خصائصنا المنهجيةهويتنا

خصائصنا المنهجية

الخصائص المنهجية هي العناصر التي تعطي للحركة شخصيتها الفكرية والحركية والتنظيمية، وتوضح منهجها في العمل؛ فهي لواحق بالمبادئ ومُعَضِّداتٌ لها. وقد كان مما تميزت به تجربة حركة التوحيد والإصلاح أن كثيرا من خصائصها تقع في إطار ضمني تُتَرْجِمُه أعمالها، ولا تنطق به أدبيَّاتُها، فَغَلَبَ العملُ فيها على النَّظر، مما خلق الحاجةَ إلى تسديد وثيقتها الأساسية بفقرات مكملة تبرز جوانب التميُّز التي لا يكون مشروعٌ اجتماعيٌّ ذا شخصيَّةٍ مستقلَّةٍ فاعلَةٍ إلاَّ بها.

وقد جمعنا هذه الخصائص الكبرى في سبعة محاور يُرَدُّ إليها غيرُها، وهي: الوسطية، والرسالية، والتجديد، والمشاركة الإيجابية، والتعاون على الخير مع الغير، والأصالة المغربية، والسننية. فهذه الخصائص السبع أصولٌ منهجية تميز شخصية حركة التوحيد والإصلاح، وَتُحَدّد اختياراتها.

 أولا: الوسطية

تحرص حركتنا على أن تكون حركة وسطية، وتلك خَصِيصَةٌ أساسية لهذا الدين ومن انتسب إليه من المؤمنين؛ فأمة الإسلام هي أمة الوسط والوسطية. قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُو أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(البقرة 142).. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» ([1]).

والمؤمن في صلاته لا ينفك يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وفيها قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(الفاتحة 5 – 7). فالصراط المستقيم الذي أمرنا به توسُّطٌ بين إفراط وتفريط، وغلو وتقصير. والداعية إلى الله مطالبٌ بالتوسط والاعتدال في أمره كله؛ تيسيرا على الخلق، وتبشيرا لهم، وترفقا بهم، وأملا في الخير منهم. وقد عُرِف عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه ما خُيِّر بين أمرينِ إلا اختارَ أيسرهما ما لم يكن إثما.

إننا نعني بوسَطِيَّتِنا نزعتَنا إلى الاعتدال في التصورات والمواقف، والمخططات والمقاصد، والممارسات والوظائف. لأننا مطالبون بالسَّعي إلى اختيار الأفضل لدعوة الإسلام والأليَق بسبيل الإصلاح؛ ووَسط الشيء أعلاه وأفضله وأنسبه.

فأما اعتدالنا في التصورات والمواقف: فنعني به التزامنا بعقيدة التوحيد الموافقة للفطرة سماحَةً واستقامَةً في غيرِ ما جنوح إلى تعقيدات بعض المتكلمين، ولا شطحات الغالين، ولا تزيُّدات المبتدعين. ونعني به أيضا سعيَنا إلى بناء الفكرة الواضحة، والخطاب البيّن، والموقف الذي لا لبس فيه. وكذا تجاوزنا لمَواطِنِ الخلاف في الجزئيات التي تكون غالبا مظِنَّةَ فُرْقَةٍ وخِلاف، أو عَنَتٍ وإجْحاف، أو غلوٍّ وإسراف. ونحن نبني ذلك على مَرْجِعيَّتنا الأولى المتمثِّلَة في الكتاب والسنة، بما تَقْتَضيه من عِلم بها، وتَفَقُّهٍ فيها، واجتهادٍ أصيل في إطارها.

وأما اعتدالنا في المخططات والمقاصد، فنعني به حرصَنا على واقعية أهدافنا وفعالية مخططاتنا. فنجتهد وسعَنا في رصد واقعنا وشروط اشتغالنا فيه، ومعرفة إمكاناتنا وانتظارات محيطنا، وذلك لوضع الأهداف اللاّئقة والمؤشرات المناسبة؛ نزيد بذلك من جلب المصالح لأمتنا ودرء المفاسد عنها ما استطعنا إلى ذلك من سبيل.

وأما اعتدالنا في الممارسات والوظائف، فيتمثل في اجتهادنا لترتيب أعمالنا وفق المعايير التي تتراتب بها الأعمال وتتفاضل؛ كمعيار “الأولوية”، ومعيار “الوسع والطاقة”، ومعيار “النجاعة والفائدة”. قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(التوبة 19). وعَنْ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».([2]). وعن أمِّ المؤمنين عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها أنها قالت: «سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَقَالَ «اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ»([3]). فالأعمال إذن متفاضلة متراتبة، تارة بحسب أولويتها في الفائدة والمردودية، وتارة بحسب أولويتها في الوقت والزمان، وتارة بحسب أولويتها في القدرة والإمكان.

ونحن إذ ننص على الوسطية في ميثاقنا باعتبارها خصيصة منهجية لعملنا، فمعناه أننا لا نعتبرها مجرَّد شعار، وإنّما هي محدِّد منهجي تحتكم إليه خياراتنا، وتتسدَّد به توجُّهاتنا و قراراتنا.

  ثانيا: الرسالية

الرسالية نسبة إلى رسالة حركة التّوحيد والإصلاح التي اتّخذناها مَنهجا يدور العملُ معها حيث دارت، ويسير حيث سارت. والتي تتلخص في: «الإسهام في إقامةِ الدين وتجديدِ فهمه والعمل به؛ على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة، وبناء نهضة إسلامية، رائدة وحضارة إنسانية راشدة؛ من خلال حركة دعوية تربوية وإصلاحية معتدلة وشورية وديمقراطية، تعمل وفق الكتاب والسنة. وتعتمد الحركة أساسا إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحا مصلحا في محيطه وبيئته. كما تلتزم منهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة، والتدافع السلمي، والمشاركة الإيجابية، والتعاون على الخير مع غيرها من الأفراد والهيئات».

والأمة الإسلامية هي أمة رسالة بحقّ، فلا تتحدد بعرقية أو إثنية، ولا تنزع إلى قوم دون آخرين، بل حيثما وجدت الرسالة فثَمَّةَ الأمةُ، وحيثما وُجِدَ أصحابها وأبناؤها فثَمَّ أبناء الأمة، إذ المسلمون – أينما كانوا- أمةٌ واحدة. والأمة بهذا المعنى محلُّ تحقُّقٍ للرسالة وعاملُ تحقيقٍ لها، وهي بذلك لا تنفكُّ تمتَدُّ بامتداد الرسالة فيها، ومنها إلى غيرها. وكلُّ داخلٍ في عقد الأمة الرسالية منوطٌ به الانخراط في قضاياها، فالإسلام ليس دينا خاصا بطبقة أو قوم أو موطن، بل هو رسالة الله إلى البشرية جمعاء، وكل من آمن به واتبعه صار أخا للمسلمين كافَّة، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ينتمي إليهم ويمثل جزءا منهم، يهتمون بشأنه ويهتم بشأنهم، يسرُّه ما يسرُّهم، ويضرُّه ما يضرهم، قال الله تبارك وتعالى: (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُو أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة 72).. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمِنِينَ فِي تَوادِّهم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»([4])، وقال أيضا: «المؤمِنُ لِلْمؤمِنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضا»([5]).

كما أن الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يكون من جهة الرِّسالة بالأساس؛ قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(الأحزاب 40). فيجب علينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة والاتباع والنصرة، وما يقتضيه ذلك من التوقير والتعظيم. وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله وخاتم النبيئين، والانتساب إليه يكون بمحبته وتوقيره، واتباعه والاجتهاد في الاقتداء به في الرسالة التي بلّغها، والأمانة التي أدّاها.

إننا نعني بخصيصة “الرسالية” استِصْحابَنا للبُعْدِ الرِّسالي في جميع شأننا؛ فما نزال نحو رسالتنا شاخصين؛ بها نكون، وإليها نسير، وعليها نلتقي مع غيرنا ممن نتقاسم معهم الهدف والفكرة كليا أو جزئيا. إن “الرسالية” عندنا هي كل ما يتم بذله فكريا وعمليا من أجل تمليك فكرتنا لمجتمعنا؛ وهو ما يقتضي مناقَضَتَنا المبدئيَّةَ والمنهجية لكلِّ مَنْزَعٍ طائِفِيٍّ قريبٍ أو بعيد، أو تقوقع على الذات، أو تمركز حولها.

و”الرسالية” هي المناقض الموضوعي لفكرة تنصيب الجماعة في مقابل المجتمع، وعضو الحركة في مقابل المواطن. إنها تجسير للعلاقة بين الدعوة ومحلها، والفكرة ومتلقّيها، والحركة ومحيطها، والفرد ومجتمعه، بحيث يتم التمثل الأمكن لقول الله تبارك وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ) (المائدة 3). وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات 13). وقوله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(الحجرات 10). كما أنها تنفي الاستئثار بالفكرة دون الغير، بما يعنيه ذلك من تضخيمٍ للذات، وتزكيةٍ لها، وإحسانٍ للظن بها في مقابل تصغير الآخر وإساءة الظن به. وإنما الشأن عندنا أننا نسعى إلى خير أنفسنا وأمتنا والإنسانية في المعاش والمعاد، ونمدُّ يدنا إلى غيرنا لتحمل هذا العبء معنا بما يطيق كل طرف ويقتنع به ويرضاه. وهو ما نعبر عنه بأن واجبنا “الإسهام” بجهدنا إلى جانب كل ذوي النيات الحسنة والمقاصد النبيلة، دونما سعي للاستغناء عن الآخرين، أو ادعاء للإلمام بكل شيء.

ومن معاني “الرسالية” أن مفردات مشروعنا التنظيمية والإدارية، بل وحتى على مستوى الأفكار والرؤى، تتحوَل كلُّها إلى أدَواتٍ وظيفية ووسائل للتعاون على الدعوة والإصلاح، من أجل حسن الإسهام في “إقامة الدين”؛ وهو المقصد الأساسي المتسامي على غيره من مقاصد عملنا، ولكن قبل ذلك “ابتغاء وجه الله والدار الآخرة”؛ وهو المبدأ المتسامي على غيره من مبادئنا. فالحركة الرسالية هي التي تتكيّف إداريا وتنظيميا لتكون قادرة على تمثُّل هذا المفهوم، ولا تكون عائقا دون تنَزُّلِه في الواقع.

والحركة الرسالية توازن بين مقتضيات العمل التنظيمي وما يستتبعه من حدود وضوابط، وخصائص المشروع الرسالي وما يفتحه من إمكانات وآفاق. فالتنظيم هو وعاء يحتضن المشروع، ووسيلةٌ تتحقق بها مجموعة من أهداف هذا المشروع. ولكنه لا ينبغي أن يعوق المشروع ومكوناته، ويرهن تطوره، ويقلص من إمكاناته، ويحدَّ من آفاقه، ويحتجزه فيه. فهذه البنية تلائم التنظيمات والمشاريع الشمولية التي تتشوّه فيها الفكرة، وتنكفئ فيها الرسالة على ذاتها.

إن رسالية حركة التوحيد والإصلاح، تعني الحضورَ المكثَّفَ والفعال والمؤثرَ لأبنائها في الوسط الذي يوجدون فيه، بما يمكّنهم من الوسائل المناسبة والفعالة، ومن التوظيفِ الرشيدِ لها، وذلك من أجل الإسهام في إقامة الدين ونشر قيم الهداية والاستقامة والتزكية فيما بين أعضاء الحركة وغيرهم، وفي أي مجال من مجالات اشتغالهم. وإنَّ إضفاء الطابع الرسالي على أعمال الحركة لهو بحقٍّ الأساسُ لاستمرارها، والإطار العام لكل أعمالها، حملاً للرسالة وأداءً للأمانة، رسالة الدين وأمانة العمل به والدعوة إليه.

  ثالثا: التجديد

تنصُّ رؤيةُ الحركة على أنَّها: «عَمَلٌ إسلاميٌّ تجديديٌّ لإقامَةِ الدِّينِ وإصلاحِ المجتمع». وقد جاء في نصِّ رسالتها أنها تعني «الإسهام في إقامة الدين وتجديدِ فهمه، والعمل به». ولذلك فقد حرصت حركة التوحيد والإصلاح دائما على روح التجديد في مشروعها الإصلاحي، واجتهدت في تشجيع مبادرات التجديد والتأسيس لمشاريع بحثية تهم مجالات الفكر والعلوم الشرعية والاجتماعية، وعيا منها بأن فهمَ الدين واستيعاب تحولات الواقع يحتاجان إلى تجديد مستمر في النظر والتناول، وبأنَّ تطوير حركة مجتمعية تحمل مشروعا إصلاحيا -يسهم في معالجة الإشكالات ومواجهة التحديات التي يعرفها الوطن والأمة والإنسانية جمعاء- أمرٌ لا يضطلع به إلا المصلحون المُجَدِّدون.

كما أننا نعتبر التدين كسبا خاصا بكل جيل، وتجربةً متميزة لكل إنسان؛ لذلك فنحن نؤمن بأنَّ التجديد ضرورة شرعية وسنّة كونية. ونريده تجديدا مستحضرا لجهود السلف الصالح رحمهم الله، ومستوعبا لاجتهاداتهم؛ من دون جمود على خلاصات السابقين، ولا تحلل من كل رابط مكين، بل منطلقا من الكتاب والسنة، متأسسا على مقاصد الشريعة، مُسَدَّدا بالضوابط العلمية والقواعد المنهجية، منفتحا على كل ما هو نافع وصالح ومفيد مما أنتجته العقول والتجارب الإنسانية للمسلمين ولغير المسلمين، لأن الإسلام يهدي إلى ذلك ويدعو إليه.

ولخصيصة التجديد أصولها الإيمانية والتصورية عند حركة التوحيد والإصلاح. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»([6]). وقال عليه الصلاة والسلام: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ»([7]). والمؤمن لا ينفكُّ ناظرا بعين التقصير إلى أدائه في طريقه إلى ربه عبادةً ودعوةً وجهادا، فلا يتحقق بمقام إلا ويصبو إلى ما بعده، وعينه على قول الله تبارك وتعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)(النجم 31). وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»([8]).

إنَّ هذا النظر إلى التقصير الملازم للإنسان المسلم مهما كان علمه واجتهاده، دفعٌ نحو مزيد من التسديد والتطوير للعلم والعمل في الطريق إلى الله تبارك وتعالى. ولذلك فصاحبُه يتوسل بكل ما من شأنه أن يبقي الحياة في أوصال الفكرة، ويمدها بأسباب القوة والاستمرار. كما أن العملَ لا يكتسب مصداقيته وفعاليته إلا بقدر تمثُّله لحقيقة ورودِ النقص عليه، وأسباب البلى التي تسرع به إلى الضعف مالم يتدارك نفسه بأسباب التقويم والتجديد. ولذلك فإننا نعتبر محطات التقويم والمراجعة والنقد هي الوجه الآخر لهذه الخصيصة المنهجية عظيمة الأهمية، وذلك من خلال محطاتنا الشورية ومنتدياتنا الفكرية.

إن خصيصة التجديد في حركة التوحيد والإصلاح تتجلى على مستويين متراكبين: مستوى علمي فكري، ومستوى عملي تطبيقي. فأما على المستوى العلمي والفكري، فتتمثل فيما بلورته من تصورات، وطوَّرَته من مناهج ورؤى دعوية وتربوية وفنية وسياسية، وفي اجتهاداتها في كثير من القضايا والمستجدات الاجتماعية والسياسية والتشريعية، وفي رصيد أبنائها ورجالاتها محاضرةً وكتابةً وتأليفاً أغنَوا بها المكتبة الوطنية والعربية والإسلامية والعالمية. ومن ذلك اجتهادها المتمثل في الانتقال من التركيز على مطلب “إقامة الدولة” إلى اعتبار مقصد “إقامة الدين” الأساس السليم والأصل الجامع للعمل الإصلاحي الإسلامي.

وأما على المستوى العملي التطبيقي فتتمثل خصيصة التّجديد في مجموعة من الاجتهادات التي جرى العمل بها عند الحركة في المجالات التربوية والتنظيمية والدعوية: ومن ذلك انتقالها من شعار “نشر التدين” إلى “ترشيد التدين”. واعتمادها ديموقراطية متخلقة تقوم على الصدق والأمانة والشفافية وحرية التعبير؛ وهي ديموقراطية متحققة في جميع هيئاتها مِن أدنى سلمها التنظيمي إلى أعلاه. ومن ذلك أيضا تحديدها لمدد المسؤوليات القيادية بها في ولايتين؛ حتى لا تكون المسؤولية والقيادة مرتبطة بالأشخاص، وحتى تضمن الانتقالات السلسة والمحمية قانونيا من شخص إلى شخص، ومن جيل إلى جيل.

ومن أهم مظاهر التجديد على المستوى العملي تمييزها بين العمل الدعوي الحركي وبين العمل السياسي الحزبي، حتى يقوم كل منهما بالدور المنوط به على أكمل وجه.

   رابعا: المشاركة الإيجابية

إننا إذ نعتمد في حركة التوحيد والإصلاح منهجا وفكرا مقاصديين، ننظر بهما في المآلات ونوازن بين المصالح والمفاسد، ونسدد ونقارب فيما يستجد لنا من ظروف، متجهين صوب مقاصدنا الكبرى نروم تحقيقها، فإننا نسعى إلى مشاركة غيرنا في مختلف مشاريع الإصلاح متى ما كانت مشاركتنا مشاركة إيجابية تبشر ولا تنفر، وتقرب ولا تبعد، وتصلح ولا تفسد، ونراها أوْكَدَ في مشاريع الإصلاح، وألْيَقَ بالدعاة المصلحين من الوقوف على أطراف الحياد السلبي أو المفاصلة العملية والميدانية التي تتيح للفساد أن يستشري وللباطل أن يستمر.

وقد لزمتنا خصيصة “المشاركة الإيجابية” في كل مراحل مشروعنا، وغدت تسكن كل أعمالنا وإليها تعزى -بعد توفيق الله وفضله- كثيرٌ من الإنجازات العملية والتصورية التي ميزت تجربتنا. ولذلك فقد ارتقينا بهذا التوجه الغالِبِ علينا إلى مرتَبَةِ “الخصيصةِ”، لأنه مُمَيِّزٌ لِسَيْرِنا ونشاطنا. ولقد قَدَّرْنا دائما أنَّ المشاركةَ في الخير مهما كان ضئيلا هامِشُه، أو قليلا عائِدُه، أو بعيدا مَرامُه، أو عسيرا مَسارُه، خيرٌ من الامتناع عنه، وتأجيلِ الدخول فيه، والإصرار على اكتمال شروطه؛ يحدونا قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِى يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»([9]). وقد دافع القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم حين عاب عليه المشركون أنه من الناس وفيهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْاَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)(الفرقان 7)، إلى أن يقول الحق تبارك وتعالى مبيِّنا أن ذلكم سيرة المصلحين: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْاَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً اَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)(الفرقان 20).

إلاّ أنّنا نريدُها “مشاركة إيجابية” تحقِّقُ النفعَ للمسلمين، وتنصلح بها أحوالُ البلاد والعباد؛ فلا نريدُها لذاتها، ولا نسعى إليها بغير ما رؤية وقناعَة وفَهْم، إذِ الشَّأنُ الرسالة والدعوة والإصلاح. وإذا كانت رساليتنا تقتضينا مشاركة غيرنا في كل ما هو صلاح وإصلاح، فإنها تقتضينا الاحتراز من أن نصبح مساهمين في فساد أو متظاهرين على إفساد. فهي مشاركة إيجابيةُ المبعث، إيجابية المسعى، إيجابية المقصد، وليست سلبيةً بحال من الأحوال.

   خامسا: التعاون على الخير مع الغير

وهذه من أهم خصائص عملنا القائم على إيمان عميق بأن جميع المشاريع الإصلاحية التي نعمل فيها أو نطمح إليها إنما هي حقٌّ للجميع وواجب على الجميع، وما نحن فيها إلا شركاء ومتعاونون، وأصحاب أسهُم تزيد أو تنقص؛ وأنَّ جهودَنا في أي مجال مهما بلغت ومهما نجحت، فلن تكون كافية ولا مستغنية عن جهود غيرنا وطاقاتهم وعطاءاتهم. فحيثما كان خيرٌ يتاح لنا فيه بعضُ مساهمة إلا ورأينا بأنَّه من واجبنا أن نتعاون عليه مع غيرنا.

وإنَّ رؤيةَ الحركةِ لمشروعِها باعتباره عملا إسلاميا تجديديّا لإقامَةِ الدِّينِ وإصلاحِ المجتمع لا تعني أننا نرشِّحُ أنفسنا وحدنا لإنجاز هذا المشروع، وإنما تعني أننا نضع أنفسنا ضِمْنه وعلى سِكَّته وفي خدمته، ونأخذ بنصيبنا منه وبسهمنا فيه. وبناء عليه، فالحركة تسعى -بحسب جهدها واجتهادها- إلى توظيف ما أمكنها من الطاقات الإصلاحية داخل المجتمع، وإلى تمليكها هذه الأدوار الإصلاحية التي تضطلع بما أمكنها منها. وذلكم هو المنهج الرسالي لحركتنا الذي يلخِّصُه شعار:”وحدة المشروع عِوض وحدة التنظيم”. وهو ما يسهم في خلق مجال حيوي للتعاون المثمر الذي يترجم قناعتنا الراسخة بأن الورش الإصلاحي الذي نعتبر أنفسنا من أهله، وننتدب مؤسستنا للإسهام فيه، ورشٌ كبيرٌ وهام وطويل. وقناعتنا الراسخة أن مجال العمل فيه رحب وفسيح، وأن كثرة العاملين على اختلاف مشاربهم فيه لأمرٌ ضروري وطبيعي. وأنه لا سبيل إلى إصلاح حقيقي في مجتمعاتنا بغير تضافر قِوى الإصلاح المختلفة كلٌّ في مجاله وعلى قدر طاقته وبحسب إمكاناته.

وإن من مقتضيات هذه الخصيصة أن نتعاون مع جهات متعددة ومتنوعة؛ نتعاون مع الدعاة العاملين خارج حركتنا، سواء كانوا أفرادا أو جماعات، هيئات شعبية أو مؤسسات رسمية، لأنَّ وحدة المرجعية أو المقصد تجعل المتفق عليه أوسع بكثير من المختلف فيه، ففي التعاون عليه فسحة واسعة. ونتعاون مع مختلف الفاعلين وقوى الإصلاح في وطننا وفي باقي البلدان الإسلامية، كلٌّ بحسب ما تجمعنا به من مبادئ وقيم أو نشترك فيه من مقاصد وأولويات. وإن هذه الخصيصة المنهجية الغالية لتتجاوز كل هؤلاء إلى غيرهم ممن تجمعنا معهم علاقات التعارف؛ مصداقا لقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات 13). وقوله سبحانه وتعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمُو أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الممتحنة 8).

   سادسا: الأصالة المغربية

إن حركتنا حركة متجذرة في مجتمعها ووطنها وأمتها، وأصيلة في ثقافتها وبيئتها، نابتة من تربتها، ماتحة من ينبوعها، قاصدة لصلاح أهلها وبلدها والأقرب فالأقرب من أمتها والناس أجمعين. وهي أصالة تتجلى في منهجها الإسلامي الأصيل المعتمد على أصول الدين الحنيف، والتفاعل الإيجابِي مع إجماع الأمة، والاعتزاز بالاختيارات المغربية في التدين والتمذهب دونما تعصب ولا انغلاق، والتّمسك بثقافة مجتمعها المغربية بمختلف روافدها وتجلياتها.

ولقد كان من أوائل اختيارات حركة التوحيد والإصلاح أن جنحت إلى عدم تبعيتها لأية حركة إسلامية من خارج المغرب؛ دونما انغلاقٍ دونها، ولا تَنَكُّرٍ لاستفادتها من مدارسها المختلفة وأعلامها الرواد، ولا جحودٍ لسَبْقِها وفضلها. فنحن نؤمن بأن بلدَنا بلدٌ عريق في إسلامه، عظيم في عطائه الحضاري، وأنه كان وما يزال مصدر إشعاع وإلهام في محيطه الإقليمي والدولي، باعتباره أحد أقطار الإسلام الكبرى. وإننا بِتجذّرنا في تربتنا نكون أقدر على أداء رسالتنا الدعوية والإصلاحية، وأقرب إلى هويتنا الثقافية التي انصهرت في بوتقة الإسلام مع عناصر أخرى أسَّسَت لتميُّزِ نموذَجِنا تاريخيا وحضاريا. فأصالتنا أصالة إغناء وإثراء للأمة الإسلامية بشكل عام، وليست تقوقعا على الذات، ولا انعزالا عن بقية إخواننا من المسلمين على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم.

كما تهتمُّ الحركة بالاختيارات المغربية في التدين والتمذهب؛ سواء تعلق الأمر بمذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس في الفقه، أو مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في العقائد، أو بطريقة الإمام الجنيد في السلوك، أو بقراءة الإمام نافع للقرآن الكريم رضي الله عنهم أجمعين. وقد تميَّزَ مسلكُ حركة التوحيد والإصلاح على هذا المستوى بتعميق فكري، وتأصيل علمي، وتفعيل عملي. يتجلى ذلك في اهتمامها المتزايد بالتراث العلمي المغربي في مختلف المجالات، وتبَنِّي العمل عليه والتعريف برجالاته والاستفادة من إنتاجاتهم في برامجها التربوية والتكوينية ومشاريعها الإصلاحية. كما يتجلى أيضا في عدم جمودها على هذه الاختيارات جمودا يقطعها عن الانفتاح على رحابة التجربة الفكرية والمذهبية الإسلامية، بل تدعو إلى جعلها مكسبا يجب استثمارُه في مشاريع الدعوة والإصلاح، والاستثمارُ فيه بتجديده والاجتهاد فيه وتطوير مناهجه واستئناف القول في إطاره بلغة العصر، وللجواب عن مشكلات العصر والتفاعل مع قضاياه.

إننا نعني بخصيصة “الأصالة المغربية” أننا نسعى إلى إنصاف تراثنا الإسلامي المغربي علميا وثقافيا وحضاريا، والاستفادة منه ومما يزخر به من عناصر الإبداع والتميز والنبوغ. ونسعى كذلك للتعريف به وتقديمه إلى أجيالنا وأبناء وطننا، وإلى الأمة الإسلامية، وأبناء الحركة الإسلامية فيها؛ لقناعتنا بأنه يَعِدُ بالخير والنفع للأمة بكاملها؛ فإن من حق تراثنا وعلمائنا ورجالاتنا علينا، وكذا من حق أمتنا الإسلامية ودعاتها علينا، أن نقدم لهم هذه الخدمة ونؤدي هذا الواجب.

 سابعا: السننية

يعلمنا القرآن الكريم أن الله تعالى خلق الكون وبثَّ فيه سننا ظاهرة وباطنة يسير عليها. وأمرنا بالسير في الأرض وفق هذه السنن، وتلمس آثارها واستكشافها والتعبد بذلك. وقد قدَّرَ الله سبحانه نواميسَها وهدانا إلى معرفتها، فقال عز من قائل: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(الأَعلى 1-3)، وقال: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ)(الأَحقاف2). ووصف المتفكرين فيها والمتأملين في حكمتها بأولي الألباب، فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْاَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(آل عمران 190 – 191). ووعدهم بأن يهديَهم إلى سبيل معرفتها بحسب اجتهادهم وتوفيقه لهم، فقال: (سَنُرِيهِمُو آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُو أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(فصلت 52)  وقال : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمُو آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(النمل 95). والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، وكلها نَدْبٌ إلى السير في الأرض والنظر في الخلق؛ واستشفاف الآيات في الآفاق والأنفس لتسخيرها ومعرفة الله من خلالها، وحسن عبادته وطاعته، والفهم عنه فيها.

وليست سننُ الله مقتصرة على الآفاق والأنفس وحسب، بل إن ثمة سننا اجتماعية وتاريخية لا يستغني العامل في مجال الدعوة والإصلاح عن معرفتها والأخذ بها. فالله تعالى يقول: (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد 12)، ويقول سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأَنْفال 54). ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتعيّن على الداعية والمعلّم ومن في مقامهما أن يأخذَ بمجموعة من الأسباب حتى لا يأتي عملُه بغير مقصوده، حين قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما أرسله إلى اليمن: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً ( تُؤْخَذُ ) مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ»([10]). وروى الإمام مسلم عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»([11]).

كما أن المؤمن وهو يتعاطى مع السنن ويجتهد في فقهها لا يَقْصُرُ نظرَه فيها على الوجود المادي، سواء تعلق الأمر بالسنن الكونية أو النفسية أو الاجتماعية أو التاريخية، بل يجمع إليها السنن الروحية أيضا، على اعتبار أن دنياه موصولة بأخراه، وعالم الشهادة بالنسبة إليه موصولٌ بعالم الغيب. فالتقوى سببٌ للفرج، قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغٌ اَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)(الطَّلَاق 2 – 3)، وهي طريقٌ للعلم والمعرفة، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة 281)؛ والصبر سببٌ للبشرى والنصر قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الاَمْوَالِ وَالاَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(البقرة 154 – 156) وقال : (أَمْ حَسِبْتُمُو أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)(البقرة 212)، والتوكل الحق سبيلٌ إلى الرزق المبارك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُوا خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً» ([12]).

وإن العمل الدعوي والإصلاحي اليوم لفي حاجة إلى اتباع هذا المنهج الرباني النبوي؛ لأن الاستخفاف بالسنن، وعدم الأخذ بالأسباب، والقفز على طبائع الأشياء، والتصرف المعتمد على الارتجال وردود الأفعال، يُفضي عادة إلى مصائب وكوارث تعود أضرارها على الدعوة والأمة، وترجع بها إلى الوراء. بل إن في ذلك قلة أدب مع الله سبحانه وتعالى الذي برأ هذه الأكوان؛ وفطرها على ما هي عليه؛ وأودعها هذه النّواميس والأسباب.

والمرء حين ينظر إلى ما استشرى في أمتنا من ضروب الفساد، يجده حصيلة عقود من التخريب المتعمد والإفساد المدروس، يضاف إليه قرون من الانحطاط والتراجع والضعف. فلا يمكن للحركة الإسلامية ولكافة الجهود الإصلاحية أن ترفع هذا الفساد بدون الأخذ بأسباب الإصلاح التي يحصل بها النجاح، وحسن التّوكل على الله تعالى قبل ذلك وبعده حتى يتحقق لها الفلاح.

وقد علّمنا القرآن أن نحُث السير ونُحسِنَه، ونترك النتائج لمشيئة الله تعالى وحكمه؛ قال سبحانه: (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمُو أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)(الرعد 41). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِى يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا »([13]).

إن السننية تعني -فيما تعنيه- حسنَ الإصغاء إلى رسائل الوجود في مختلف أبعاده، فلا يستغشي المؤمن ثيابه ويصرف نظره عن حقائق الوجود وإكراهات الواقع، كما لا ينبغي له أن ينزل عن صهوة الإرادة والتوكل والفرص التي تتاح أمامه. فالأعمال بحسب سياقها. وكفى بالصلاة التي هي عمادُ الدين مثالا مفيدا في هذا الباب؛ لارتباطها بالأوقات التي لا يجدُرُ بالمؤمن تأخيرُها عنها أو عدمُ أدائها في وقتها متعلِّلا بالانشغال في عظيم من الأعمال؛ إذ الأعمال وأهميتها منوطةٌ بالسياقات والأحوال والأوقات، فإذا حان وقت الصلاة رجَحَت ما سواها في ساعتها ولم يفْضُلها غيرها فيها. وكذلك في سائر الأعمال الدعوية والإصلاحية. وهو ما يشير إليه القرآن الكريم حين قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)(النساء 76).

إننا نعني بـ”السننية” إجمالا حسنَ الفهم عن الله في مشيئته، وحسنَ الفهم عنه في شريعته. وهو ما يلزم المسلم بشكل عام، والعامل في مجال الدعوة والإصلاح بشكل خاص حتى يكون أقرب إلى الوفاء بمقصوده، ونيل مطلبه ومرغوبه. وإن “السننية” خصيصة ملازمة لنظر حركة التوحيد والإصلاح في مقاربتها لظواهر مجتمعها، وثابتة في تعاطيها معها، تنطق بذلك طرائق عملها واستفراغها وسعها تنظيرا وتأطيرا، وتخطيطا وتحضيرا، وتسييرا وتدبيرا، متوكلة على الله سبحانه من قبل ومن بعد، وسائلة التوفيق منه سبحانه وتعالى. 

المرجع: ميثاق حركة التوحيد والإصلاح، طبعة 1440هـ/2019م

—————————–

  • [1]ـ صحيح البخاري: كتاب الإيمان؛ عن أبي هريرة.
  • [2]ـ صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة عن عبد الله بن مسعود.
  • [3]ـ صحيح البخاري: كتاب الرقاق عن عائشة.
  • [4]ـ صحيح مسلم: كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ والأدب؛ عن النّعمان بن بشير.
  • [5] ـ صحيح البخاري كِتَاب الْأَدَبِ وصحيح مسلم كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ عن أبي موسى.
  • [6]– صحيح سنن أبي داود كتاب الملاحم، وصحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (1874) عن أبي هريرة.
  • [7] مسند أحمد؛ في مسند أبي هريرة.  وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. والحاكم والطبراني، وحسنه العجلوني في كشف الخفاء.
  • [8] ـ صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم عن أبي هريرة.
  • [9]ـ  صحيح سنن ابن ماجه  في كتاب الفتن  عن ابن عمر.
  • [10] ـ صحيح البخاري: كتاب الزكاة، عن ابن عبّاس.
  • [11] ـ صحيح مسلم: في المقدمة بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ عن عبد الله بن مسعود.
  • [12]ـ صحيح سنن الترمذي: أبواب الزهد وصحيح سنن ابن ماجه كتاب الزهد عن ابن عمر.
  • [13]  رواه أحمد في المسند من مسند أنس بن مالك (3 / 183) قال محققه شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم :(1424).

-*-*-*-*-*-*-*-*-

للاطلاع على:

للاطلاع أيضا على: 

 المكتب التنفيذيهيئاتنا الوطنيةهيئاتنا الجهويةهيئاتنا الإقليميةرؤساء الحركة

جهة الوسطجهة الشمال الغربيجهة القرويينجهة الجنوب

وثائقنا وأوراقنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق