البقالي يكتب: فصل جديد من تاريخ المقاومة الفلسطينية

عندما حدّدت المـقـاومــة يوم 10 ماي 2021م الساعة 18:00 موعدا للتحول الرمزي في الصراع المصيري الأكبر للأمة، وذلك بتحديد مهلة إخلاء الأقصى والكف عن المرابطين فيه، قبل تدخلها النوعي والمفاجئ للعدو، كانت في نفس اللحظة تتحمل مع المدنيين العزل المحاصرين الصامدين في غزة، مسؤولية تضحية لا بوجد نعت في قاموسنا نحن الآمنين يناسب “بلاغيا” حقيقة ما سيقع بعد ذلك .. تضحية على مستوى البنية التحتية بالغة التضرّر، وعلى مستوى العمران عالى الكثافة، دون الحديث عن الفداحة الكبرى في الأرواح والكوارث الصحية التي يخلفها القصف العدواني المجرّب والمعروف تحت تغطية دولية منافقة ومتواطئة، وتخاذل عربي مشين (بل صار مؤخرا إلى تواطؤ عربي مخز) . . . أما التكلفة العسكرية والسياسية فهي بلغة الفيزياء “مهملة négligeable” قياسا إلى فداحة المؤشرات الأخرى ..
عندما أعلنت المـقـاومــة موعد تدخلها كانت تكتب في الحقيقة فصلا جديدا في تاريخها مليئا بالدروس في مجال العلوم السياسة ومجال الاستراتيجبات العسكرية والحربية .. ومليئا بالعبر والأمثلة في الجانب الأخلاقي والقيمي والمبدئي لكفاح شعب مظلوم مؤمن بعدالة قضيته ولكنه في نفس الوقت -وهذا هو الأهم- ينوب عن أمة بكاملها عربا وغير عرب..
في اللحظة التي أعلنت المـقـاومــة ما أعلنت عنه مع كل الحيثيات المشار إليها غصصتُ بحسابات مبرري التطبيع المخجل عندنا (أما المطبعون الأقحاح فلا عجب منهم ولا عتب عليهم فهم لا يعتبرون أنفسهم منا ولا يعتبروننا منهم، ولا يفهمون منطقنا كما أننا لا نفهم منطقهم) … تذكرت هؤلاء وما قالوه وما زال بعضهم يداجي به وينأم حوله، ويركبون إلى ذلك مراكب ظاهرها التعقل والنظر البعيد الاستراتيجي، وقد يلوّحون ببعض المفاسد يرومون دفعها في موازنتهم الأبدية فاقدة المعنى والروح ، فأقول لو أن المـقـاومــة أخدت بنصف ما يدعون إليه لما لامها أحد إلا مزايد بطال .. ولكن الفكرة كانت ستتوارى لتموت، والقضية تبهت لتنسى، ولزادت الأمة ضياعا على ضياعها ومواتا على مواتها.. ولكن سادتنا هناك اختاروا غير ذلك.. ويا حبذا ما اختاروه.. ويا حبذا ما يختارونه..
فأي روح بثتها فينا تلك الأرواح الشهيدة؟ وأي جبر جبرتنا به تلك الضلوع المكسورة؟ وأي تجميع جمعتنا به تلك الأشلاء المنثورة؟
فوا خجلتاه من غُفْلٍ لا توقظهم هذه التضحيات.. وأي خسارة أكبر من أن تسيل هذه الدماء ثم لا ينقلب حالنا بها إلى الأفضل؟ وأول ما ينبغي أن ينقلب فينا أن يتوقف التطبيع تماما وأن يتم تصحيح هذا الخطإ الذي جاء في فلتة قبيحة من فلتات الزمان.. “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين”.
بقلم فيصل الأمين البقالي

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى