الرئيسية-دروس ومواعظ

بعض فقهيات فصل البرد والشتاء

عباد الله : إذا دخل فصل الشتاء عليكم ينبغي أن يحرك قلوبكم، ويزيد إيمانكم ويقوي عقيدتكم، وأن يذكركم بالله ربكم؛ يذكركم بقدرته وقوته ومشيئته ورحمته وإرادته وملكه، يذكركم بآيات الله التي غفل الناس عنها اليوم، فالقرآن يصحح نظرة الناس إلى فصل الشتاء ونزول الغيث، ويعلمهم أنه  آية من آيات الله سبحانه، قال تعالى:(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان 48-49)، وقال تعالى ممتناً على عباده: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)(البقرة 22) وقال تعالى داعيا عباده إلى التفكر(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ) (الزمر،21)،وقال كذلك(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أم نحن المنزلون؟) المزن يعني: السحاب.

فهذا هو فصل الشتاء ياعباد الله يجعلكم ترون آية الله ونعمته الكبرى عليكم وعلى الكائنات من حولكم في الماء الذي ينزله من السماء التي تظلكم إلى الأرض التي تقلكم. لذلك رأينا من المناسب ونحن في فصل البرد والشتاء التحدثُّ في خطبة اليوم عن بعض المسائل ذات الأهمية حول (أحكام الشتاء) التي يجهلها الكثير من الناس، وقد اهتم العلماء بها فألفوا فيها مؤلفات، مثل: «أحاديث الشتاء» للإمام وللسيوطي و«إرشاد الفتى إلى أحاديث الشتا» للشيخ يوسف بن عبد الهادي، و«المطر والرعد والبرق والريح»لابن أبي الدنيا وغيرها، وقبل التحدث عن بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالشتاء نذكر بعض الفوائد:

1ـ ألا فاعلموا أن كلمة الشتاء لم ترد في القرآن الكريم سوى مرةً واحدة،وذلك في قوله تعالى:{لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف}.قال الإمام مالك رحمه الله : الشتاءُ نصفُ السَّنة، والصيفُ نِصفها. وهنا مسألة هامة في العقيدة وهي: أنه لا يجوز القولُ والاعتقادُ بأننا نُمطر بالنجم أو النوء أو الكوكب فذلك من شرك الجاهلية الذي نهانا شرعنا عنه فمن قال ذلك فهو كافر: روى البخاري ومسلم تحت باب:(بيانُ كفرِ من قال: مُطرنا بالنوء) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:«أصبح مِن عبادي مؤمن بي وكافر، فأمَّا من قال : مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب، وأما من قال : مُطِرنا بنوء كذا وكذا،فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب».(والنوء جمعه أنواء:وهي منازل القمر)، وقد يتساءل الناس عن حكم الأرصاد الجوية أو تنبؤات الطقس؟ فنقول:هذه التنبؤات و التوقعات نتيجةُ دراساتٍ علمية متطورة تقومُ في مجملها على التقاط صور الغيوم وسُمْكِها، مع معرفة حركة الرياح واتجاهاتها، وسرعتها، وهذا كلَّه من الناحية الشرعية جائز ومشروع، ولكن  يجب أولا: ربط هذا التوقع بالمشيئة الإلهية، لأن حالاتٍ كثيرةً وقعت في كثير من البلاد جرى فيها خلاف المُتوقَّع،

2 –  هذه التوقعات ليست من علم الغيب في شيء، بل هي توقعات مبنية على مقدمات تتبعها نتائج نافعة للحيطة والحذر، فلا يجوز إصدارُها بصور القطع، ولا يجوز تلقيها بصورة الجزم، ثم إنه يجب على المسلمين أن يسألوا ربَّهم أن يبارك لهم في ريعهم، دون الاتكال على الأمطار قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ليست السَّنةُ ألا تُمطروا، ولكن السَّنة أن تمطروا ولا تُنبِتُ الأرض شيئاً»(رواه مسلم وابن حبان) والمراد بالسَّنة هنا القحط، ومنه قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسِّنين) .

ومن الأحكام المأمور بها شرعاً يا عباد الله:إسبــاغ الوُضوء أي«إتمـــامه وإفاضة الماء على الأعضاء تامّاً كاملاً، وزيادة على مقدار الواجب»، ويزداد الأجر عند البرد والمشقة كما في قوله صلى الله عليه وسلم:«أسبغوا الوضوء» ولكن بعض الناس يتساهلون في أيام البرد في الوضوء كثيراً: ليس فقط لا يُسبغون، وإنما لا يأتون بالقدر الواجب، حتى إن بعضهم يكاد يمسح مسحاً! وهذا لا يجوز بل قد يكون من مبطلات الوضوء، وأيضاً بعض الناس لا يكشفون عن أكمامهم عند غَسل اليدين كشفًا كاملاً، وهذا يُؤدي إلى أن يتركوا شيئاً من الذراع بلا غَسل، والوضوء معه غير صحيح، فالواجب أن  يغسل المرفق مع اليد لأنه من فروض الوضوء.كما نجد بعضَ الناس يتحرجون مِن تسخين الماء للوضوء دون دليل شرعي. روى مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا:بلى يا رسول الله قال:إسباغ الوضوء على المكاره»، قال القرطبي: أي: تكميلُه وإيعابُه مع شدة البرد وألمِ الجسم ونحوِه، وقال الأُبي: تسخينُ الماء لدفع بَرْدِهِ ليتقوَّى على العبادة لا يَمنعُ من حصول الثواب المذكور.كذلك يتحرج بعض الناس مِن تنشيف أعضاء الوضوء في البرد، إما لعادته في أيام الحرِّ، وإما لظنه أنه لا يجوز؛ مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم«أنه كان له خِرقة يتنشف بها بعد الوضوء»، وكذلك مما يشكل على بعض الناس: طين الشوارع: لأنه يكثر في فصل الشتاء الوَحَل والطين، فتصاب به الثياب، مما قد يُشْكل حكمُ ذلك على البعض: فحكمُهُ أنه لا يجب غَسلُ ما أصاب الثوبَ من هذا الطين؛ لأن الأصل فيه الطهارةُ، وكذلك: لو سقط ماءٌ على المرء لا يدري أنجِسٌ هو أم طاهر؟! فلا يجب عليه أن يسأل دفعاً للتكلف والوسوسة، إلا إذا تيقن من النجاسة فيجب عليه وقتئذ تطهيرُها.نفعني الله وإياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين سبحان ربك رب العزة  عما يصفون،… 

ومن المسائل التي يجهلها الكثير: الأذان في المطر أو البرد:فإنه لا خلاف بين العلماء أنه يجوز للمؤذن أن يقول:”الصلاة في الرحال”أو”صلوا في رحالكم”أو”صلوا في بيوتكم”، إذا كان هناك عذر من مطر أو وَحَلٍ أو بردٍ شديد أو ريحٍ شديدة ؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جاءت السنة بتخيير المؤذن، فإما أن يقول هذا القول بعد تمام الأذان، وإما أن يقوله بدلا من قوله:”حي على الصلاة “روى البخاري ومسلم عَنْ نَافِع، قَالَ: “أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ(يمر بها الطريق من مكة إلى المدينة)، ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ:” أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ” فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ ، فِي السَّفَرِ.ففي قوله: ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ:”أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ” ، دليل على أنها تقال بعد الأذان، وروى البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ:إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ “، قَالَ : فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ، فَقَالَ:” أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا ؟!، قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ “

وفي هذه الأحاديث فوائد:الأولى: الرخصة في التخلف عن مسجد الجماعة لعذر، قال القرطبي: «وظاهرها جواز التخلف عن الجماعة للمشقة اللاحقة مِن المطر والريح والبرْد، وما في معنى ذلك مِن المشاق المُحْرِجة في الحضر والسفر»، الثانية: أن المؤذن-حين العذر-يبدل قولَه: «حي على الصلاة» بقوله: «صلوا في رحالكم»، أو «بيوتكم»، وجاءت روايات أخرى صحيحةٌ بجواز قولها بعد:«حي على الصلاة»«حي على الفلاح»،وكذا بعد الانتهاء من الأذان كلّه، والأمر واسع، الثالثة: لا فرق في جواز التخلف عن الجماعة حين العذر، سواءٌ قال المؤذن(صلوا في الرحال) أم لم يقل! الرابعة: أن الصلاة في البيوت حين العذر على التخيير وليست على الوجوب

ذ. سعيد منقار بنيس

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق