الشباب والتحول الرقمي: رهانات الكسب ومخاطر الجذب – عبد الهادي باباخويا

من أهم التحولات الكبرى التي يعرفها هذا العصر، هو ثورة الرقمنة التي غيرت حياة البشرية بشكل عميق وسريع، وجعلت الأفراد والمؤسسات والدول، تسارع إلى تغيير استراتيجياتها وأنماط تدبيرها لشؤونها الآنية والمستقبلية، فتستغل فرصه الجديدة للنمو والتطور، وتستعد لتحدياته بتجديد الأساليب وابتكار الحلول.

وتبقى فئة الشباب، هي الأكثر تأثرا وتأثيرا في هذا التحول الكبير. حيث تشكلت جوانب مهمة من شخصياتهم، عبر فضاءات الرقمنة وتطبيقاتها المتجددة، وصارت مجالاتها وتقنياتها وخدماتها، طموحا يسعى غالبية الشباب إلى امتلاك مهاراته، وخدمة رائدة يجتهدون في دمج معطياتها في مختلف تفاصيل حياتهم.

وفئة الشباب وسط هذا التحول، تعيش منعطفا خاصا تحتاج فيه، إلى غذاء فكري يُنعِش طموحها ويُحسِّن رؤيتها للكون والحياة والإنسان، وإلى طاقة روحية تحفظ لها شخصيتها وانتماءها ورصيدها التاريخي.

ولتحقيق هذا الهدف، نحن في حاجة إلى بناء وعي شبابي بطبيعة هذا التحول، نوضح فيه رهانات الكسب بشروطه وأسبابه، ونبين أيضا مخاطره وإشكالات الضياع في متاهاته..

أولا- مكتسبات الشباب من التحول الرقمي:

يوصف الجيل الحالي من الشباب (خصوصا مواليد التسعينات) بالديجتال أو Z أو الجيل الرقمي، لأن غالبيته نشأ في عصر الأنترنت، ويتقن استخدامها ويجيد استعمال وسائلها وتقنياتها بشكل احترافي. بما وفَّر له بيئة مناسبة لبناء ذاته، ومكنه من فرص ذهبية للتعلم والتثقيف والتواصل. وتحسين نوعية حياته، بتقوية إمكاناته التنافسية.

ونجمل أهم مكتسبات الشباب من هذا التحول في:

        أ- بيئة عالمية محفزة للحوار والتواصل:

تؤكد التقارير الدولية، أن %60 من الشباب العربي يعرف ويتقن، أشكال وطرق الوصول إلى وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة عبر الأنترنت. وأن هذا الجيل أكثر تنوعا وتعددا للثقافات. لأن التحول الرقمي جعل العالم، في اتصال وتفاعل مستمر بين فئاته المختلفة. حيث يستطيع الشباب من خلال المنصات الرقمية، التعبير عن ذاته والمشاركة بأفكاره والدفاع عن قناعاته بكل حرية. وفي ذلك دعم لمواهبه الشخصية في الحوار والتواصل، وفي إبداء الرأي والدفاع عنه.

       ب- فضاءات مناسبة للتعلم والتدريب:

يشكل العالم الرقمي مجالا خصبا، لامتلاك مهارات جديدة أو تطوير مواهب، أو اكتساب معارف بطرق جديدة ومبتكرة. بل إنه من خلال الإستخدام المتزايد للتكنولوجية الرقمية، برز أسلوب التعلم الذاتي وتطوير المهارات، كممارسة عملية تستمر مدى الحياة. لمواكبة ومجاراة الإبتكارات والتطورات المتزايدة في الفضاء الرقمي، وكذا الحفاظ على روح النشاط والفاعلية المطلوبة في المجتمع الرقمي، سواء في التوظيف أو في الحياة الاجتماعية عموما..

إن تكنولوجيا الفضاء الرقمي، تستطيع دعم حاجة الشباب في التعلم والتدريب بشكل فعال، وتقديم حلول مبتكرة لإشكالاته وقضاياه، ودعم أدواره في الحياة بالأفكار الداعمة، والمهارات الرقمية الفاعلة، والعلاقات المتخصصة البانية..

       ج- إمكانات هائلة للتأثير وإثبات الذات:

يعتقد معظم الشباب اليوم، أن التواجد في الفضاء الرقمي حاجة ملحة، وتجربة ضرورية لإثبات الذات أمام الآخرين، وتحقيق طموحاتها في التواصل من خلال الكتابة، عبر التغريد والمنشورات والمدونات، أو من خلال الصورة سواء منها الثابتة أو المتحركة، كرموز تعبيرية عن أفكار ومشاعر وقضايا وهموم، وما يتضمنه ذلك من حكي ذاتي وحوار جماعي وتواصل وجداني عميق.

وقد أتاح الفضاء الرقمي لنجوم صناعة المحتوى من الشباب، إبراز مواهبهم في الكتابة والتأليف، وفي التصوير والإخراج والمونطاج، لنشر أفكارهم وبناء قاعدة جماهيرية من المعجبين والمتابعين، والتأثير فيهم بقدراته وفلسفته في الحياة، وبتفاعله المستمر والمتنوع مع آرائهم وملاحظاتهم واقتراحاتهم..

ثانيا- مخاطر سوء استخدام الرقمنة على حياة الشباب:

تشير أغلب الدراسات العلمية، أن تأثير وسائل التواصل الرقمي على، يفوق تأثير  جميع الوسائل والمؤسسات الأخرى، بما  فيها الأسرة والمدرسة والأصدقاء.. كما تربط هذه الدراسات بين منصات الوسائط الرقمية، وظهور عدة أمراض بدنية واجتماعية.

لذلك فسوء استخدام تقنيات ووسائل الرقمنة، وغياب منهجية فعالة في التعامل معها، يجعل الشباب في وضع ضعيف أمام سلطتها وهيمنتها، وتحت تأثيرها السلبي المدمر للشخصية، ولرصيدها المعنوي ولطاقاتها المعرفية ومواهبها التواصلية..

وفي هذه المقالة سنقتصر على ذكر ثلاث مخاطر كبرى، تهدد الشباب بسبب سوء استخدام وسائل التحول الرقمي.

         أ- المحتوى المُفسد للشخصية ولمقوماتها الأساسية:

نسفت التقنية الرقمية حدود الزمان والمكان، وفتحت الأبواب على مصراعيها للتواصل والتلاقح والتشارك. وأصبحنا نسمع عن الهوية الرقمية كبديل للانتماء الجغرافي والتاريخي والوطني، وصار الجيل الرقمي في منصاته يتواصل بلُغة مختلفة (أيقونات، لايكات..) من خلال الكتابة أو الفيديو أو الصورة، يعرض فكرته بغرض التأثير في الفئة التي يستهدفها.

والمتتبع لمواقع التواصل الاجتماعي، يرى تصدر صناع التفاهة والفجور  بشتى أنواعه، والذين يحصدون يوميا ملايين المشاهدات على مواقعهم، بمحتوى فاسد للأخلاق ومدمر للقيم ومهدد للمعتقدات. ومتابعة الشباب واهتمامهم بهذا المحتوى الرديء والساقط، له آثار خطيرة على شخصيتهم في مختلف جوانبها..

       ب- تضييع مرحلة الشباب وهدر إمكانياتها:

انتشار المحتوى التافه في صفوف الشباب، وارتباطهم بنجومه ومتابعتهم لإنتاجاتهم، يؤدي لمشكلة كبيرة تتمثل في هدر الوقت، الذي هو أثمن ما يملكه الشباب. حيث كان بالإمكان استغلاله في أشياء مفيدة، كالقراءة والكتابة والإبداع، وتعلم مهارات نافعة والارتباط بقادة حقيقيين، في الفكر والثقافة وعالم المال والأعمال والفنون، وليس بتضييعه في أشياء مضرة بالنفس والعقل والحاضر والمستقبل والمحيط..

        ج- الوقوع في مصيدة الجرائم الرقمية:

تزايدت وتيرة الجرائم الإلكترونية، وانتشرت قضاياها في المحاكم، وأصبح العديد من الشباب وغيرهم عُرضة للنصب والاحتيال، بسبب استغلال معلوماتهم الشخصية من طرف محترفي الجريمة الرقمية، الذين لهم قدرة كبيرة على الاختراق والإيقاع بضحاياهم بطرق غير مشروعة.

فالفضاء الرقمي صار ساحة مستباحة، يتم فيها استغلال الحياة الخاصة بالأفراد والتجسس عليهم، للتشهير بهم وابتزازهم والاستيلاء على حقوقهم. مما يحتم ضرورة الحذر والاحتياط في استخدام تقنيات العالم الرقمي..

ثالثا- خطوات عملية لاستخدام أفضل لعالم الرقمنة:

يعتبر التحول الرقمي أحد المظاهر الأساسية لحياتنا المعاصرة، ولا تزيده الأيام إلا رسوخا واتساعا. والمطلوب هو تجويد أسلوبنا في التعامل مع فرصه وإمكاناته، مع الحذر الشديد من الإنجرار خلف مغرياته وتفاهاته..

لذلك أقترح على شبابنا 3 أعمال أساسية، يجب استغلال العالم الرقمي في امتلاكها والتفوق فيها:

        أ- تعلم التقنيات الجديدة للرقمنة:

لأن الشباب هم الثروة الحقيقية لكل بلد، وهم العمود الفقري لاقتصاديات المستقبل، فلزاما عليهم تعلم مهارات العالم الرقمي وتطوير معرفتهم في هذا الميدان. خاصة مجال البرمجيات والتطبيقات، وكذلك التسويق الالكتروني وفنون الإشهار الرقمي، وغيرها من التعلمات الأساسية، لتقوية الميزة التنافسية لديهم، وتمكين شخصيتهم من أساليب الرقمنة، لمواجهة تحديات العصر بقوة العلم وسلاح المعرفة..

        ب- القراءة الواعية والمنتظمة:

مصاحبة الكتاب سواء الرقمي أو الورقي بشكل منتظم، من العادات الأساسية للشباب المبدع الرسالي. فتفتح له هذه المصاحبة آفاق فهم الأفكار، وتثقيف الذات وتنويع الاختيارات في التحليل والتفسير. كما تمكنه هذه العادة من بناء منهجية صلبة في التفكير والتدبير، سواء في استثمار قراءاته ووجوه الانتفاع بها، أو في اتخاذ القرارات المطلوبة في المواقف واللحظات الدقيقة..

         ج- تنمية الثقافة القانونية الخاصة بالتحول الرقمي:

حيث صارت للبيئة الإلكترونية وللمعاملات الرقمية، قواعد قانونية ونصوص وتشريعات منظمة، يلزم احترامها والتقيد بمضامينها.

كما نظم القانون ما يترتب عن هذه المعاملات من مخالفات وجرائم، حسب حجم الخسائر والمخاطر التي تنجم عنها.

لذلك وجب الإلمام بهذه المعرفة، والإحاطة بأهم مبادئها ومقتضياتها، لتلافي الوقوع في مخالفات يرتب عليها القانون عند التنازع أحكام وعقوبات.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى