الاستعاذة من الشيطان عمل اليوم والليلة – يوسف الحزيمري

لما أنزل الله تعالى أبونا آدم إلى الأرض، أنزلت معه عداوة الشيطان له ولبنيه من بعده، قال تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36]، وعهد الله إلى بني آدم أن لا يعبدوا الشيطان ويتبعوا خطواته، وأنه لهم عدو مبين {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [البقرة: 168] وهو العهد المسؤول عنه يوم القيامة {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60]. ومن ثم أقسم الشيطان بعزة الله أن يغوي الناس أجمعين { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] وأخبر الله تعالى أن عباده المخلصين لا سلطان للشيطان عليهم واستثنى الغاوين {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42]

وبما أن الإنسان خلق ضعيفا {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]؛ أَي يستميله هواه وشهوته، ويستطيشه خوفه وحزنه، وأنه ضعيف في نفسه، يمل من الطاعات والعبادات التي جعل اللَّه عليه، ليس كالملائكة؛ حيث وصفهم أنهم لا يفترون ولا يستحسرون، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] ولا كذلك بنو آدم، لا يصبرون عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات. قال الإمام الألوسي: “وهو ممدوح بهذا الضعف… واعلم أن هذا الضعف سبب لكمال الإنسان وسعادته وسبب لنقصانه وشقاوته لأنه يتغير لضعفه من حال إلى حال ومن صفة إلى أخرى فيكون ساعة بصفة بهيمة يأكل ويشرب ويجامع ويكون ساعة أخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له ويفعل ما يؤمر ولا يعصى فيما نهاه عنه وهذه التغيرات من نتائج ضعفه وليس هذا الاستعداد لغيره”

لذلك أرشدهم الباري إلى الاستعاذة به من الشيطان إنسهم وجنهم، {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطبري: الاستعاذة: الاستجارة. وتأويل قول القائل: {أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أستجيرُ بالله – دون غيره من سائر خلقه – من الشيطان أن يضرَّني في ديني، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي: وَالشَّيْطَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالدَّوَابِّ وَكُلِّ شَيْءٍ.

وأصل”المعاذ”، الموئل والملجأ والمعقل، وعَاذَ بِهِ يَعُوذُ عَوْذاً وعِياذاً ومَعاذاً: لَاذَ بِهِ ولجأَ إِليه وَاعْتَصَمَ. وعاذ بالشَّيْء يعوذ بِهِ إِذا استجار بِهِ ولجأ إِلَيْهِ، وأعاذه يعيذه إِذا مَنعه وحماه. ومعاذَ اللهِ أَي عِيَاذًا بِاللَّهِ. وعاذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم: احتمى به، والتجأ إليه واعتصم به، والمَعَاذ: الْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ أَي قَدْ لجأْت إِلى ملجإٍ ولُذْتِ بِمَلاذ. يُقَال: عاذ فلَان بربّه يعوذ عَوْذاً إِذا لَجأ إِلَيْهِ واعتصم بِهِ.

ولما كان السحر والعين كائنان، والشاهد لهما سورة المعوذتان الفلق والناس، واشتمالهما على الاستعاذة بالله منهما، ومن شر كل ما خلق، أمر الشارع بالالتجاء إليه والتحصن به بأدعية واستعاذات قرآنية ونبوية، تشمل الإنسان في يومه وليلته، وتجعله في حرز من الشيطان ومن شر كل ذي شر، لأن غير الباري عز وجل لا يملك نفعا ولا ضرا، وهو الملجأ والملاذ والمعاذ، وهو القادر على خلقه ذو القوة المتين، فمن استجار بغير الله كان كذليل استعاذ بذليل، وَالْعرب تَقول للرجل الذَّلِيل يَعوذُ بِمن هُوَ أضْعَفُ منه “ذلِيلٌ عاذ بقَرْمَلة”، والقَرْمَلُ: شجرٌ ضعيفٌ لا شَوْكَ لهُ.يضرَب لِمَنِ اسْتَعَانَ بِضَعِيفٍ لَا نُصْرة لَهُ، لأَن القَرْمَلَة شَجَرَةٌ عَلَى سَاقٍ لَا تُكِنُّ وَلَا تُظِلُّ.

وقد أخبرنا القرآن عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ أَنَّهَا قَالَتْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَيْ: عَوَّذتها بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَعَوَّذَتْ ذُرِّيَّتَهَا، وَهُوَ وَلَدُهَا عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهَا ذلك

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ}. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دُعَاءَ أُمِّ مَرْيَمَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْخُسُ جَمِيعَ وَلَدِ آدَمَ حَتَّى الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا.

ويستفاد من الآية أن الإنسان مطالب بإعاذة نفسه وذريته وأهله بالله من الشيطان الرجيم {وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ}. وأن يتعوذ من كل شر استعاذ منه نبيه محمد ، وهي استعاذات نبوية من كل شر وبلية تصيب الإنسان في دينه ودنياه وفي نفسه وبدنه.

وانظروا لذلك كتاب “استعاذات المسلم في الكتاب والسنة” لمحمد بن حسن الملا الجفيري، و”الاستعاذات الواردة في القرآن الكريم” لصالح بن مقبل بن مقبل العصيمي، وكتاب “الاستعاذات النبوية” جمع علي حسن فراج.

وفي معنى الاستعاذة ينظر كتاب “البدور الحسان في معنى الاستعاذة والبسملة وأم القرآن وأثرها في حياة المسلم”لابتهال التركستاني، وكتاب “اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب” لسليمان بن إبراهيم بن عبد الله اللاحم.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى