الافتراس اللغوي.. فصول من السياسة اللغوية بالمغرب‎ – مصطفى بنان

في نقاشات عديدة مع المهتمين بالشأن اللغوي بالمغرب أثناء الندوات الجامعية أو المؤتمرات التي تنظمها الهيآت اللسانية والجمعيات الوطنية المترافعة عن المواقف والاختيارات اللغوية العامة، كان يبرز الاختلاف حول تشخيص الوضع اللغوي بالمغرب بين من ينشغل بالتنوع اللهجي والانفتاح على اللغات الأجنبية، وبين من يحدد المشكلة في الفوضى اللغوية، وبين من يراها أخطر من ذلك على أنها وضع الافتراس اللغويGlottophagy .  ونتيجة لاختلاف هذه التشخيصات تختلف المواقف والمعالجات والبدائل بين الأطراف المختلفة.

 وتختلف تلك التشخيصات أيضا بتركيزها على جانب من الوضع اللساني بالمغرب الذي يتميز بما يلي:                          

 – الازدواجية اللغويةDiglossia بين اللغة العربية  المرسَّمة و دوارجها المحلية ولغة أمازيغية مرسمة مؤخرا  بلهجاتها الثلاث تاشلحيت وتامازيغت وتاريفيت وهي ازدواجية طبعية متساكنة وراسخة تاريخيا، فحسب إحصاء 2014 يتكلم معظم المغاربة العربية الدارجة بنسبة 90.9   % ويتكلم الأمازيغية26.8 %   .علما بأن ما يتداوله المتكلمون هو اللهجات المشار إليها. أما الأمازيغية المعيار الموحدة فما تزال بين مختبرات التهيئة اللسانية وبعض الاستعمالات المدرسية والإعلامية.

– الثنائية اللغوية Bilinguisme الموروثة عن عهد الحماية والمستمرة بهيمنة اللغة الفرنسية على الإدارة والمناشط الحيوية والتعليم العلمي العالي وغيره، بسطوة فوقية من النخبة المفرنسة المتسلطة المرتبطة بروابط التبعية للهيمنة الفرنكفونية. وإن كان تداول الفرنسية محدودا فيما لا يزيد عن 8% بين من يتقنها ومن لا يعرف منها سوى بضع جمل وكلمات.

إن الضغوط التي بلغت حد الابتزاز والإكراه لتمرير القانون الإطار في أجواء الهجوم الشديد على التعريب والعربية والهرولة اللاعقلانية إلى تعميم فرنسة تعليم المواد العلمية حتى في الابتدائي، قبل أن يكتشف المهرولون أنهم غير جاهزين. كل ذلك يؤكد التشخيص الأخير: الافتراس اللغوي الذي هو مفهوم ورد عند لويس جان كالفي، والذي يراه من يقولون به بعد توسيع حالاته الأكثر كفاية في وصف وتفسير التدابير اللغوية بالمغرب خلال قرن كامل من فرنسة ليوطي إلى فرنكفونية القانون الإطار. ذلك أن البلاد عرفت منذ بداية عهد الحماية و في عهد الاستقلال عدة تدابير لغوية لم يرْقَ أي منها إلى أن يكون سياسة لغوية متناسقة ومتكاملة إلا سياسة  الفرنسةLa francisation ، إذ عمدت سلطات الحماية إلى بسط نفوذها اللغوي على كل مرافق الدولة والحياة العامة، واستهدفت اللغة العربية بالتهميش والتضييق. لم تصل تلك السياسة اللغوية الإمبريالية إلى كل أهدافها لعوامل منها: قِصر مدة استعمار المغرب مقارنة بالجزائر مثلا، ونهوض الحركة الوطنية بالمقاومة اللغوية عبر تأسيس التعليم الحر الذي اجتهد في تقديم تعليم عصري للغة العربية حقق نجاحا معتبرا في ربط جيل من أبناء الحواضر بالعروبة والثقافة الوطنية والإسلامية، لدرجة اعتباره نموذج المدرسة المغربية غادة الاستقلال. حيث نودي بالتعريب شعارا وجعل أحد المبادئ الأربعة للمدرسة المغربية، غير أن هذا التعريب لم يتم التمكين له ليصبح سياسة لغوية متناسقة ومتكاملة، فالدولة نفسها يبدو أنها لم تؤمن به، بل ظلت تدفع إليه كرها بأقساط مبتسرة ومبعثرة المرة بعد المرة بضغوط الحركة الوطنية وفعالياتها في ندوات ومؤتمرات إصلاح  التعليم، وعبر الاحتجاجات والعرائض وعمل بعض رجالاتها الأفذاذ الذين وصلوا إلى مربع السلطة أو اقتربوا منه. كان مسير التعريب متعثرا ما يكاد يتقدم حتى يتراجع واستمر متعثرا قرابة ثلاثين سنة لتطلق سيرورته أواخر السبعينيات من القرن العشرين بقوة الاضطرار، بينما ظلت الإدارة غارقة في الفرنسة وقبلها وبعدها كل المرافق الحيوية. مما أحدث حالة فصام بين المدرسة وتلك المرافق الهامة، وكانت حالة الفصام اللغوي بين التعليم المدرسي والتعليم العالي العلمي المفرنس بإصرار تفضح تناقض التدابير اللغوية الرسمية، رغم نجاح بعض التجارب المعزولة لتعريب تكوينات علمية عليا.

ورغم ما اتسمت به تدابير تعريب التعليم من تعثر وتخبط فإن تعريب تدريس العلوم بالتعليم المدرسي كان ناجحا من النواحي البيداغوجية، وكان التدبير المتعين دستوريا وهوياتيا والأيسر بيداغوجيا والأقل كلفة أن يستكمل تعريب التعليم العلمي العالي بتدرج مرن بدءا بفتح مسالك علمية عليا معربة، على نحو ما أوصى الميثاق الوطني للتربية والتكوين فيما بعد. أما البحث العلمي فمن مستلزماته الانفتاح على اللغات العالمية وعلى رأسها الإنجليزية. ثم يستكمل تعريب الإدارة على غرار ما تم بنجاح بوزارة العدل. وبموازاة ذلك يُنَمَّى استعمال اللغة العربية في المرافق الحيوية مع اللغات الأكثر انتشارا في العالم. هذه السيرورة كان ممكنا أن تتم وتنجح في العقود الثلاثة المنقضية لولا الفيتو المتعنت على اللغة العربية الذي قطع التعريب بشكل مبتسر وانفصامي عند نهاية المرحلة الثانوية.   

في هذه الظروف من التخبط الداخلي المتأثر بضغوط إقليمية مباشرة وغير مباشرة من المستعمر القديم الذي صارت لغته تعيش تراجعات متتالية، حتى أمست مغزوة في عقر دارها، لتنشئ حركة الفرنكفونية ذراعا لغويا وثقافيا استعماريا جعل المغرب الكبير وغرب إفريقيا مجالا حيويا لنفوذها. وينضاف إلى هذا المد الفرنكوفوني استقواء النخبة المفرنسة المتنفذة التي طالما عملت على عرقلة سيرورة التعريب ومنعه من الامتداد. وقد تجلى هذا الاستقواء في الإعلام السمعي البصري والإشهار والمجال المالي والاقتصادي والإدارة، وانجرف سوق الشغل في هذا التوجه تبعا لكل ذلك. ومن هنا نشأ الوهم النفسي والثقافي بأن مجرد الرطانة بالفرنسية هي سبيل النجاح والتألق،  الأمر الذي تفضحه عدة ظواهر اجتماعية لسانية منها: الانتشار المتوحش للفرنسية برياض الأطفال والتعليم الأولي، دون حضور للغة العربية في تجاهل لانعكاسات الثنائية اللغوية المبكرة، ومنها أيضا انتشار الهُجنة المبتذلة التي تخلط اعتباطا بين العربية ونتف من فرنسية غير متحكم فيها code mixing ، ومنها الانجراف الكلي إلى كتابة الواجهات الإعلانية والتجارية والملصقات والعناوين والبطاقات والشيكات والتوقيعات بالفرنسية، بلا وعي في الأغلب الأعم.     

ولعل هذه المظاهر من الفصام اللغوي هيأت الفرصة للحركة الفرنكوفونية للانتقال من مرحلة الدفاع عن إرث الفرنسة وعرقلة التعريب إلى مرحلة الهجوم. ويمكن التأريخ لهذه النقلة الاستراتيجية النوعية بين حلقتين من سياسة الافتراس اللغوي: حلقة الفرنسة القديمة وحلقة الفرنكوفونية الحالية بداية من العشرية الأولى من هذا القرن بعد صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث نجحت النخبة الفرنكفونية في تعطيل كل التوصيات التي كان من شأنها تعزيز مكانة اللغة العربية وتقوية استعمالها. وبذلك لم تخرج أكاديمية محمد السادس للغة العربية إلى الوجود، ولا أي شعبة أو مسلك علمي أو مادة أو حتى مجزوءة باللغة العربية. وأثناء ثورات الربيع وحراك 20 فبراير وصدور دستور2011 انكمشت الخطة الفرنكفونية وكمن مشروع الافتراس الى حين، ثم عاود الظهور مع انتفاش الثورة المضادة في المحيط الإقليمي ليستأنف هجومه بقوة غير مسبوقة عبر معركة الدارجة التي قادها الفرنكفوني المعروف، ثم يُشكل المجلس الأعلى للتربية والتكوين فيفسح فيه له ولأمثاله، وتًنفذ الخطة الماكرة للانقضاض على تعريب المواد العلمية بما سمي البكالوريا الدولية (الفرنسية حقيقة)، ثم تصدر مذكرة بلمختار للفرنسة ويوقفها بنكيران، ويُعد القانون الإطار في صورته الأولى ويُقحم فيه التناوب اللغوي بجرعة مخففة لم تلق اعتراضا من مناصري العربية الذين كانوا بين غافلين أو مستغرَقين مستنزَفين بما يرونه أولى من معركة اللغة . ومن ثم تأتت الفرصة التاريخية الذهبية للافتراس اللغوي بمسمى التناوب اللغوي كما صيغت في المادتين2 و 31 من القانون المذكور الذي ما كان ليثير إشكالا أو يثار حوله جدل بصورته التي خرج بها أول مرة من أحد مكاتب رئاسة الحكومة السابقة إلى رئاسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين التي أدخلت عليه تعديلا يبدو في الظاهر جزئيا،  لكنه في العمق خطير وتلبيسي، من جانب ما سمي هندسة لغوية، كان ذلك التعديل هو " التناوب اللغوي" باعتباره مقاربة بيداغوجية وخيارا تربويا يدَّعي الانفتاح والتنويع في لغات تدريس بعض المجزوءات وبعض المواد. وكانت هذه الصيغة الملطَّفة طريقة في الاختراق بجرعات لئلا يفيق الغافلون وينتفض المشغولون. ولعل ذلك ما مكن القانون بتلك الصورة أن يمرَّر من دواليب حكومة سياسية تضمَّن برنامجها الحكومي وعودا بالعمل على تنزيل مقتضيات دستور 2011 بخصوص اللغة.

إن التناوب اللغوي طريقة لتدبير الثنائية اللغوية أو التعدد اللغوي في بلدان تعيش هذا التنوع بشكل طبيعي مثل كندا وأقطار الاتحاد الأوربي، عن طريق تدريس مواد تعليمية بلغة أو لغات أجنبيةEnseignement d’une matière intégrée à une langue étrangère (EMILE) . غير أن الوضع اللغوي أو الأطلس اللساني المغربي مختلف كثيرا عن الوضع اللغوي لكندا التي تعرف ثنائية فرنسية إنجليزية ذات جذور تاريخية وتوزيع جغرافي متمايز بين الكيبيك والمناطق الأنجلوفونية، كما أنه مختلف كليا عن التنوع اللغوي الكبير في الاتحاد الأوربي الذي شكل تحديا هائلا أمام سياساته وبرامجه المشتركة، خاصة في مجال التعليم، علما أن الأقطار الأوربية معروفة بحرصها الشديد على حماية لغاتها الوطنية واستعمالها في تعليمها وإعلامها وكافة مناشطها. وفرنسا بالذات تتميز بقوانين صارمة لحماية لغتها المهددة وزجر استعمال غيرها في المحررات الرسمية وفي الإعلانات وواجهات المحلات. فالتناوب اللغوي في أوربا وكندا هو تدبير غير مفروض لأوضاع الثنائية او التعدد اللغويين الواقعة طبيعيا وتاريخيا، وهو سياسة لغوية ديمقراطية تستجيب لحاجات وتطلعات مجموعات لسانية متساكنة أو متجاورة أو الرغبة المعبر عنها تلقاىيا في تعلم اللغة الأكثر جذبا وانتشارا: (الإنجليزية على وجه التحديد ). والأهم من هذا وذاك أن التناوب اللغوي هناك لا تمليه الإمبريالية اللسانية أو الافتراس اللغوي.

إن الحاجة إلى الانفتاح على اللغات وتنويعها مطلوب في تدريس اللغات وليس في التدريس باللغات التي لا يلم بها المعلمون كوضع الحصان أمام العربة حيث يضاف استغلاق لغة التدريس إلى الصعوبات الطبيعية في فهم المواد. وهذا شأن تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية قبل تجربة التعريب. وسيكون الوضع أكثر سوءا في ضوء التراجع المريع في تعلم الفرنسية، بل في مستوى المدرسين أنفسهم في هذه اللغة. ويزداد الوضع حلكة في مدارس القرى والمداشر المنسية. ولن يجدي كثيرا ما تعتزمه وزارة التعليم من تكوين وإعادة تكوين بضعة آلاف من المدرسين اغترارا بتجربة البكالوريا الفرنسية التي كان يختار لها النجباء.فاحتمالات الفشل راجحة وكلفتها ستكون ثقيلة. واستمرار الإصرار على فرنسة الإدارة والإعلام والمرافق الحيوية أدى ويؤدي إلى غبن وتهميش الأغلبية التي لا تفهم غير لغتها مما يكشف الطابع اللاديمقراطي للافتراس اللغوي.                             . 

من تجليات الافتراس اللغوي اللاديمقراطية اللغوية     

يبدو التدبير اللغوي بالمغرب لاديمقراطيا في وضع الافتراس، فهو مجاف للواقع اللساني الاجتماعي الطبيعي المتسم بالازدواجية العربية الفصيحة/الدارجة/الأمازيغية، واقع الأغلبية الساحقة من السكان الذي مأسسه الدستور بترسيم العربية وبعدها الأمازيغية، ونص على حقوقها في الاستعمال والحماية والتطوير، وهو مجاف كذلك لحاجات الأفراد وحقوقهم في تحصيل تعلمات لغوية جيدة ومجدية في سوق اللغات العالمية وحقوقهم في تكافؤ فرص الشغل وتطوير المعارف والمهارات وتحسين المستوى المعيشي، وهو لا يستجيب لحاجات البلاد في امتلاك سيادتها اللغوية، وفي التحرر من الهيمنة اللغوية والثقافية والاقتصادية للمستعمر القديم الذي يعيش تراجعات لسنا في حاجة إلى استنساخها فضلا عن الارتهان والتعصب لها.   

الحيف اللغوي                                                            :  

لم تنل اللغة العربية من ترسميها غير مواقع تقليدية وهامشية، وحرمت من الاستعمال في المجالات الحيوية الذي من شأنه وحده أن ينمي ثروتها المعجمية المركونة من عقود في ربائد ومجلدات مؤسسة تنسيق التعريب. وهذا ظلم صارخ يضرب في مقتل السيادة اللغوية للوطن. والتراجع عن تعريب المواد التعلمية العلمية ظلم إضافي يفتح المجال لمزيد من المظالم العامة. وحين يقتصر الانفتاح على اللغة الفرنسية المتراجعة في عقر دارها. ويزداد الظلم اللغوي إظلاما بعد تجاهل غير عقلاني للحضور السابق للغة الإسبانية في الشمال والجنوب. إن رداءة التعلمات اللغوية التي تشهد بها تقارير المجلس الأعلى للتعليم ظلم لا يظهر في الأفق ما يرفعه في ضوء إصرار وزارة التعليم على التوغل في نفق الفرنسة . إن التلميذ العلمي الذي يحصل بكالوريا علمية درس فيها المواد العلمية بالعربية، ثم يجد أمامه تعليما علميا عاليا مفرنسا بالكامل وقطاعات شغل مفرنسة هذا التلميذ ظلمته الدولة ظلما فادحا وليس سبيل إنصافه تعميم الفرنسة أي توسيع نطاق الظلم خاصة أن تعريب التعليم العلمي العالي إلى حدود الإجازة ممكن وسيقتصد الجهد والوقت والمال. والترجمة العلمية المواكبة متاحة وممكنة. إن التضييق على اللغات العالمية الأكثر جدوى لحساب الفرنسية ظلم  وبإمكان المغرب أن يتحول إلى الإنجليزية في بضع سنين، كما فعلت رواندا وغيرها، أو يتحول إلى ذلك تعليمه العالي على الأقل  كما بدأت تفعل الجامعة الجزائرية. ولو أن تفعيل الجهوية المتقدمة يقوم على تنويع اللغة الأجنبية الأولى في التعليم سيكون أفيد، فتعتمد الإسبانية في أكاديميات جهتي الشمال والجنوب، وتعتمد الإنجليزية في الوسط وتستمر الفرنسية في جهتين أو ثلاثة. لكن تبقى اللغات الوطنية الرسمية جامعة وموحِّدة ومقدَّمة. ولا ننسى الظلم اللغوي في الإعلام والإشهار والتوثيق والمراسلات وما إليها كل أولئك من الحيف اللغوي الذي يتحمل وزره التغول الفرنكوفوني.                        

ملاحظات واعتراضات

قد يعاب على تشخيص الافتراس اللغوي أنه يصنف العربية في وضع الفريسة، وهي اللغة ذات الأمجاد التليدة والآفاق العالمية الأكيدة، والفرنسية في وضع المفترس وهي اللغة المتراجعة في سوق اللغات العالمي. وهي ملاحظة مؤسية، غير أن هذا التشخيص يخصنا مكانا في المغرب وشمال غرب إفريقيا الذي يعتبره المستعمر القديم مجاله الحيوي، ويخصنا زمانا في لحظة انتكاس لن تطول. فضلا عن أن التشخيص الموضوعي لصراع اللغات لا يحفل بالعواطف ولا بالقيمة الاعتبارية: فقد يُفترس الأسد إذا تكالبت عليه الضباع.

كما أن بعض النشطاء الأمازيغويين لم يكترثوا للافتراس الذي تتعرض له لغتهم إلى جانب أختها العربية، ذلك أنهم يتهمون هذه الأخيرة أنها مارست الافتراس في حق الأمازيغية طوال قرون. والحقيقة ليست كذلك، فالعربية بمستوييها الفصيح واللهجي تساكنت مع اللهجات الأمازيغية في شمال إفريقيا وتفاعلت معها لسانيا واجتماعيا تأثيرا وتأثرا معجما وصواتة وصرفا. وقد كان للعربية، بما أنها لغة القرآن ولسان الثقافة الإسلامية، في قلوب الأمازيغ إعزاز وتشبث. فمند السنوات الأولى لوصول الإسلام إلى بلاد المغرب اندمج الأمازيغ في هذا التحول الحضاري، فأصبح منهم قادة الفتح والفقهاء والخطباء واللغويون والأدباء، بل إن أكثر الدول التى حكمت البلاد انطلقت من مناطقهم وكانت من أعراقهم, وكانت العربية الفصيحة لغة الدولة والمناشط الرسمية والثقافة والتدوين، بينما كانت الدوارج المحلية أمازيغية وعربية لغة التواصل اليومي، وكان الانتقال من هذه إلى تلك يتم بغاية السلاسة. ولم يكن أمر اللغة موضوع خلاف فضلا عن أن يكون فيه افتراس. فلو تحكمت هذه الروح الإقصائية لما بقي للهجات الأمازيغية من أثر ولماتت كما ماتت لغات ولهجات الشعوب المغزوة.

لقد كانت علاقة تساكن وتوزبع تداولي للأدوار وفضاءات الاستعمال. وقد أدرك العلامة المختار السوسي هذا الوضع وهو الأمازيغي المعتز بأمازيغيته والعالم المصلح المتشبث بلغة القرآن، فأنفق جل عمره في جمع وتدوين التراث الثقافي الأمازيغي لمنطقة سوس وإيليغ مسقط رأسه في عشرات المجلدات بالحرف العربي. فلا يمكن إسقاط النزوع الأمازيغوي المشبع بالتعصب العرقي على قرون من التاريخ اللغوي والثقافي للمغرب. واليوم وقد ترسمت الأمازيغية إلى جانب العربية، وصدر قانون تفعيلها بإجماع الفرق السياسية في البرلمان، والذي سيسمح بتوسيع استعمالها. لكن ينبغي مراعاة قواعد عدالة لغوية تراعي هوية البلاد وتوابثها ولُحمتها الوطنية ومكتسباتها الحضارية ومصالحها وسبق اللغة العريية واتساع إمكاناتها ومكانتها العالمية، في إطار من التدرج حسب الممكن والمفيد، وكل ذلك لن يكتب له النجاح إلا بالتخلص من الافتراس اللغوي الفرنكفوني الذي يهدد اللغتين الرسميتين معا.  

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى