مقالات رأي

الثقافة الرسالية ونزاع الأنسنة والتشييء – بنداود رضواني

” لا يمكن أن توصف حياة محمد التاريخية بأحسن مما وصفها الله تعالى بقوله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، كان رحمة حقيقية، ….وإني أصلي عليه بلهفة وشوق وعلى أتباعه “.

المستشرق الإسباني جان ليك.

معلوم أن “الرسالية” كرؤية وممارسة، ارتبطت نشأتها بكتاب الله وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكذلك من حيث دلالتها اللفظية، فمفهوم “الرسالية” إنما ولد من رحم ألفاظ ك”الرسول، أرسلناك، رسالات…” وغيرها، وهي تقارب خمسمائة لفظ في القرآن الكريم. ومع ذلك لم يشهد – هذا المفهوم – تداولا لافتا في أدبيات الدعوة إلى الله، أو استعمالا في إنتاجات الدعاة كما هو واقع اليوم.

في المقابل نجد مصطلحات أمثال ” المبلغ، الداعية، المؤمن… وغيرها “، قد لازمت البدايات الأولى لنزول كلمات الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن وعلى الرغم من ذلك، يبقى مفهوم “الرسالية” أكثر احتضانا لجوهر الرسالة المحمدية، وأجلى بيانا للمفاهيم المعبرة على مضامين الدعوة الإسلامية وروحها.

أولا: الرسالية والغائية الثقافية.

عندما نؤسس لحاجة ما، أو قضية معينة، ونربطها بأهداف وغايات محددة، فإن انتقال هذه الحاجة أو القضية، من دائرة الذات إلى التعلق بمجال الأهداف والغايات، يحول هذه -القضية أو الحاجة – بالإقتضاء إلى ما ينعت بإسم “المشروع”.

ومن المسلم به أن صلاحية مشروع كيف ما كان واستمراره، إنما يدوران مع أهدافه وغاياته، وجودا وعدما، لزوما وانتفاء.

أما الثقافة فهي تتجاوز حدود الحاجة الفردية، وتتخطى الحركات العابرة، والغايات والأهداف المرحلية والمؤقتة، لتتحرك وفق منهج إنساني، موسوم بالصيرورة والشمولية، ومتفاعل اجتماعيا مع مختلف القضايا والحاجات، انطلاقا من الرؤى والمعارف النظرية حول الدين والكون والإنسان.

ولاريب أن مجتمع النبوة الذي نشأ وتربى إبان نزول البيان الإلهي، قد مثل ثقافة معرفية أنموذجية، ومعيارا للتأسي العملي، ليس من التأسيس إلى الاكتمال فحسب، بل صاحب جميع مراحل بناء الدولة الإسلامية التي مرت منها، فكل مرحلة تعد أنموذجا لما يضاهيها ويقابلها من الظروف والمتغيرات التي يتقلب فيها المجتمع المسلم عبر امتداده الزماني والمكاني، ومن جهة ثانية، من حيث سريان سنن الواقع والتاريخ على كل مرحلة، والتي لا تهمل أيا كان ولا تحابيه، من إقبال وإدبار، وقوة وضعف، ومرض وعافية، بزوغ وأفول…

فإدراكنا لرسالة الإصلاح النبوي، ووعينا بأطوارها وأبعادها، وتمييزنا بين ثوابتها ومتغيراتها، يولد قناعة ثابتة أن الثقافة الرسالية هي الأوسع نطاقا، والأكثر شمولا من عموم المشاريع الإصلاحية اللحظية، والتي ينتهي عمرها بنهاية أهدافها وغاياتها، فالرسالية منهج نظري وتطبيقي لثقافة إنسانية حية، ممتدة ودائمة بدوام الإنسان، لا تتقيد بحدود الزمان ولا بجغرافية المكان، وتتعدى خطوط الغايات والأهداف الظرفية والمؤقتة.

ثانيا: الفارق بين الثقافة الرسالية، وثقافة التشيء

1-من معالم الثقافة الرسالية

استمداد الثقافة الرسالية لميزتي الأصالة والمشروعية، يعود إلى مصادر الدين الإسلامي الأصيلة والمباشرة، أي القرآن الكريم، وسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم باقي التعابير النظرية والعملية، – الغير المباشرة – التي أنتجها العقل المسلم خلال أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن.

فإلهية المصدر وموثوقيته، قد أضفتا على الثقافة الرسالية صِدْقية وجدارة كبيرتين، فلم يتعرض – المصدر – منذ أن نزل للتزوير أو التحريف، بالزيادة أوالنقصان.

بل بقي على براءته الأصلية، محفوظا معصوما من عبث العابثين وانتحال المبطلين، بحفظ الله له، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي كنف هذه الثقافة، يتربع الإنسان على عرش المركزية الكونية، ويتمتع بالسيادة على ما سواه من الموجودات، كما أن إنسانيته تبقى الموضوع الأساس والغاية الأولى لأية عملية إصلاحية أو تغييرية.

لكن ورغم أن الإنسان قد فُطر منذ ساعته الأولى على الأخلاق السامية، ثم نال بعد ذلك جليلا من القيم الإنسانية المتراكمة عبر التاريخ، فإنها – ومع ذلك – لم تنل بريقها وصفائها إلا تحت مظلة الرسالات السماوية، ولم تتحول صفات الشر إلى أخلاق خيرية إلا حين تفاعل الفرد بالإيجاب مع رسالة السماء، بل لم يتجل كمال الأخلاق وشمولها وواقعيتها، إلا مع عميد الرسل وسيدهم، محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان الإنسان هو مركز المكَوَّنَات، فإن الرسالية هي نواة الثقافة الإسلامية ولبُّها، وهي نفخة الروح التي بثها محمد صلى الله عليهم وسلم، ليس – فقط – في إنسان شبه الجزيرة العربية دون غيره، بل في كيان الحضارة الإنسانية بوجه عام دون فرض أو إكراه، فانتشل -عليه الصلاة والسلام- بذلك الكثير من الناس من وحل المادة، وحررهم من قيود التشييء، انطلاقا من بصائر الوحي، وهداية السماء، عبر ثلاثة أسس مركزية: 1- إلهية المصدر، 2 – شرعية الوسيلة، 3 – إنسانية الهدف والغاية. وكذلك عبر رؤية عقيدية ذات أبعاد ثلاثية، تتعلق ب: 1- أصل الإنسان، 2- وظيفته الوجودية، 3- مصيره ومستقبله.

2- في الفارق بين التشييء والأنسنة.

من المعلوم من قوانين الحضارة بالضرورة، أن ما من ثقافة ترتقي وتزكو إلا بقدر ما تحققه من أهداف إنسانية على أرض الواقع، وما تنتجه من إصلاح لمشاكل الإنسان، والمثقف عبر التاريخ وبغض النظر عن مرجعيته الثقافية فهو ذاك العنصر المهموم بمشكلات وأحداث العصر.

والناس منذ وجدوا، مشكلتهم أنهم تعلقوا بالأشياء، وتوهموا أن الحياة لا تتجاوز هذه المحسوسات، وجحدوا حين حدثهم الرسل عن إنسانيتهم، وأصلهم، والسر في وجودهم، والمصير الذي ينتظرهم.

إن أية ثقافة فقدت سلاح الممانعة أمام رغبات التشييء وشهوات المادة، غير مؤهلة لتنهض بإنسانية المجتمعات، بل هي نفسها لا تملك داع للبقاء على مسرح الحياة، ناهيك إذا أخلدت إلى الأرض وسايرت الرغبات المادية التي تعد المحسوسات وما يتعلق بها هي كل شيء في هذا الكون.

في المجتمعات المادية المعاصرة، هناك الكثير من التناقضات التي تطوق ثقافة ” الأنسنة “، وتحيط بها العديد من صور الريبة والشك، خصوصا حين نسمع عددا ممن يعرفوا بدعاة الأنسنة قد قطعوا صلتهم بالله، وعدوا الوحي هرطقة وسفسطة !!!. في حين أن المصدر الأوحد للأنسنة هو الوحي، وما نلمسه بين البشر من أخلاق إنسانية فاضلة، فعائد حتما إلى بقايا رسالة الإصلاح النبوي المتوارثة عن الأنبياء والرسل، وإلى الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها.

إن الفارق هنا، هو أن زعماء ومنظري ثقافة التشيئ يؤسسون مذاهبهم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والأخلاقية، على أن الانسان كائن مادي فحسب، فلا إله له، ولا جزاء ينتظره.

وأما الثقافة الرسالية، فإنها تصل تراب الأرض بنور السماء، والجسم بالروح، والدنيا بالآخرة…، فلا غرابة أن يكون الرسالي أشد تجاوبا مع باقي الموجودات، وأقدر على تذوق معنى الحياة، وإظهار إنسانيتها، وتجلية حقوق الله فيها.

الثقافة الرسالية حين تنهض بالدعوة إلى القيم الإنسانية، لا تتجاهل المطالب والحاجات الجسدية، ولا تكبت المتع الفطرية والرغبات الغريزية – كما يروجون -، وفي نفس الآن- كذلك – لا تبشر بإطلاقها دون قوانين وضوابط…

وها هو صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، ” يصلي حتى تتورم قدماه، حياته ومضات موصولة بذكر الله، ومع هذه العبودية، كان زوجا، ورب بيت، وأب أولاد يحسن تهذيبهم ورعايتهم، وكان يستعذب له الماء، ويحب الحلوى، ويرتدي الثياب الحسنة…، إنها الإنسانية في أفضل صورها، وأروع تجلياتها “(1)

 

***

1- محمد الغزالي. كتاب ركائز الإيمان بين العقل والقلب. دار الشروق. ط 2002. ص 76.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى