إبراهيم بنجرينيجة، رحمه الله، كما عرفته – أحمد رفاس

يعز علي أن يفارقني إلى دار البقاء رجل من طينة إبراهيم بنجرينيجة لو عاشرته سنة واحدة، فكيف بمن جمعتني به الصحبة والرفقة والأخوة والدعوة قرابة سبعة وعشرين عاما، صحبة قوامها التقدير والاحترام والتآلف والتعاون على البر والتقوى .  وإنه من الوفاء ذكر مناقب الرجل الذي أفضى إلى ربه وترك بيننا سيرة حسنة نذكره ونتذكره بها، ومن أبرز ما ميز حياته رحمه الله نذكر:

الرباني المستقيم: كان شديد العناية بعقيدة السلف الصالح ، يذكر بالآخرة ولقاء الله تعالى، ويحرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الخشوع يعلو محياه . يحرص على صلاة الجماعة في المسجد، و يتطوع في عبادة الصيام ، تحس أنه يجتهد في أن تتجسد الاستقامة في حياته عقيدة وعبادة وأخلاقا وسلوكا ، كان رجل تربية يلبس أقواله ومواقفه واجتهاداته بالمعاني التربوية الإيمانية  

الأخلاق الطيبة والمعاملة الحسنة: عرف الفقيد بطيبوبته ورفقه وصبره وحلمه وتواضعه، وكان ذلك مع الصغير والكبير، الرجال والنساء، القريب والبعيد، مع الأسرة والأقارب، هذه المعاملة الطيبة أكسبته محبة الناس له، فلا يذكره أقرباؤه وجيرانه وأصحابه وإخوانه وأخواته في الله إلا بكل خير

السمت والتؤدة والحكمة: كان رجلا يكتنفه الوقار ويعلوه الحياء، لا يتكلف في لباسه ومشيته وحديثه ، كانت التؤدة سمته الغالبة سواء في كلامه أو مشيته أو جلوسه أو سياقته أو قراراته أو آرائه ، وبذلك تشعر وأنت تحدث الراحل أو تجلس إليه أو تخالطه بنوع من الهيبة والاحترام والتقدير. ومع ذلك أوتي الراحل قدرا من الحكمة، فكثيرا ما كان مجال استشارة الغير خاصة في أمر الدعوة إلى الله تعالى.

العفة وتحري الحلال الطيب: كان الراحل شديد الحساسية للكسب الحرام ، فقد ابتلاه الله بعمل ومعاش محفوف بالإغراءات المادية ويصعب فيه تحقيق عفة الذمة المالية، وقد تعرض لضغوطات مالية رهيبة والتي كان يواجهها بصلابة وشدة دون هوادة ، وقد كلفه إخلاصه في عمله وتحريه للحلال غرامات مالية  أداها مرات عديدة من ماله الخاص، وعاش الفقيد أزمات مالية خانقة ظل معها عفيفا لايمد يده بالسؤال، بل لم يكن أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه يحسون بأزماته إلا بعد فواتها، وقد عاش سنواته الأخيرة على الكفاف والعفاف وعلى عرق جبينه بعد أن أفلست الشركة التي كان يشتغل بها .

الهم الدعوي: عاش الراحل مهموما بأمر الدعوة ينفق في سبيل ذلك قسطا من وقته وجهده وماله وتفكيره، وكان يؤرقه حال الأمة ويستشعر بصدق مسؤوليته الدعوية، وينهض بتكاليفها قدر وسعه، فكان يمارس الدعوة الفردية نصحا وتذكيرا وإرشادا، كما يشارك في الأعمال الدعوية الجماعية لا يتأخر إلا لعذر قاهر، بالرغم من ظروفه الصحية الصعبة التي ابتلاه الله بها، ولا تجد الراحل أمام كل ذلك إلا صابرا ومحتسبا وشاكرا.

مقاومة الفساد والإسهام في الإصلاح: كان الراحل يناهض الفساد والمفسدين، لا يسكت على منكر رآه أو عايشه، بل يتكلم عن ذلك بحرقة ومرارة، ويسلك في سبيل ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والطرق القانونية والمشروعة، وهمه في الإصلاح دفعه للمشاركة الإيجابية من خلال العمل السياسي والنقابي والخيري والجمعوي…

الاشتغال في صمت: كان الغالب في حياة الراحل أنه يعمل في صمت بعيدا عن الأضواء، لا يحرص على الشهرة أو حب الظهور أو المدح

القيادة والجندية: تحمل الفقيد عدة مسؤوليات، فكان نعم القائد يحس بثقل المسؤولية ويجتهد في أدائها بإحكام وإتقان، معروفا بدقته التنظيمية، يخطط لكل عمل ويضع له البرامج والوسائل المناسبة والميسرة، وكان شعاره إنجاح الأعمال وليس مجرد إنجازها، وكان يستشير في أعماله التنظيمية ويشرك إخوانه وأخواته في الإعداد والإنجاز، كما كان يحرض الجميع على الدعوة، يدير اجتماعاته وعلاقاته  بسلاسة ورفق وأحيانا بالدعابة. أما بخصوص جنديته فكان يتقدم الصفوف الأمامية، لا يتأخر ولا يتغيب إلا لظرف طارئ أو قاهر، وكان يشتغل بحماس وحيوية وإخلاص وتفان، وكان غالبا ما يكلف بالإشراف على الأنشطة المفتوحة كالحملات الدعوية والمسيرات والندوات ومعارض الكتاب …، وذلك لما كان يتمتع به من حس تنظيمي  وحسن هيئة ودقة في الملاحظة والمتابعة

التمتع بمؤهلات ذاتية وتنظيمية: كانت للفقيد مؤهلات متنوعة جعلت منه ناجحا في أكثر من مجال دعوي، فقد اشتغل كمسؤول تنظيمي وكمؤطر تربوي وفاعل حزبي ونقابي وجمعوي، واشتغل مع الكبار بمختلف فئاتهم ومع الشباب والأطفال، وفي جل ذلك كان يجتهد ويبدع، نضيف لذلك نجاح الراحل في أسرته وأقربائه، فقد خلف زوجة مؤمنة صالحة داعية وأبناء بررة صالحين، كما ترك آثارا دعوية بادية على أقاربه

حسن الخاتمة: لقد عاش الفقيد قدر اجتهاده بالإسلام وللإسلام، ورغم ظروفه الصحية الصعبة كان يشتغل بحيوية وفاعلية وهمة ونشاط، ما عرفت عنه منذ عرفته تباطؤا أو تراجعا أو تخاذلا أو تقاعسا، جمع بين الاستقامة والدعوة، وظل وفيا لمبادئه وقيمه ومعتقده، ما غير وما بدل،  وبذلك لقي ربه مقبلا غير مدبر ، يصدق فيه قول الله جل وعلا [ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ]، يقينه وحبه للقاء ربه جعله يوصي أهله بأن يدفن في الأرض التي يموت فيها وأن يعجل بدفنه ، ونفذت وصيته، حيث كانت الوفاة بأرض مراكش  مسقط رأسه، وتم التعجيل بدفنه، وقد اختار الله تعالى له يوم عيد الفطر زمنا لوفاته بعد قرابة الشهرين من غيبوبة دخلها عقب العملية الجراحية التي أجريت له ، وظل جل حياته صابرا محتسبا لما تعرض له من ابتلاء المرض الذي تعددت صوره.

ختاما:

رحل عنا أخونا وحبيبنا ورفيق دربنا في الدعوة والإصلاح إبراهيم بنجرينيجة إلى دار الخلد والبقاء، وترك بين أهله وأقاربه وأحبابه وأصحابه سيرة حسنة بها يذكر، فما أحصيته من مناقب فقيدنا لا يخرجه عن بشريته وإنسانيته وما يعتريها من ضعف وفتور وقصور، وما ذكرته هو ما أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، فإن أصبت فذاك توفيق من ربني وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

والله المستعان.

بقلم : أحمد عبد الحميد رفاس

كتب بالفقيه بن صالح بتاريخ 13 شوال 1443هـ الموافق ل 14 ماي 2022

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى