الأستاذ عدنان بنصالح: رحلات المغاربة إلى فلسطين أرشيف حي يدحض محاولات طمس الهوية

قال الأستاذ عدنان بنصالح إن رحلات المغاربة إلى فلسطين عبر العصور تشكل مرآة عاكسة للعلاقة العميقة بين المغرب والأرض المقدسة.
واستعرض في محاضرة قدمها أمام أكاديمية باب المغاربة تحت عنوان “المغرب – فلسطين” يوم السبت 11 يوليوز 2026، ستة نصوص رحالية مغربية خالدة، تشكل معا “أرشيفا حيا” يدحض محاولات طمس الهوية، ويؤكد أن الارتباط بالأرض المقدسة ليس طارئا، بل هو جزء من الوجدان والهوية المغربية عبر القرون.
وفصّل بنصالح هذه الرحلات بمركز التكوين بالرباط، التي امتدت من القرن الثاني عشر حتى القرن العشرين، موضحا أنها كانت شهادات تاريخية وثقافية غنية، سجلت معالم فلسطين وتحولاتها عبر الزمن، وما تركته من آثار أدبية وجغرافية وتاريخية.
الإدريسي.. أقدم الشهادات
توقف بنصالح عند أول رحلة قام بها العالم والجغرافي الشهير محمد بن أحمد الحمودي الحسني المعروف بالشريف الإدريسي في القرن الثاني عشر وألف كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق زار أرض فلسطين ضمن رحلته الشهيرة.
وأوضح أن الإدريسي قام برحلته الطويلة برا في سنة 1118 حيث مر عبر تونس ومصر وكانت أول المدن الفلسطينية التي دخلها هي غزة، ساردا مجموعة من المدن والقرى التي قطعها الإدريسي في رحلة ومنها مناطق مندرسة اليوم، موضحا أم ذلك يشهد على مصداقية المعطيات التي أوردها الرحالة المغاربة.
واعتبر بنصالح أنه بالنظر إلى خريطة تنقل الشريف الإدريسي مقارنة بغيره من الرحالة يؤكد أن الإدريسي أكثر الرحالة المغاربة الذين جابوا أرض الشام في وقت خطير إذ كان شاهدا على عصر الحروب الصليبية، وقد وصف عسقلان وهي مدينة من المدن البحرية الكبرى المتاخمة للقدس على بعد 64 كيلمتر حاليا من القدس وهي أول المدن التي تعرضت للاحتلال.
ورأى أن كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” يتميز بوصف خاص للقدس الشريف يجسد الولع الذي يربط المغاربة بأربعة مناطق حساسة من ديار الإسلام “مكة والمدينة والخليل والقدس”، باعتبارها أربع مدن لديها حرمة فلا يتم حج هؤلاء إلا بزيارتها، موضحا أن الرحالة المغاربة كان لابد أن يصفوا المسجد الأقصى بأعظم وأجمل ما يمكن أن يكون.
ينفرد الشريف الإدريسي بالتأريخ لفلسطين فهو يشحد قلمه ويبدأ بالتأريخ لها من تواريخ غابرة إلى أن يتوقف عند ما شهده هو نفسه خلال سقوط بعض المدن الثغرية البحرية حوالي 580-587 من القرن السادس الهجري. ويتميز الشريف الإدريسي بثلاث ميزات هي:
1- يغطي مساحة جغرافية واسعة؛
2- يصف القدس ويؤرخ لفلسطين؛
3- يدخل لمدن وقرى وهي تحت حصار وضربات الحملات الصليبية.
وتجعل هذه الميزات نصه نصا أكثر من واقعي وأكثر من كونه شاهدا على العصر.
العبدري.. رحلة حفظ الذاكرة
وتوقف بنصالح عند الرحلة الثانية وهي “الرحلة المغربية” للإمام أبي عبد الله محمد العبدري ابن منطقة حاحة وعلامتها وأشهر رموزها حتى أنك تجد اليوم شوارع باسم أبي البركات العبدري أو شارع الإمام العبدري أو مدرسة الإمام العبدري. قام بالرحلة في سنة 1889 وقد ركز على 3 مدن هي: عسقلان والخليل والقدس إضافة إلى غزة كمنطقة عبور.
وأوضح أن ما يميز رحلة العبدري هو أنه قام بها برا من الحجاز، وكان قد قضى في مدينة رسول الله 6 أشهر، وقد دخل القدس تحت الاحتلال الصليبي، مضيفا أنه يقدم تفاصيل عن الأبنية والمساجد وما أحيط بها من جماليات وفنيات على مر العصور وفي فترة متجهة إلى الحكم المملوكي الذي حكم مصر وتتوسع باتفاق مع الخوارزميين من أجل تحرير فلسطين في معركة عين جالوت مع قطز.
وقال إن مؤلف العبدري يعد من المؤلفات التي تحفظ الذاكرة، فاليوم الاحتلال الإسرائيلي يقوم بطمس الحقائق عبر تغيير أسماء المدن والقرى والأماكن، أي حرب على الذاكرة والأماكن، مشيرا إلى أن الإمام العبدري يمارس النقد تجاه الظواهر والنقائص التي قابلته في فلسطين ويعرّض ببعض الحالات للظواهر الاجتماعية آنذاك.
ابن بطوطة .. جائب الآفاق
واستعرض بنصالح الرحلة الثالثة وهي رحلة ابن بطوطة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” في العصر المريني، وانطلقت من مدينة طنجة قبل أن يتولى عثمان بن يعقوب المنصور المريني حكم الدول المرينية، وعاد إليها خلال تولي أبي عنان المريني، أي: أن الرحلة غطت حوالي 25 سنة.
وسرد خط الرحلة المقدسية لابن بطوطة التي انطلقت برا في اتجاه: غزة والخليل وتربة يونس وبيت لحم والقدس وعسقلان والرملة ونابلس، ثم الحجاز نزولا لليمن، ثم بحرا إلى الصين، مشيرا إلى أن ابن بطوطة يصف القدس بأحسن البقاع فهو الثغر المعمور وغزة بالقطر المأنوس.
وأكد أنه لما ولى أبو عنان المريني ابن بطوطة منصب القضاء سمع منه الرحلة فطلب من كاتبه ابن جزي الغرناطي الكلبي كتابتها فأملى عليه ابن بطوطة أخبارها بمدينة فاس سنة 756 هـ فقام بتحرير نص تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار وأطلق على ابن بطوطة لقب الشيخ الثقة جواب الآفاق مخترق الأرض بالطول والعرض.
ونبه بنصالح إلى أن التطبيع اليوم يحاول نزع القداسة عن هذه الأماكن المقدسة حتى تصبح كغيرها من الأماكن الأخرى.

العياشي.. وحي الرواية الشفهية
أما الرحلة الرابعة فكانت الرحلة العياشية دونها أبو سالم العياشي في كتابه “ماء الموائد”، وهو من زاوية ايت عياش، وأحد أعلام المغرب في الفترة الانتقالية بين انهيار الدولة السعدية وقيام الدولة العلوية. قام العياشي بهذه الرحلة في 1661 – 1663 في الثلث الأول من القرن السابع عشر.
وأوضح بنصالح الرحلة تتميز بكون صاحبها قد زار فلسطين تحت حكم الدولة العثمانية، مضيفا أن العثمانيين أعطوا مكانة كبيرة للقدس، حتى أن السلطان عبد الحميد الثاني كان من ضحايا الصمود الأخير ضد عملية مقايضة الدولة العثمانية على فلسطين.
وأكد أن أبي سالم العياشي قام في مؤلف بعمل غير مألوف وهو تعزيز الرصيد عن مناطق برية رابطة بين شمال ووسط فلسطين مثل: العين والعقبة وبيرين أو بورين والرحيبة والرابية وخان وأردود واللد وهي من المدن التي لازالت قائمة إلى اليوم وكانت فيها معارك شرسة في الحرب الأخيرة.
وأشار إلى أن العياشي انفرد بذكر هذه المدن بوصف حالها وفجاجها، مضيفا أنه لما استقر في القدس استقر في زاوية المغاربة، كما ينفرد باستقاء المعلومات عبر الرواية الشفهية، علاوة على وصف الجامعات المفتوحة في القدس. فقد اجتمع بعشرين عالما وتلقى خمس إجازات علمية من مشايخ.
المكناسي.. السفير الجوال
وكانت الرحلة الخامسة تعود إلى عثمان المكناسي دونها في مؤلف بعنوان “إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب” وقد كان سفير المغرب في إسبانيا وصقلية وملطة والدولة العثمانية.
تمت الرحلة في 1785-1788 وكانت برية من الحجاز عبر تبوك إلى دمشق نابلس والبيرة والقدس الشريف والخليل رجوعا إلى القدس وعكا وتونس صعوديا إلى مرسيلية وطنجة وتطوان مكناس ثم إلى الجزائر (تلمسان) ثم وثق رحلته بنفسه.
وأشار إلى أن الجديد في رحلته أنه يؤرخ لمسافات بين البلدات الفلسطينية بالساعة وهذا أول صنيع من الرحالة، وهو ما قد يفيد أنه كان يستعمل ساعة جيب. ويصف الأحوال العامة. ولا يتورع أن يوصل إلى السلطة العلوية أن الكثير من الفلسطينيين يشتكون من تدبير الولاة العثمانيين. وينفرد بتعريف الشيخ تافيلالتي الذي وهب نفسه للقدس.
الزياني.. وصف حارة المغاربة
أم الرحلة الأخيرة التي توقف عندها بنصالح فهي الموسومة بـ”الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا” هو كتاب ألفه المؤرخ المغربي أبو القاسم الزياني في عصر السلطان مولاي سليمان أي في عهد الدولة العلوية، ووصف فيه مشاهداته لوقائع رحلات ثلاث قام بها ما بين سنة 1755م و 1792م ووصف مسجد المغاربة وحارة المغاربة والمدرسة الفخرية التي أشرف عليها المغاربة أبناء درية العلمي الإدريسي.
وخلص بنصالح إلى أن كل هذه الرحلات تجسد الشق الثقافي والعلمي والأدبي من العلاقة المتواشجة مع فلسطين، والتي ستستمر إلى غاية انقطاع وقيام الحدود بموجب اتفاقية سيكس بيكو. وقد أدى هذا إلى بروز نصوص في اتجاه أوروبا من “الإبريز في تلخيص باريز” و”النفحة المسكية في الرحلة المكية” و”رحلة الوزير في افتكاك الأسير” ورحلات الغساني والصفار…
الوعي المبكر بالقضية
ورأى بنصالح أنه رغم ذلك التحول لم تنقطع العلاقات مع فلسطين إذ ستعود في القرن العشرين بسبب الاحتلال الشامل ثم بعث مغاربة للدراسة في فلسطين وظهور العلاقات السياسات الحزبية وواقعة إحراق المسجد الأقصى، إذ قام الشباب بقيادة علال الفاسي بتقديم عريضة احتجاجية للقنصل البريطاني بالمغرب بعد توصلهم بالخبر عبر الصحافة المغربية.
ومثل المحاضر لملامح ظهور الوعي المبكر لدى المغاربة برجل هو عبد الخالق الطرس الذي قدم عطاء لا متناهيا لفلسطين، فقد أسس جريدة الحياة سنة 1934 وخصصها لأمرين الأول: رصد مآساة الفلسطينيين وأما الثاني فهو: التعريض بالفكر الصهيوني.
وقدم مؤشرات على وعي مبكر للمغاربة بمخاطر الفكر الصهيوني متمثلا في خروج مظاهرة في طنجة بسبب رؤية المغاربة لإسرائيليي المغرب وهم يحملون العلم الصهيوني وينشدون أغنية خاصة بهم.
وقد راسل طريس أحد كبار علماء طنجة وطلب منه أن يعقد لقاء مع ممثل المخزن ونائب الخليفة وممثل مجلس طنجة الدولي وكان على رأس لجنة الحوار العلامة عبد الله كنون. ويجسد هذا الأمر بداية وعي المغاربة بمخاطر الاختراق الصهيوني وهو وعي مبكر.
وخلص المحاضر إلى أنه يمكن التعرف عن فلسطين من خلال النصوص التي أوردتها كل هذه الكتب لمعرفة الثابت والمتغير منذ القرن الثاني عشر إلى القرن العشرين من خلال المقارنة بين تلك الكتب.
وقال “إذا ترك لنا المجال من أجل القيام بدراسة مقارنة بين أول وصف للقدس في نص رحالي يعود إلى 1118 وبين أخر نص رحالي يعود إلى القرن العشرين مع “الرحلة المسكية” أمكن أن نخرج بخلاصات تهم ما تغير من معالم القدس الشريف (المساحات، الأماكن، الحارات، الأبواب..) وأوجه التلاقي في هذه المسيرة الطويلة جدا من تاريخ القدس الشريف”.




