مقالات رأي

الأسئلة الحقوقية والتنموية في الشريط السينمائي “كيليكس دوار البوم” – الحبيب عكي

1 – سؤال الدراسة والمدرسة:

ففي الوقت الذي عادت فيه “وفاء بنت سعيد” من المدينة بعد تخرجها متحمسة لتدريس أبناء قريتها، اصطدمت مع واقع متخلف من العادات والتقاليد التي لا زالت ترفض تدريس البنات خاصة، كما عبر عن ذلك “الكبران أحمد” الذي رفض السماح لابنته الصغيرة الذهاب مع المعلمة “وفاء” إلى المدرسة كي تدرسها فقال لها في وجهها: “أنا ما قاريش.. وكنحكم في اللي قارييين..اسمعي يا أستاذة.. البنت لدارها .. والقراية غير الخوا الخاوي”. وقد عبرت نساء القرية أيضا عن ذلك وهن يحوشن أبنائهن عن “وفاء” وهي تسعى ورائهم لتحملهم إلى المدرسة، كما عبر عن ذلك “الفقيه” أيضا وهو في طريقه ينبه الأطفال الذين لا يأتونه إلى “المسيد” و يحضهم عل المجيء إليه ليعلمهم.

 ليذكرنا الشريط في مشاهد درامية جميلة بشيوع ظاهرة قديمة حديثة لازالت تعشش في أوساط الرجال والنساء القرويين خاصة وهي الأمية، وكثيرا ما يأتي إليه بعضهم ليكتب أو يقرأ لهم رسائلهم من وإلى أبنائهم. ليبقى السؤال لماذا كل هذه الأجواء القاتمة والرافضة للمدرسة والدراسة؟ ليجيب النقاد بأن ذلك ليس بريئا ولا عفويا بل جراء ما تفشى في القرية من الفقر والتسلط والقمع بالدرجة الأولى، لأن أيادي الغدر والاختطاف والفقدان التي أنشأت القلعة السجن في القرية وما تمارسه فيها على النزلاء من فظاعات التعذيب خارج القانون، أدركت ألا استمرار لها إلا في سيادة الجهل والخوف وغياب الوعي والمعرفة بالحقوق، ومن تمة ضرورة غياب المدرسة التي تتيح ولاشك ذلك بل وأكثر منه كالمطالبة بالحقوق والاحتجاج من أجلها.

كما أن هناك أمرا آخر في غاية الأهمية يطرحه الشريط وهو سؤال الجدوى من الدراسة والعمل أيضا، وقد تفجر به كاتب السجن العسكري “حميدة ولد الحرام”، لحظة ضعفه بين يدي “الفقيه ” وهو يبث إليه بمشاعره المحبطة ويشكو إليه لواعجه، و”الفقيه” يواسيه ويمدحه بأنه الشاب المتمدرس الوحيد في القرية، فما كان رده غير: “وباش نفعتني هاذ القراية..ولاش داتني..أن أكون كاتبا عموميا في السجن.. أرقن على الآلة الصماء أقوال النزلاء وأحلامهم.. ما كان منها وما لم يكن”، هل من العمل أن يهتك الإنسان بأخيه الإنسان لمجرد أن له بدلة أوسلطة أي سلطة؟ لنخلص في الأخير ونحن نستقريء الشريط، ألا نهضة في التشغيل ولا إصلاح للتعليم في غياب النظرة الحقوقية والمقاربة التشاركية، وبالأخص وبالأخص في غياب سياسة المعنى و بيداغوجية الجدوى.

2-سؤال معضلة الخوف والتعذيب:

وما بينهما من علاقة جدلية وأزلية، وأيهما ينتج الآخر، وماذا يفعلان كليهما بضحاياهما؟، فالإنسان يعذب حتى يخاف، ويخاف ليحمي نفسه من التعذيب فيسقط فيه أو عليه يسلط، وكيفما كان الحال فحراس السجن القلعة متوترون.. مرهقون.. مضغوطون من أسيادهم، وتوخزهم ضمائرهم إلى درجة لا يرون فيها النوم، وإذا كان وحدث فبالكوابيس الرهيبة، والعاملون في المعتقل من البسطاء كالبقال والسائق والساقية..، أيضا معذبون.. مرعوبون.. قامعون ومقموعون.. بما تعرضوا له من أصناف التخويف والابتزاز من طرف الكبار، ف”البقال” يسكت عن مستحقات بضاعته القليلة ل”الكبران أحمد” مقابل وعده بالتدخل له لنيل وسامه في الترقية؟، والعسكري الشاب الجديد “عبد السلام” كان عليه مقابل الاستمرار في عمله أن يستضيف نهاية كل شهر كبار العساكر في ملهى القلعة على نفقاته الخاصة، مما لا يترك له من أجرته الهزيلة ما يرسله إلى والديه.

وساقية الملهى من كثرة ما تحرش بها الزبناء الأراذل خرجت بابنها الوحيد “حميدة ولد الحرام”، فكان ذلك عقدة حياته ورفضه العاطفي والاجتماعي الذي لازمه في شعوره المرير بالعذاب. كما أن أخذ القلعة من ساكنة القرية وهي التي كان يبني مثلها الأجداد لتكون دار الجماعة ومخزنها أو مسجدا أو مدرسة قرآنية أو زاوية تأوي عابري سبيل وحفظة القرآن القادمين إليها من القصور القريبة والبعيدة، وإذا بها تحول رغما عنهم إلى معتقل سري لا يعرفون من حكايته وأسراره غير فظاعة التعذيب الذي يمارس بداخله.. ولا يأمنون منه حتى على أنفسهم في أي لحظة من اللحظات أن يصبحوا هم أيضا بداخله و وسط جحيمه، نموذج الرجل المسن “بوزكري” الذي يحكى أنه كان من أشد من رفضوا تسليم القلعة إلى أي كان أو التفريط فيها تحت أي مبرر كان، ليجد نفسه داخل أسوارها وأقببها يتذوق فيها أصناف العذاب، ولم يخرج منها إلا مخبولا؟، تائها بين الفيافي، كالغربان يسكن أعالي الجبال، محروما من اللباس والطعام إلا ما كان من “باروك” الناس للضريح والهوام.

وإذا كان “بوزكري” رغم كل ما وجده من العذاب، قد رفض أن يهاجر القرية، فإن غيره من الناس قد هجروها إلى حيث الذي قد يكون أو لا يكون من فتاة الحياة، وذلك عذاب آخر جماعي أشد وأنكى. ليبقى السؤال الحقوقي الملح حول سراب ووهم الخطاب الاستهلاكي للعناية بالعالم القروي، هل تمكن هذه العناية في غياب أو تغييب المرجعية الدستورية والحقوقية، في ترويع المواطن والقسوة عليه أكثر من قسوة الطبيعة وبالإضافة إليها، أو في غياب الشرعية وعدم احترام المشروعية التي أراد البعض الانقلاب عليها نزاعا على السلطة؟، أو غياب المقاربة التشاركية في تحقيق التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان. أو في غياب الإنسان المسؤول الذي لا يكون مثل كبير العسكر “الكولونيل” الذي كان يتفنن في تعذيب النزلاء من البشر، ودفن من قضوا منهم تعذيبا وحشيا همجيا في مقبرة جماعية دون هوية ولا شاهد ..، فلما ماتت كلبته “لايكا” حن قلبه وبكى عليها وحملها ليدفنها في مسقط رأسه، حتى يتمكن من زيارة قبر المرحومة.

3-        سؤال معاناة الشباب القروي:

و المتمثل أساسا في “حسن ولد الفقيه” الشاب البطالي الذي لا يرضى بحرفة أبيه القصاب والفقيه فلا هو يساعده في صناعة القصب ولا في تعليم الأطفال وأشغال المسجد، ولا هو يجد غيرها عملا ولا أملا في قفار القرية وقساوتها التي يحاول بين الحين والحين نسيان عذاباتها بما يتعاطاه من أم الخبائث، وهي لا تزيده فوق همومه غير الهموم؟. كما يتمثل هذا الشباب في “وفاء بنت سعيد” المعلمة الشابة التي بعد تخرجها من المدينة عادت إلى قريتها وكلها حماس لتتطوع بتعليم أبناء قريتها، لتصطدم بواقع متخلف من العادات والتقاليد التي تحتقر الدراسة وخاصة دراسة البنات وقال لها أحد الآباء في وجهها:”أنا ما قاريش وكنحكم في اللي قاريين.. البنت لدارها..والقراية غير الخوا الخاوي “، لتجد نفسها محشورة في بيت أبيها دون شغل ولا مشغلة ككل بنات القرية.

وكشابين يافعين في ظل فراغ القرية توطدت بينهما علاقات الألفة والمحبة وهما يمنيان النفس بالزواج بينهما وألا تفرق بينهما الظروف ولا الأشخاص، خاصة بعدما ما أبداه أبوها “حسن” من معارضة في البداية، أو ما أبداه “حميدة” من رغبته في الارتباط بها بأي ثمن، ورغم انعدام الشغل في القرية، ورغم قتامة أجوائها على العموم، فأنفاس الحياة جعلت الشباب لا يستسلمون لها، بل بالعكس دب فيهما عشق الحياة و التشبث بأحلامهما الجميلة رغم كل شيء، فأخذا يخرجان في نزهات إلى بعض مناطق القرب يكتشفان ما بها من المناظر الخلابة، ويمارسان في بعض مآثرها السياحية لعبة الانزلاق عبر ما أبدعه “حسن” من نعش الموت الذي حوله إلى عربة ذات عجلات حملتهما من أعلى الجبل إلى حافة اليم في السفح في مغامرة جنونية ممتعة أوقعتهما في يم الحياة والتراشق بينهما بمياهه الرائعة لعلها تزيل عنهما بعض الكآبة التي كانت تلفهما من كل جانب.

لن يبقى الشباب على الدوام هم تافها، وبقدر ما يتيهون في السفاسف يوما، ويغرقون في المشاكل والأوهام أو يستسلمون للعادات والضغوطات عقودا، بقدر ما يصبحون هم عدة كل المدلهمات وأدوات التغيير والنهوض إذا ما وعوا واستيقظوا، وهكذا كان :حسن” و”وفاء” المقعدين المحبطين، أصبحوا هم وقود النضال الحقوقي لانقاد القرية وإنهاء كابوسها وإطفاء نار الجحيم في حجرها..، وهكذا بعد اكتشاف قضاء “أمين” أخو “حسن: وابن الفقيه الثاني، بعد اكتشاف قضائه في القلعة وهي التي ما فتىء المسؤولون يروجون أن ليس بها إلا الغرباء أعداء الوطن، جاؤوا من بعيد ليخربوه، فإذا بها ابن القرية “أمين” وليس غريبا ولا بعيدا ولا عدوا للوطن، فقد رباه أبوه الفقيه أحسن تربية، وأشبعه من علمه وفقهه ودينه و قيمه، ومن أجل الوطن سافر إلى المدينة ليتم دراسته.

جاء أصدقاء “أمين” وعلى رأسهم المناضل “ياسين” ليربط في الخفاء علاقة ب”حسن” سرعان ما تطورت في الاتجاه النضالي، ليرسموا خطة لتهريب سجل النزلاء من داخل السجن، ساعدهم على تنفيذها العسكري “حسن” أبو “وفاء” بعد عدم تحمله فظاعة قضاء ابن صديقه الحميم “أمين”، ثم قضاء الفقيه ذاته جراء ذلك؟، لقد تمكن “سعيد” من تهريب سجل السجناء من القلعة وأوصله خفية إلى “حسن” الذي أوصاه به كما أوصاه بابنته “وفاء” التي رافقته في عملية التهريب والهرب من القرية، قبل أن يداهمهما الفيلق العسكري الذي طاردهما،  لكن لدغة أفعى رقطاء غيبت “حسن” على حافة اليم المعبر المهرب الوحيد من الجحيم، لتتمكن “وفاء” وحدها من إيصال السجل إلى “ياسين” الذي كان ينتظرها بسيارته على مشارف الجسر المحادي للقلعة، وما أن علم الخبر من طرف الدوائر العليا واحتمال إيصال السجل إلى المنظمات الحقوقية الدولية، حتى أعطيت أوامر رسمية بإخلاء القلعة وحرق كل ما بها من وثائق.

كل صعب على الشباب يهون.. هكذا همة الشباب تكون..

قدم في الثرى وفوق الثريـــا.. همة قدرها هـنـاك مكين..

فلصالح من لا زالت تهدر طاقات الشباب وهم حماة وبناة الوطن؟، لا دراسة عالية في مواطنهم، ولا شغل مناسب بعد تخرجهم، لا زواج .. لا استقرار.. لا مشاركة سياسية.. لا ثقة ولا كرامة اجتماعية. وهل يمكن أن يكون مثل هذا في بيئة معقدة مثل بيئة شريط “كليليكيس دوار البوم”:

1-        فقيه على نيته وفطرته وطيبوبته يتورط في لعبة سياسية قذرة، طالما رفعت شعار:”لا للدين في السياسة.. ولا سياسة في الدين”، فإذا بها غارقة فيهما.

2-        “سعيد” مخزني طالما أمعن في حرق رسائل الأمهات المكلومات حتى لا تصل إلى المحتمل من أبنائهن المفقودين في السجن، وله مشاكل معقدة ومزمنة مع زوجته لم يستطع حلها فكيف بحل مشاكل الآخرين؟؟.

3-        “الكبران أحمد” صاحب:”أنا ما قاريش وكنحكم في اللي قاريين، القراية غير الخوا الخاوي”، أدمن الابتزاز بدل القناعة، وإذا به في وضع زوجته لم يجد بدا من أن يحملها في نعش الموتى إلى طبيب القلعة لعله يسعفها.

4-        “السكريتير حميدة” مجهول النسب، المحبط الفظ الذي طالما عاقر الخمرة وعذب السجناء وكتب لهم وعليهم؟؟.

5-        “الكولونيل” الذي تفنن في تعذيب السجناء وترهيب العاملين في السحن فلما ماتت كلبته بكى عليها وقطعت قلبه.

6-        “البقال” الذي همه ما يحرزه من مبيعات وترقيات ولو من داخل جحيم السجن وعلى حساب ما يقع فيه من فظائع.

7-        الجندي “عبد السلام” والذي تشبثا بعمله يرضى أن ينفق على كباره كل أجرته الهزيلة ولو لم يصل منها شيء إلى والديه.

عبثا ينتظر المنتظرون أن يكون شيء من هذا التقدم والازدهار ولا زالت في حياتنا كل هذه الشخصيات المعقدة، رغم تجاوز مأساة القلعة المعتقل وهدمها عبر التجربة الرائدة للإنصاف والمصالحة وجبر الضرر الجماعي لأبناء المنطقة، فلا زال فينا :

1-        لا زال فينا الفقيه وهو يقول للتائهة بحثا عن ابنها الطيار المفقود: “ما كاين هنا يا لالة غير قلوب الحجر”.

2-        ولا زال فينا الكبران “أحمد” وهو يقول: ” القراية غير الخوا الخاوي، واللي قرا كاع أش بغا..آش كايسال للدولة”.

3-        لا زال فينا العسكري البسيط “عبد السلام” وهو دائم الامتثال والشكوى من قلة الأجرة و حجم الابتزاز ويقول:” إلى عرضت عليهم كاملين.. كاع ما يبقى لي ما نصيفط للدار”؟؟.

4-        لازال فينا المسؤول “الكولونيل” وهو يقول لسكرتير السجن “حميدة” الذي اعتذر له عما بدا منه من بعض الضعف العاطفي والتجاوز في الشرب والكلام غير الواعي ويعده ألا يعود إلى ذلك، :”والله وتعاودها حتى نعاود لك الختانة “؟؟.

5-        ولا زال فينا.. ولا زالت فينا.. ولا زال فينا.. لكن بارقة أمل أن لا زال فينا مثل المخزني “سعيد ” وهو الذي عاش طوال حياته مهزوزا ممتثلا متجاوزا غير واثق في شيء ويقول: ” الحقيقة ما كيعلمها غير الله.. أنا لا أستبعد أن أكون يوما داخل هذه القلعة”، وها هو في يقظته يغامر بحياته من أجل “السجل” بعدما عاد إلى وعيه العقدي وفطرته الدفينة وتحرر من الخوف وطلب الحقيقة وهو ينتفض وسط القلعة ويضرب قبعته الحديدية كالكرة ويقول: “ينعل بوها الدنيا..الله اللي كيحيي.. والله اللي كيقتل”.

6-        بارقة أمل لازالت فينا “وفاء” التي من شدة خيبتها وإجهاض حلمها وقوة صدماتها صرخت تستنهض الوعي في قومها:”الدنيا كذابة.. ولا حنا اللي مقلوبة علينا القفة”. وبارقة أمل أن لا زال فينا أيضا الشاب “حسن” وهو يواجه العساكر (السلطة) بمنطقهم بعدما منعوه من المرور عبر الجسر لزيارة قبر أخيه :أمين” فقالوا له وهم يثنونه على الرجوع:”ارجع بحالك..داك الشي اللي كادير.. راه ماشي معقول”، فرد عليهم بمنطقهم:”وأنتما داك الشي اللي كاديروا.. معقول”.

إنها الرائعة السينمائية ل”عز العرب العلوي المحرزي”: “كيليكيس دوار البوم”(2018)، رائعة السينما الحقوقية وحفظ الذاكرة الوطنية.. رائعة المغرب المتعثر أيام سنوات الرصاص والصراع الدموي وهدر الزمن الحقوقي والتنموي والديمقراطي.. رائعة التجربة الرائدة للإنصاف والمصالحة في المغرب المعاصر وعلاقتها بالسؤال الفلسفي والحقوقي والتنموي في الجنوب الشرقي وفي كل المغرب الناهض.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى