الموس يكتب: التحلي بالرفق والاقتداء بالنبي عليه السلام

بسم الله الرحمان الرحيم

حلول ربيع الأول مناسبة لتفعيل الاقتداء بالنبي عليه السلام، ولأجل المسابقة إلى نشر هديه وأخلاقه بين الناس. ومن الأخلاق التي يحتاجها المسلمون في علاقاتهم الاجتماعية خلق الرفق أو التؤدة. فقد أصبح الغالب على الناس اليوم العنف والشدة في تصرفاتهم، حيث يتهيب الفرد أن يراجع أخاه في أمر معين أو يعرض عليه مسألة ما خوفا من ردة فعله غير اللطيفة ولا الرفيقة.

وإذا رجعنا إلى السنة النبوية سنلاحظ أن النبي عليه السلام أكد على خلق الرفق، وجعل الخير قرينا للتحلي والتزين به، وفيما يأتي بعض ما جاء في الهدي النبوي حول الرفق وبعض تطبيقاته لواقعنا المعاصر:

   أولا الرفق في أخلاق النبي عليه السلام:

كان الرفق هديه عليه السلام وكان يؤكد عليه ويوصي به. روى مالك عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ يَرْفَعُهُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ “. ولم يكتف عليه السلام بالتوجيه إلى الرفق مع الانسان العاقل، بل حث على الرفق بالعجماوات وبالبهائم، ونهى عن إرهاقها في السير ، وأمر بإعطائها حظها من الراحة.  وروي من وجه أخر أنه عليه السلام نبّه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى الرفق ببعير غير سلس الانقياد وقال لها: ” يَا عَائِشَةُ، ارْفُقِي بِهِ  فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ “…واقتدى الصحابة به عليهم السلام به في رفقه بالدواب والحيوان، روى أبو داود عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: ” كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً ، لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ  ” أي لا يُصلون ولا يقومون بأي شيء قبل رحل الرحال وتسريح الدواب لتستريح من عناء السفر، واستحب بعض العلماء لأجل الحديث إطعام الدابة أولا قبل مباشرة أي عمل آخر.

وجعل النبي عليه السلام من حرم حظَه من الرفق محروما من نصيبَه وحظه من الخير. فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ , فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ , وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ , فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ “. وعند مسلم عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ , يُحْرَمْ الْخَيْرَ كُلَّهُ “.

ومن الأمثلة العملية على رفقه عليه السلام ومداراته لأعدائه أعدائه ممن يكيدون له ما رواه البخاري وغيره عن عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ: (دَخَلَ يَهُوديٌّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” وَعَلَيْكَ ” قَالَتْ عَائِشَةُ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَعَلِمْتُ كَرَاهِيَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ , فَسَكَتُّ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: ” وَعَلَيْكَ “، فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَعَلِمْتُ كَرَاهِيَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ الثَّالِثُ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: وَعَلَيْكَ السَّامُ , وَغَضَبُ اللهِ وَلَعْنَتُهُ، إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَتُحَيُّونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا لَمْ يُحَيِّهِ اللهُ؟)  (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ) (فَإِنَّ اللهَ رَفِيقٌ , يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ) (وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) (وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ) (فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ  “)  (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟)  (قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ) (فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ)

مجالات تحتاج إلى الرفق وتجنب العنف:

بين أفراد الأسرة:

من مجالات الرفق دائرة الأسرة، حيث يرفق الزوج مع زوجته، والعكس، ويتعامل الآباء مع أبنائهم بالرفق. روى ابن عساكر عن ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” مَا أُعْطِيَ أَهْلُ بَيْتِ الرِّفْقَ إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا مُنِعُوهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ “. وروى الامام أحمد عن  عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا , دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ “. وكان هديه عليه السلام الرفق مع زوجاته وعدم إعناتهن، وتيسير حسن اختيارهن. روى في الصحيح قصة تخيير أمهات المؤمنين بين الله والرسول والدار الآخرة من جهة وبين التسريح وفراق النبي عليه السلام من حهة أخرى، ومما جاء في القصة من رواية مسلم عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – : قال : «  فبدأَ بعائشة. فقال : يا عائشة ، إِني أريدُ أن أعْرِضَ عليكِ أمرا أُحِبُّ أن لا تَعْجَلِي فيه حتى تستشيري أبويكِ. قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله ، والدار الآخرة. وأسألك أن لا تُخْبِرَ امرأة مِنْ نسائك بالذي قلت. قال: لا تسألُني امرأة مِنْهُنَّ إِلا أخبرتُها ، إِن الله لم يبعثني مُعْنِتا ولا مُتَعَنِّتا. ولكن بعثني مُعَلِّما مُيَسِّرا ». فالحديث يدل على حرص عليه السلام على استبقاء زوجته عائشة رضي الله عنها من خلال توجيهها إلى الاستشارة مع أبويها، ثم هو أيضا حين اختارته عليه السلام كان ظهر رفقه بزوجاته الأخريات حين امتنع عن كتمان خبرها عنهن، وهذا هو المطلوب من كل زوج صالح.

أما الرفق مع الأبناء والتلطف معهن فهو مشهور في سيرته عليه السلام، حيث أنه كان لا يضرب الصغار، ولا يعنفهن، ويكتفي بالتنبيه الخفيف لمن أخطأ منهم.

رفق المعلم بطلابه واستيعابه لهم:

ومن أهم المجالات التي تحتاج إلى الرفق والتلطف مجال التربية والتعليم، فالمعلم يربي بأخلاقه قبل أقواله، ويحرص على تيسير الفهم عند طلابه وعلى حسن استيعابهم والإرتقاء بهم. استنبط ابن حجر من حديث النبي عليه السلام حول بول الجارية وأنه يكفي نضحه بالماء استحباب: ” الرِّفْقُ بِالْأَطْفَالِ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُمْ وَعَدَمُ مُؤَاخَذَتِهِمْ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ.” وكان عليه السلام يتغافل عن بعض أجوبة أصحابه وأبناءه ولا يُنكرها بشكل مباشر. ومن الأمثلة ما روي في صحيحي البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – : « أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- طَرَقَهُ وفاطمةَ ، فقال: ألا تُصَلِّيانِ ؟ قال عليّ : فقلتُ : يا رسولَ الله ، إِنَّما أَنْفُسُنَا بيد الله ، إِذا شاء أَن يبعَثَنَا بعَثَنَا ، فانصرفَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حين قلتُ له ذلك ، ولم يرجع إليَّ شيئا ، ثم سمعتُه يقول وهو منصرف يضربُ فَخِذه : { وكان الإِنسانُ أَكْثَرَ شيء جَدَلا } [الكهف: 54]». ويشهد للرفق مع الشباب قصته مع الغلام الذي ضعفت نفسه وجاء يسأل الإذن بالزنا، فأخذه عليه السلام وحاوره برفق إلى أن صرف تفكيره عن الشهوة الحرام.

الرفق في المرافق والإدارات وغيرها:

ومن مجالات الرفق أن يرفق الناس ببعضهم في المرافق العمومية، ولذلك سميت بالمرفق، فيقدموا الضعاف والمرضى أولا ، ويصبر الشباب ويقومون للعجزة. ومن ذلك  الرفق عند المطالبة بالحقوق سواء من الأفراد أو من موظفي الإدارات، فكثيرا ما يعطل المرفق بسبب الشدة والغلظة في طلب حق، ويبقى الناس ينتظرون هدوء الموظف ورجوعه لعمله…روى ابن ماجه عن  وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” مَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ , وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ “.

ومن ذلك الرفق عند استعمال الطريق، ومراعاة الضعاف ومن يخطؤون: روى أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ – رضي الله عنهما – قَالَ: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ , فَيُزْجِي  الضَّعِيفَ  وَيُرْدِفُ  وَيَدْعُو لَهُمْ “. فكم من الحوادث سببها العناد وقلة الرفق  عند التغافل مع المخطئين أو المتهورين.

ويتعلق بهذا الميدان أن يستشعر الولاة وموظفو الإدارات ما يجب عليهم من حسن الاستقبال لأصحاب المظالم والحاجات، والرفق بهم وهو يلجون الإدارات قصد قضاء مصالحهم . بوب ابن حباب باب  ذكر دعاء المصطفى صلى الله عليه و سلم لمن رفق بالمسلمين في أمورهم مع دعائه على من استعمل ضده فيهم. وروى عن عائشة رضي الله عنها  قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في بيتي هذا : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ).

  إن الأخلاق عامة والرفق والتلطف خاصة قد تكون عطية ربانية وسجية عند بعض الناس، لكن يمكن لكل فرد أن يجتهد في رياضة نفسه  وتهذيبها قصد الحصول على حظ منها.  روى البخاري عن بن عباس في قصة وفد بني عبد القيس قال : وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للأشجّ – أشجِّ عبد القيس : «إنُّ فيك خَصلتَيْن يُحبُّهما الله تعالى : الحلمُ والأناة ».  فمن عرف بالعنف داخل أسرته أو في علاقته بالناس فليروض نفسه بالتدريج على الأناة والصبر، وليذكر أن الله تعالى يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على غيره وسيجد الثمرة بإذن الله تعالى في مستقبل أيامه. روى الإمام أحمد عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَا أَجِدُ لَكُمْ رِزْقًا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى