السيادة المائية للمملكة المغربية – نورالدين قربال

جدلية المياه والسلم والتنمية

تشكل السيادة الوطنية المؤشر الاستراتيجي للمساهمة في اتخاذ القرار الدولي، ولقد سبق أن تحدثنا عن السيادة الطاقية في إطار الصراع الدولي الذي يعرفه العالم، وتؤججه للأسف الحروب والإرهاب وغيرها من المآسي. ومن القضايا التي تشغل الدول والشعوب الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي. فماذا عن موضوع السيادة المائية للأمة المغربية في جو يسوده تدبير ندرة المياه؟

نؤكد ابتداء أن الطاقة المائية لها ارتباط وطيد بالبعد الأمني. ومن تم، تم الاهتمام بالموارد المائية وكيفية تعبئتها منذ القدم انطلاقا من رؤية استشرافية واستباقية. نحو سياسة السدود التي نادى بها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني والتي طورها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله. وقد تجاوزت السدود الكبرى بالمملكة أكثر من 140 سدا، إضافة إلى مشاريع تحلية المياه التي بدأت تعرف النور رغم التكلفة العالية.

وإذا كان الماء يشكل معطى استراتيجيا على المستوى الجيوسياسي، فهو ينعكس على البعد التنموي المستدام، والدائم بأبعاده البيئية والاجتماعية والاقتصادية. إن العالم اليوم يعرف تغييرات مناخية كبيرة وعميقة لذلك نهج المغرب سياسية تكييف البعد التنموي مع هذه التغيرات المناخية، وهذا ما أكده جلالة الملك في خطابه التاريخي في مراكش “الكوب 22”. فأصبح المغرب رائدا في هذا المجال خاصة على المستوى الإفريقي.

ورغم الإنجازات التي حققها المغرب على المستوى الصناعي، فإن الفلاحة ما زالت تشكل اختيارا استراتيجيا لأنها تشكل نسبة مهمة على مستوى الناتج الداخلي الخام، إضافة إلى نسبة التشغيل على المستوى الوطني. وقد نجد توليفات بين القطاعات نحو “الصناعة الغذائية”. ونظرا لهذا الدور الاستراتيجي للماء فإن السؤال المحير للمتتبعين لهذا الموضوع السيادي هو: كيف يمكن بناء خط ناظم بين جميع الدول من أجل التضامن في الاستفادة من هذه الندرة المائية تجنبا لكل الصراعات التي للأسف تتطور يوما بعد يوم والتي تهدد الاستقرار العالمي؟

إن المغرب منخرط في منظومة المياه والسلام والأمن، وبالتالي فالمغرب لا يتعامل مع الطاقة المائية تقنيا فحسب وإنما باستحضار الأبعاد التي ذكرناها. وكلما حصل الوعي الحضاري بالمعضلة تسهل المقاربة التقنية رغم صعوبة الموضوع من عدة جوانب. لأن هناك جدلية بين المياه والطاقة المتنوعة، والبيئة، والأمن الغذائي، والزراعة. إذن هناك سياسات عامة تقارب المعضلة المائية، تراعي التحولات المناخية والطاقية من أجل البناء التنموي المستدام والدائم.

إذن المغرب في حاجة إلى تعاون دولي من أجل بناء سيادة غذائية تصمد أمام كل المتغيرات الطارئة.

مما يتطلب استثمار كل الطاقات المغربية حيثما كانت من أجل التعاون على المقاربة المهنية في إطار دولي إنساني. لذلك فقطاع الماء قطاع سيادي يتجاوز حدود التقني إلى اهتمامات الدولة المغربية بقيادة جلالة الملك حفظه الله فليس عبثا أن يضع المغرب جائزة دولية لكل من أبلى البلاء الحسن على مستوى الأمن المائي والعدالة المناخية. وبذلك لابد من وضع استراتيجية للدولة المغربية من أجل تربية الأجيال على أن الطاقة المائية لا تهتم بالجانب التقني فقط رغم أهميته الكبرى بل تستحضر كذلك البعد الحضاري والسيادي. ولا غرو أن التفوق المغربي على مستوى الطاقات المتجددة مؤشر على وعي الدولة المغربية بالأبعاد الاستراتيجية للطاقة عامة والماء خاصة. خاصة وأن الأمم المتحدة تنظم لقاءات دولية متنوعة من أجل رسم معالم التعاون الدولي في هذا الإطار.

استنتاجات

  • إضافة إلى الابعاد الحضارية والسيادية للطاقة المائية بالمغرب فإن اجتهادات الدولة قائمة خاصة في هذا الباب، والتي يمكن أن نوجز بعضها فيما يلي:
  • الاستحضار الدائم بأن قضية الماء ليست من اختصاص قطاع معين، وإنما هو من صميم الاهتمامات الأولوية للدولة المغربية بتوجيهات ملكية.
  • رغم ما تحقق من إنجازات جوهرية فإن المغرب مطالب بالعمل بناء على القيم التالية: الحكامة، حسن تدبير ندرة المياه، والتربية على حسن الاستهلاك الفردي والجماعي.
  • البحث الدائم على الالتقائية والاندماج والانخراط والتكامل بين المخططات، بناء على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والوفاء بأداء المستحقات، والقوة في التنزيل.
  • العمل على التوازن بين المياه الصالحة للشرب ومياه الري، وتلبية الحاجة الصناعية، والسياحية أثناء عملية التعبئة للطاقة المائية.
  • توفير صلاحيات لوكالات الأحواض المائية، لأن لها أدوارا استراتيجية في تنسيقها مع كل الفاعلين الترابيين بناء على الإشراك والتشاركية التي تشكل أسا من أسس التنظيم الدستوري للمملكة.
  • ارتباط المغرب بالإرث المائي الحضاري الذي من المفروض أن يثمن ويسوق لكل المتتبعين لأن الكل يستعمل الماء، نموذج متحف محمد السادس لحضارة الماء. الذي يوحي بأن الماء له أبعاد حضارية تتخذ مستويات ثقافية وفكرية وتربوية وتعليمية ونفسية. التي تجمع بين الإرث ومنفتح على المستجدات نفخا لروح الإبداع والابتكار.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى