مقالات رأي

العمل يكسب الأمل ويغير المستحيل – الزهرة لكرش

نودع عاما اجتاحتنا فيه فيروسات بأشكال وعوارض مختلفة. نودع عاما عشنا فيه مع فيروسات كثيرة وخلف لنا وراءه فيروس كورونا وفيروس التطبيع. قد نكون وصلنا الى حالة التآلف مع المرض الجائحة الذي أقض مضاجعنا وغير حياتنا بل تدخل حتى في يومياتنا لكن يصعب بل يستحيل التطبع والتطبيع مع كيان أصبح شوكة في حلقنا وسوسا ينخر أجزاء أمتنا ومغتصبا انقض على أطهر بقعة وأغلاها على قلوبنا فشرد وهدم وقتل واغتصب واستولى على ما ليس من حقه وأصبح اليوم يساومنا ويفاوضنا بشأنه كأنه أضحى ملكا لأجداده.

شهدنا في هذا العام من الأحزان والنكبات ما جعل البعض يسميه عام الحزن. فقدنا فيه أحبابا وشهدنا فيه أمراضا وفرض علينا فيه حجر منزلي أو قل حبس منزلي وذقنا فيه طعم الذل والهوان حين سلمنا واستسلمنا. حزنت القلوب وضاقت علينا الأرض بما رحبت وتسلل اليأس الى قلوب الكثير منا.

لكن حين نعود إلى سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم تحيي فينا الأمل الذي بدأ يحتضر داخلنا وتعيدنا إلى رشدنا بعودتنا لهدي نبينا. الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر من مكة إلى المدينة يخاله الرائي للمشهد هالكا لا محالة، فهو الفار من قومه والهارب من بطشهم لا يحمل معه غير زاد قد لا يكفي الطريق وصديق قد لا ينفع بشئ وقت الضيق. هذه الصورة هي التي يراها من لا يملك بعد نظر ولا بصيرة ولا قراءة متبصرة للأحداث والتاريخ على عكس رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فوق كل ذلك كان يملك ثقة في رب قيوم قادر كريم متعال. رؤية ثاقبة جعلته صلى الله عليه وسلم يرى وهو في قمة الضعف أن الغد مشرق مزهر فيَعِد عدُوه الذي تعقبه بما لا يستطيع العقل في تلك اللحظة تصديقه، يعد سراقة بن مالك بسواري كسرى وتاجه. كسرى وما أدراك ما كسرى ذاك الزمان، إنه عظيم الفرس. فمن أين تستمد كل هذه الثقة يا رسول الله؟ وكيف بك في وسط العتمة ترى كل ذاك النور؟ فأنت القائل: عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ( إذا هلك كسرى فلا كِسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصرَ بعده، والذي نفس محمد بيده، لتُنفَقَنَّ كنوزُهما في سبيل الله ) رواه البخاري .

هو الدرس الذي علينا تعلمه وحفظه  “العمل يكسب الأمل ويغير المستحيل”  لقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما توقف عن أداء رسالته والقيام بها ولها أحسن قيام، عمل ليل نهار على دعوة الناس إلى الهدى ونور الإيمان الذي أضاء الأنفس وسبح بها في الآفاق فجعلها ترى ما لا يراه القاعدون.

علمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم أن نعمل ونبني حتى وإن كان غيرنا يهدم فهو عليه السلام ظل عاكفا على العمل والبناء ومعول قريش يهدم من خلفه فما كلَّ وما ملّ صلوات ربي وسلامه عليه. علمنا أن عملنا اليوم هو الذي يزهر غدا وأن حرثنا اليوم هو الذي يثمر غدا، فأولى ثمرات عمله وكلِّه صلى الله عليه وسلم رآها حين وطأت قدماه يثرب، ليكون مشهد التفاف المدينة كلها حوله صلى الله عليه وسلم ومشهد استقبالها له بحفاوة قل نظيرها بعد أن خذله أهله أعظم درس لنا.

علمنا أن العمل يبني فينا الأمل وأن القعود يغرس فينا اليأس ويهدم كل المعاني والقيم فعن عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ قال: (بينما أنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي! هل رأيت الحيرة؟، قلتُ: لم أرها، وقد أنبئت عنها، فقال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة (المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله، قلتُ في نفسي: فأين دعّار طيئ (قطاع الطريق) الذين سعروا في البلاد؟!، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلتُ: كسرى بن هرمز؟!، قال: كسرى بن هرمز!!، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه ) رواه البخاري.

علمنا عليه السلام أن الغد يشرق ببناء جيل رسالي من أمثال أصحاب بيعة العقبة وعلي بن أبي طالب والارقم بن أبي الأرقم وأسامة بن زيد وطلحة بن عبيد الله ومصعب بن عمير وصهيب الرومي وسلمان الفارسي والقائمة طويلة. علمنا أن جذوة الإيمان وحب الإسلام يحرك الجميع للعمل وليس الأمر بكبر سن أو صغر وإلا لما رأينا نماذج من أمثال خديجة بنت خويلد وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم أجمعين. علمنا أننا نحن من يصنع الفرق ويصنع التغيير وليس حكم الآخر هو النافذ فينا فلو كان الأمر كذلك لما بلغ الإسلام ما بلغ ولما بلَّغ الحبيب صلى الله عليه وسلم الرسالة ولركن عليه السلام لكلام قريش وتوقعاتها.

علمنا صلى الله عليه وسلم أن غرس الفسيلة هو قمة الواقعية وهو المطلب في كل وقت وحين حتى والعالم يعلن عن النهاية ( إذا قامت الساعة..) حتى ونحن لسنا في آخر لحظات العمر فقط بل في آخر لحظات الحياة كلها. فأرقى عمل نقوم به ونحن نغادر هو أن نغرس الفسيلة (إذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة فليغرسها). “فليغرسها” أمر بالعمل وعدم التردد فلا مجال لخيارات أخرى غير الغرس وهذا ما كان عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم غرس بالليل والنهار غرس للقيم و غرس للحب وغرس للأمل في النفوس لكي لا تستسلم ليأس يقتل الخير فيها قبل أن يقتلها.

نحن بخير ما دمنا على نهج رسولنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، نحن بخير ما حملنا الأمل في دواخلنا ووثقنا بوعد ربنا ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا…) [سورة النور 55] نحن بخير ما عملنا وثبتنا على الدرب لا مغيرين ولا مبدلين حتى نلقى الله ورسوله ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة 105]. وفلسطين بخير ما رابطنا على ثغورنا وحافظنا على أماناتنا وأدينا أدوارنا بكل حب ومسؤولية ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد11].

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى