الذين يُقتدى بهم، ويُتأسى بأقوالهم وأفعالهم.

ومما يغري في الاقتداء بهم تلطفهم مع طلبته وتلامذتهم، وإحسانهم إليهم، وفي قصة يوسف مع صاحبي السجن مثال على ذلك، فقد كان سلوكه الحسن سببا في تأثر رفاقه به وتجرؤهم على سؤاله واستفساره: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] .

وفيما يأتي ذكر لبعض القيم النبيلة التي يغرسها المربي بسلوكه ومعاملاته، قبل أن يلقنها بتعليمه ومواعظه.

قيمة الإحسان وإتقان الأعمال:

الاحسان مرتبة عالية من مراتب الايمان، وله تجليات في عمل المسلم وتصرفاته، والاسلام يريد لأتباعه أن يختاروا الأحسن في كل شيء، وأن يبتعدوا عن الإساءة ويعلموا كيفية الخروج عنها (حديث المسيء صلاته). ولاشك أن إخلاص المدرس، وإتقانه لعمله يغرس في نفوس طلابه التطلع لهذه المرتبة في حياتهم والسعي لإدراكها ونيلها.

وهذا يقتضي أن يجتهد المدرس في حسن إعداد المادة العلمية، وفي إبداع طرق عرضها من خلال استعمال الوسائل السمعية البصرية الميسرة، وأن يلزم طلبته بإحسان الكتابة والعرض والتعبير عما يجول في خواطرهم.

قيمة احترام الغير والاصغاء إليه : من القيم التي يقوم المربي بغرسها في نفوس الناشئة احترام الرأي الآخر وحسن الإصغاء إليه. يُظهر ذلك  في سلوكه من خلال حسن إصغائه لأراء طلبته مهما كانت خاطئة أو شاذة، ومن خلال تشجيعهم على الإدلاء بدلوهم في المسألة  المعروضة دون استحياء. كما يبذل جهدا قصد تعويد الطلبة على الانصات لبعضهم البعض، واحترام الرأي المخالف ولو كان خاطئا في تقديرهم. ومن الأدلة على اعتبار هذه القيمة أن الله تعالى أثبت بعض شبهات المشركين في القرآن  وأقوالهم التي لا يرضاها الشرع، فمن ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} [آل عمران: 181]. وقوله سبحانه: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } [الفرقان: 7].

وكان النبي عليه السلام يدرب أصحابه على حسن التفكر ويطرح عليهم الأسئلة ليختبر ما عندهم من العلم. روى البحاري عن  عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – : قال : “كُنَّا عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : أَخبروني بشجرة شِبه – أو كالرجل – المسلم، لا يتَحَاتُّ ورقُها، ولا، ولا ، ولا وتؤتي أُكُلَها كُلَّ حين قال ابنُ عمرَ : فوقع في نفسي أنها النَّخْلةُ، ورأيتُ أبا بكر، وعمرَ لا يتكلَّمانِ ، فكرهتُ أن أتكلَّمَ، فلَّما لم يقولوا شيئا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : هي النَّخْلَةُ ، فلما قمنا قلتُ لعمرَ : يا أبتاه، واللهِ لقد كان وقع في نفسي أنها النخلةُ، فقال: ما منعكَ أن تتكلمَ؟ فقال: لم أركم تَكلَّمُون، فكرهتُ أن أتكلَّمَ، أو أقولَ شيئا، فقال عمرُ: لأن تكونَ قُلْتَها أحبُّ إِليَّ من كذا ، وكذا”…

قيمة العدل والممارسة العملية لها:

من قيم الإسلام الكبرى قيمة العدل والقسط، وقد أمر الله بها في الكثير من آيات القرآن. ففي النساء قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } [النساء: 135]. وفي المائدة قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } [المائدة: 8]. وجعل النبي عليه السلام الإمام العادل على رأس السبعة الذين يظلهم الله في ظله.

والعدل يدخل في مجالات متعددة منها العدل بين التلاميذ والطلبة، ومعاملتهم على قدم المساواة لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، وخاصة فيما يتعلق بالتقييم ونقط الفروض. وينبغي للمدرس أن يحذر من الجور، وليتذكر ما ورد بشأنه من الوعيد: روى الترمذي وأبو داود عن بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ – رضي الله عنه – عَنْ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: ” الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ) (فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ، فَهُوَ فِي النَّارِ ” والمدرس حين يُقيّم عمل طلبته، وحين يشهد لهم أو عليهم فهو قاض فليختر من أي نوع من القضاة أراد أن يكون.

قيمة المجادلة بالحسنى والحوار الايجابي:

 من القيم التي تحتاجها الأمة في زماننا قيمة المجادلة بالتي هي أحسن، وحمل أقوال الناس على أحسن محمل وحسن الظن بهم. ولعلماء الإسلام كتابات متعددة في أدب الجدل والمناظرة، كما يرشدنا القرآن الكريم إلى اعتماد الجدال بالتي هي أحسن كمنهج في الدعوة والمناظرة والتعليم. قال تعالى: {دْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

وجمعت هذه الآية أصول الاستدلال العقلي الحق وهي البرهان والخطابة والجدل المعبر عنها في علم المنطق بالصناعات، ومن مقتضيات الجدل بالتي هي أحسن أن يتواضع المجادل، وألا يستعجل في رد حجة الغير، وأن يظهر له إمكانية الخطأ. وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول للمخالفين: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.  قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 24، 25] ، وهي وسيلة لتقريب المخالف وحثه على حسن التفكر والنظر.

وقد ساد عند علماء الاسلام أدب المناظرة، وتفننوا في مجادلة غيرهم، ومن الرسائل التي تعكس هذه القيمة رسالة ابن مبارك السجلماسي(حوالي القرن الحادي عشر الهجري إلى السلطان المولى إسماعيل ) حول مسألة قبول الأعمال، وفيها الكثير من آداب المناظرة وفنون الجدل والتأدب مع المخالف والرد عليه بالحجة والبرهان.

قيمة النظافة والطهارة والعناية بالبيئة:

تمر البشرية اليوم بأزمات متعددة، ومن أخطرها وأبعدها أثرا مسألة تدهور البيئة وإتلافها. وبإمكان المدرس من خلال سلوكه وأدبه، وكذلك بتوجيهه ونصحه أن يلقن الأجيال كثيرا من الآداب المتعلقة بالبيئة وبترشيد الاستهلاك من مثل:

  • حفظ الماء والاقتصاد في استعماله..
  • ترشيد استهلاك البضائع، والحذر من تبذيرها
  • الحرص على النظافة والطهارة، ومساعدة القائمين عليها من خلال الحرص على نظافة القسم، وجمع ما يلقى من فضلات في المكان المخصص، وتنظيم حملات للنظافة في المؤسسات..
  • تنظيم زيارات لبعض المؤسسات المرتبطة بالبيئة قصد الوقوف المباشر على التحديات التي يمر بها الوطن، من مثل المكتب الوطني للماء والكهرباء، وشركات النظافة وغيرها..

قيمة التعاون على الخير

من القيم التي يُسهم المدرس في غرسها قيمة التعاون على الخير، ونبذ الأنانية والفردانية التي بدأت تتسرب إلى مجتمعاتنا. فالإنسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، وقد أمر الله تعالى بالتعاون فقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].  

ونبه الماوردي رحمه الله أن:”صَلاَحَ الدُّنْيَا مُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا مَا يَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُ جُمْلَتهَا. وَالثَّانِي: مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا. فَهُمَا شَيْئَانِ لاَ صَلاَحَ لِأَحَدِهِمَا الا بِصَاحِبِهِ.” وما ينتظم به جملتها يحتاج إلى التعاون والتعاضد. وبإمكان المدرس غرس هذه القيمة من خلال دعوة الطلبة إلى إنجاز عروض وأعمال مشتركة، أو تكليف بعضهم بمساعدة المتعثرين في فهم بعض الدروس..

ثالثا: التربية وغرس القيم عند علماء الاسلام

لعلماء الإسلام أيادي بيضاء في إبراز دور المؤسسات التعليمية في نقل القيم وتربية النشء. تجلى ذلك في كتبهم العلمية بصفة عامة، كما ظهربشكل أخص في بعض مؤلفاتهم التي اعتنت بآداب العالم والمتعلم ومن ذلك:

آداب المعلم والمتعلم وآداب المؤسسات التعليمية عند بدر الدين بن جماعة:

ممن ألفوا في آداب العالم والمتعلم بدر الدين بن جماعة[2]، وهو من علماء المائة السابعة له تعاليق في علوم كثيرة ألف كتاب” تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم “، وقد انتشر هذا المؤلف في العالم الإسلامي وفي غيره.  

ووُجدت منه نسخة خطية بإحدى المكتبات الألمانية وهي التي اعتمدت في تحقيق الكتاب. وقد قسمه بدر الدين بن جماعة  إلى خمسة أبواب كالآتي:

الباب الأول: في فضل العلم وأهله وشرف العالم …

الباب الثاني: في أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه

الباب الثالث: في أدب المتعلم في نفسه ومع أستاذه ورفقته ودرسه

الباب الرابع: في مصاحبة الكتب وما يتعلق بها من الأدب

الباب : الخامس في آداب سكنى المدارس للمنتهي والطالب …

وفي كل أبواب الكتاب نلاحظ الربط بين العلم والتربية وتزكية النفوس. ويؤكد على أهمية القدوة في التربية فيقول عن المدرس الذي يؤخذ عنه العلم بأنه يجب أن يكون: ” ذا رياسة وفضل وديانة وعقل ومهابة وجلالة وناموس وعدالة ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء يقرب المحصلين …حريصا على النفع مواظبا على الإفادة[3].

الموافقات وفن التوجيه والمتابعة والتحفيز عند الشاطبي :

أما الشاطلبي الأصولي صاحب الموافقات فقد اهتم بالفروض الكفائية، وبين خلال ذلك دور التحفيز وحسن التوجيه للناشئة في إبراز المؤهلين لكل فرض من فروض الكفاية التي تحتاجها الأمة. وتعرض لما نسميه في نظامنا التعليمي بالجذوع المشتركة، التي يأخذ فيها التلميذ المهارات والمعارف اللازمة لكل فرد قبل أن يُوجه للتعمق في التخصص الذي يناسبه ويوافق ملكاته وإمكانياته. 

ورأى الشاطبي أن التعليم الأساسي هو المنطلق لتوفير الطاقات المناسبة للفروض الكفائية التي تحتاجها الأمة. بحيث يتربى لكل فعل من فروض الكفاية من يحسنه ويبرز فيه، وقال عمن توقف عن التحصيل وخرج للعمل بأنه: “سار أولا في طريق مشترك فحيث وقف السائر، وعجز عن السير، فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة، وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية، وفي التي يندر من يصل إليها كالاجتهاد في الشريعة والإمارة فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة …”[4].

وأكد الشاطبي على أهمية العلماء والمربون في اكتشاف المواهب وتوجيهها وتحفيزها للبروز فيما ألهمت. فالخلق بحسب الشاطبي خلقوا غير عالمين بوجوه مصالحهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، ” والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا” ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية.  “…وفي أثناء العناية بذلك يقوى في كل واحد من الخلق ما فطر عليه وما ألهم له من تفاصيل الأحوال والأعمال فيظهر فيه وعليه ويبرز فيه على أقرانه ممن لم يهيأ تلك التهيئة …ويتعين على الناظرين فيهم الإلتفات إلى تلك الجهات فيراعونهم بحسبها  ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم ويعينونهم على القيام بها ويحرضونهم على الدوام فيها حتى يبرز كل واحد فيما غلب عليه ومال إليه من تلك الخطط “.

وكان رحمه الله في كل ذلك يؤكد على أهمية القدوة في تلقين العلم وفي تمثل ما يدعو إليه. ومما قاله في ذلك: ” العلم الذي هو العلم المعتبر شرعا -أعني الذي مدح الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] أهله على الإطلاق- هو العلم الباعث على العمل، الذي لا يُخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه، الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها…” ويشهد لهذا الشأن قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

مبادئ التربية وغرس القيم عند أبي حامد الغزالي:

عقد الغزالي في إحياء علوم الدين فصلا  خصصه لتربية النشء وتعليمهم سماه: ” بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوءهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم”.

وقال: ” اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه.  فإن عود الخير وعُلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له…”. وقد نُقل هذا الكلام عن القاضي أبي بكر بن العربيّ أيضا ولعله أخذه عن الغزالي، ووجد عند السيوطي في رسالة له بعنوان (البيان في رياضة الصبيان)[5]

وألف علماء آخرون في التربية والتعليم لا يسع المقام للوقوف عندهم من أمثال ابن أبي زيد القيرواني ورسالته الموجهة أساسا للصبيان، وكذلك أبو الفرج ابن الجوزي وكتابه: ” لفتة الكبد في نصيحة الولد” والقابسي وإخوان الصفا…

رابعا: المواد العلمية وغرس الإيمان والقيم التربوية

من الأقوال المأثورة ” العلم محراب الايمان”. ومن ثم فالمدرس مهما كان تخصصه العلمي يمكنه أن يجد طريقا من خلال مادته في غرس القيم، وفي ربط الطلبة بربهم. إن اغتنام حصة الدرس في غرس القيم منهج مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم، وربى به أصحابه. ومن ذلك القصة سالفة الذكر في صحيح البخاري والتي شبه فيها النبي عليه السلام المسلم بالنخلة في طيبوبته، وفي الانتفاع به كما ينتفع بكل أجزاء النخلة.

ويمكن التمثيل لدور بعض المواد – خاصة التي يظهرللوهلة الأولى  أنها غير حاملة للقيم – وكيفية الاستفادة منها في تربية الناشئة من مثل:

الرياضيات وغرس بعض القيم:

تحرص كل المنظومات التعليمية على تعليم الطالب أصول المنطق والبرهان الرياضي، وطلاب الهندسة يأخذون منه جرعات أكثر، ونرى أن درس الرياضيات باب كبير لتحصين الفكر، وإصلاح المجتمع من كثير من الآفات، ومما يتعلمه الطالب من مادة الرياضيات :

  • تعلم الاعتماد على الديل والبرهان والابتعاد عن الظنون والأوهام:

إن درس الرياضيات مثلا يعلم الانسان المنطق، والاحتكام إلى البراهين وترك الظنون والأوهام. قال الله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } [النساء: 157].  {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } [الأنعام: 148].

والآيات في هذا الباب كثيرة، وقد أبدع المسملون في تعليم المنطق وبيان أهميته في لجم الفكر والعقل خاصة فيما له تعلق بالمعتقدات. وإن الشباب اليوم عرضة لكثير من الأفكار الإلحادية ولا يعصمهم من ذلك إلا أن يتسلحوا بمنهج المنطق والبرهان في الدفاع عن عقيدتهم وحسن تمثلها.  

وأمر الله بالتفكر في الخلق والتأمل في ملكوت السماوات والأرض. كما أكد علماء الاسلام على ضرورة الدليل العلمي في قضايا الايمان. قال أبو الفرج ابن الجوزي لولده في رسالته التوجيهية: ” اعلم يا بني، وفقك الله للصواب أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك واعمل فكرك، واخل بنفسك. تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض….”.. وقال  له بعد ذلك: ” أول ما ينبغي النظر فيه معرفة الله تعالى بالدليل…”.

  • تعلم الاحتياط من التعميم دون دليل :

إن آفة الناس اليوم أنهم يعممون، ويستدلون بالمثل الواحد على الخير أو الشر، وقد يصدرون أحكاما جازمة بناء عليه، ومن أمثلة ذلك  القول أن الأمازيغ موصوفون بالبخل لأنه عاين رجلا لأمازغيا بخيلا، أو اتهام الصوفية بالابتداع وخدمة المستعمر لأنه رأى صوفيا كذلك. إن المنطلق يعلم المسلم أن يُعمل الدليل في نفي التعميم، لا في الاستدلال على العموم الذي يحتاج إلى استقراء أو أدلة أخرى.

  • الصبر على الصعوبات والبحث عن البدائل:

   مما يتعلمه الطالب من درس الرياضيات أن يصبر على الصعوبات، وأن يجتهد في اختيار الطرق المؤدية إلى الحل المناسب للمسألة المعروضة. وقد أثر عن بعض العلماء أنهم كانوا يحملون المسائل من المدرسة إلى بيوتهم، ويفكرون فيها بالليل والنهار، وقد يصلون إلى الحل عند خلودهم للنوم والراحة…

علوم الحياة والأرض   

  • المادة محراب الايمان

هذه المادة أيضا مليئة بما يعرف الناس بربهم، ويدلهم على عظمته سبحانه وفضله عليهم بما سخره لهم. فهي بحق محراب الايمان. ففيها يطلع الطالب على مبدأ التنوع في الخلق وقد قال سبحانه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 27، 28].

والمربي الواعي يمرن عقول الطلاب على تأمل آيات الله في الكون ودلائل حكمة الله ودقة صنعه، ثم يناقش معهم هذه المسائل ويستجوبهم بأسئلة محكمة يتوصلون بها تلقائيا إلى الاعتراف بوحدانية الله وقدرته وأسمائه الحسنى.

  • علوم الحياة والأرض وقيمة الحفاظ على البيئة ومنع إفسادها:

   من المعضلات التي تؤرق علماء العصر مسألة حماية البيئة والحفاظ على مكوناتها من ماء وتربة وهواء. ولاشك أن أستاذ علوم الحياة والأرض عنده من الامكانيات والفرص ما يمؤهله لغرس قيمة الحفاظ على البيئة ومنع تبذيرها وإتلافها.

وأخيرا فإنه بإمكان كل مدرس أن يقتبس مما سلف أنه بإمكانه أن يُسهم في غرس القيم عند طلبته، وأن التربية والتزكية وإكساب القيم لا تفترق عن تعليم العلوم وتلقينها.

الدكتور الحسين الموس

*****

[1] أصل هذا البحث محاضرة ألقيت  في ندوة للمجلس العلمي المحلي لتمارة، خلال الدورة الثالثة لـمنتدى القيم الإسلامية  في موضوع: فرد مستقيم ومجتمع صالح،  يوم  الجمعة 23 صفر الخير 1435هـ الموافق ل 27 دجنبر 2013م.

[2]  بدر الدين بن جماعة الحموي الشافعي، ولد بحماة سنة 639 هـ قال عنه الذهبي: قاضي القضاة، شيخ الاسلام الخطيب المفسر، له تعاليق في الفقه والحديث والأصول والتواريخ….وله مشاركة حسنة في علوم الإسلام مع دين وتعبد وتصون وأوصاف حميدة…

[3]  آداب العالم والمتعلم، بدر الدين بن جماعة، ص 199.

[4]  الموافقات، الشاطبي.

[5]  أنظر مجلة التراث العربي – العدد 51 (ص: 15)

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى