الرئيسية-ثقافة و مجتمعرمضان

معركة بدر الكبرى.. يوم الفرقان

تعتبر موقعة بدر رغم صغر حجمها معركة فاصلة في تاريخ الإسلام، ولذلك سماها الله عز وجل بيوم الفرقان، قال تعالى: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، ففرق بها سبحانه بين الحق والباطل؛ فأعلى فيها كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه، ونصر نبيه وحزبه.

فقد ظهر في هذه الموقعة استعلاء العقيدة الإسلامية على سائر المصالح والمطامع الدنيوية، حيث أعلن الأنصار طاعتهم وتضحيتهم من أجل عقيدتهم، لا تحدهم العهود التي قطعوها في بيعة العقبة الثانية، وواجه المهاجرون أقاربهم في المعركة؛ فقاتل الابن أباه، والأخ أخاه، ولم تمنعهم أواصر القربى من قتلهم، أو محاربتهم؛ لأن العقيدة فوق كل علاقة وارتباط.

ونال المسلمون المشاركون في معركة بدر مغفرة الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «لَعَلَ الله اطَلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ »، واستحقوا المنزلة الرفيعة والتقدير الكبير، ولازمهم وصف «البدريون»، وكونوا الطبقة الأولى من الصحابة، واحتلوا أوائل التراجم في كتب الطبقات، وأعطاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعلى العطاء، فنالوا التكريم الأدبي والمادي.

وعلت أصداء موقعة بدر المدينة، ومكة، وأرجاء الجزيرة العربية، واستعلى المسلمون في المدينة على اليهود وبقايا المشركين، مما أغاظهم، وأظهر أحقادهم، واندفع اليهود نحو العدوان، فأدى ذلك إلى إجلاء بني قينقاع عن المدينة.

كما دخل الكثيرون في الإسلام، ودخل بعضهم حماية لمصالحه، بعد رجحان كفة المسلمين، فبدأ نشأة جبهة المنافقين، وكان على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول.

وقعت معركة بدر الكبرى في العهد المدني، فبعد أن بدأ النبي صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى دين الله عز وجل في مكة، وكان أمر الله سبحانه وتعالى في تلك الفترة بكف الأيدي، والصبر، والعفو، والصفح، وجهاد المشركين بالدعوة، والقرآن، والحجة، قال تعالى: {كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} [النساء: 77]، وقال: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} [الجاثية: 14] وقال: {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وقال: {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً} [الفرقان: 52]، أي: بالقرآن

ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وأمر أصحابه بالهجرة إليها، فأذن الله للمسلمين بالقتال دفاعًا عن النفس، ودَفْعًا للظلم، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، وقال: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].

ثم جاء الأمر بقتال الكفار كافة؛ لتمكين العقيدة من الانتشار دون عقبات، ولصرف الفتنة عن الناس؛ ليتمكنوا من اختيار الدين الحق بإرادتهم، فيكون الدين كله لله، قال تعالى: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} [التوبة: 36]، وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} [البقرة: 193]، وقال: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]

وقعت المعركة في صبيحة يوم الإثنين السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، وبدر ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء، بينه وبين الجار؛ وهو ساحل البحر ليل. وبعد الإذن بالجهاد في العهد المدني، بلغ المسلمون تحرك قافلة كبيرة تحمل أموالاً عظيمة لقريش عائدة من الشام بقيادة أبي سفيان، صخر بن حرب، فانتدب النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه للخروج، وتعجل بمن كان مستعدًا للخروج دون انتظار سكان العوالي لئلا تفوتهم القافلة، ولذلك لم يكن خروج المسلمين بكامل طاقتهم العسكرية في معركة بدر، فهم خرجوا لأخذ القافلة، ولم يكن في حسبانهم مواجهة جيش قريش.

خرج من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، منهم من الأنصار بضع وأربعين ومائتين، ولم يكن معهم إلا فرسان، وسبعون بعيًرا يتعاقبون على ركوبها

وعلم أبو سفيان بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها طريق الساحل، وأرسل لاستنفار أهل مكة، فاستعدت قريش للخروج دفاعًا عن قافلتها، وحشدت كل طاقتها، ولم يتخلف منهم إلا القليل، فقد رأت قريش في ذلك حطًا لمكانتها، وامتهانًا لكرامتها، وضربًا لاقتصادها، وبلغ عددهم نحوًا من ألف مقاتل، ومعهم مائتا فرس يقودونها.

ظهرت الخلافات في جيش المشركين بعد نجاة القافلة بين مريد للعودة دون قتال المسلمين حتى لا تكثر الثارات بين الطرفين، وبين مصر على القتال كأبي جهل، وقد غلب رأي أبي جهل أخيرًا، ولم يعد هدف قريش نجاة القافلة، بل تأديب المسلمين، وتأمين طرق التجارة، وإعلام العرب بقوة قريش وهيبتها.

ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة القافلة، وإصرار قريش على قتاله صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه عامة، وقصد الأنصار خاصة فتكلم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، والمقداد بن عمرو من المهاجرين، فقالوا وأحسنوا، وفهم سعد بن رضي الله عنه عنه مراد النبي صلى الله عليه وسلم فقال وأحسن فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد بن معاذ رضي الله عنه.

وصل المسلمون إلى بدر قبل المشركين، وأشار الحبُاَبُ بن المنذر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ماء بدر خلفه، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم مشورته وأخذ برأيه.

وبين صلى الله عليه وسلم مصارع رجال من أهل بدر بأسمائهم، فقال: «هذا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إن شَاءَ الله تَعَالى، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلانٍ غَدًا إن شَاءْ الله تَعَالى».

وأنزل سبحانه وتعالى النعاس والماء على المسلمين في الليلة التي كانت قبل يوم المعركة، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]، وبات صلى الله عليه وسلم يصلي إلى شجرة، ويدعو ربه حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلى بالناس، وحرض على القتال.

في صبيحة يوم المعركة جعل صلى الله عليه وسلم جيشه في صفوف للقتال، وبقي صلى الله عليه وسلم في قبة – بمشورة سعد بن معاذ– يدير المعركة، وجعل صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء ربه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُر} [القمر: 45]، 1845/4 ، ومسلم، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، 3/ 1384].

ورمى صلى الله عليه وسلم المشركين في وجوههم بالحصى، قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17]، فأثبت سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه صلى الله عليه وسلم.

وبدأت المعركة بتقدم عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه الوليد، وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فخرج لهم شباب من الأنصار، فرفضوا مبارزتهم طالبين مبارزة بني عمومتهم، فأمر صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، فقتل حمزة عتبة، وقتل علي شيبة، وأثخن عبيدة والوليد كل واحد منهما صاحبه، ثم مال علي وحمزة على الوليد فقتلاه، واحتملا عبيدة، وتأثرت قريش بنتيجة المبارزة، وبدأت الهجوم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه برمي المشركين بالنبل إذا اقتربوا من المسلمين ودنوا.

ثم التقى الجيشان في ملحمة كبيرة، وأمد الله سبحانه وتعالى المسلمين بالملائكة يوم المعركة، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9-10]، وقال: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]، وعن رفاعة بن رافع الزُّرَقِيِّ، قال: «جاء جِبرِيلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قال: من أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ، قال: وَكَذَلِكَ من شَهِدَ بَدْرًا من المَلائِكَةِ ».

قتل من المشركين سبعون رجلاً، منهم الذين بَبّنَ صلى الله عليه وسلم مصارعهم من أهل بدر بأسمائهم قبل المعركة، ما أخطأ أحد منهم الموضع الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفر بقية المشركين، لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم غنائم كثيرة في أرض المعركة.

وأقام صلى الله عليه وسلم في بدر ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث، أتى بئرًا فقذف فيها أربعة وعشرين من صناديد قريش، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، قائلاً: «يا فُلانُ بن فُلانٍ، وَيَا فُلانُ ابن فُلانٍ، أَيَ سر سُّركُمْ أَنَكُمْ أَطَعْتُمْ الله وَرَسُولَهُ؛ فإنا قد وَجَدْنَا ما وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا».

تلقى المسلمون في المدينة الخبر بالبشارة والفرح الغامر، مع الحذر ألا يكون الخبر صادقًا؛ كما حدث مع أسامة بن زيد، رضي الله عنه، حين قال: « فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى »، وعلت الدهشة وجوههم، فكيف هزمت قريش، وقتل زعماؤها، وتحطم كبرياؤها، وذلك كما حدث مع سودة بنت زمعة، رضي الله عنها، حين لم تتمالك نفسها لما رأت سهيل بن عمرو مجموعة يداه إلى عنقه.

وأما قريش في مكة فلم تكد تصدق ما حدث لها، فقد أصاب ساداتها وأبطالها القتل والأسر، ولكنها تجلدت، ومنعت البكاء والنياحة على قتلاها حتى لا يشمت بهم المسلمون، وصممت على الانتقام والثأر، فأرسلت عمير بن وهب الُجْمَحِيَّ لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن وعده صفوان بن أمية بإعالة أهله إن قتل، لكن خطتهم باءت بالفشل، وأسلم عمير بن وهب، رضي الله عنه، وكذلك اشترت قريش اثنين من أسرى المسلمين، وهما حبيب الأنصاري وزيد بن الدثنة، رضي الله عنهما، فقتلتهما.

الإصلاح

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق