أنشطة أعضاء المكتب التنفيذيالرئيسية-حملة أمان واطمئنان(لمحاربة كورونا)دروس ومواعظ

الموس يكتب: سلطة الدولة المسلمة في تقييد تصرفات الرعية

الحمد لله حمدا كثيرا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد :

من القواعد التي نحتاج إلى تفعيلها والتنبيه عليها والتي لها ارتباط بالبلاء النازل بالبشرية عامة والمسلمين خاصة  قاعدة ” تصرف ولي الأمر على الرعية منوط بالمصلحة” والقاعدة المتفرعة عنها والتي مضمونها ” سلطة ولي الأمر في تقييد المباح”. فهاتان القاعدتان تؤصلان لدور الدولة المسلمة في جلب المصالح ودرء المفاسد على الأمة. إن مدار القاعدتين السالفتي الذكر على مشروعية قيام الدولة المسلمة بإيقاف الحكم الشرعي ( الواجب أو المباح)، أو تقييده  بالنظر إلى ما يؤول إليه من مفاسد. وهو أمر مُعتبر ومُطّرد في كثير من الأحكام. وقد أفتى إمام الحرمين عبد الملك الجويني وهو من كبار الأصوليين وليَّ أمر زمانه نظام الملك (1) بتأجيل فريضة الحج نظرا لانعدام الأمن، وعلل ذلك بكون الحج عبادة تخص الحاكم، لكن نظره في مصالح الرعية وحفظه للدين وللنسك على الأمة عام لكل المسلمين. وكان مما قاله “فأما مبادرة المناسك قبل استمرار المسالك فمحذور مُحرّم محظور”(2) . كما أفتى عدد من علماء الأندلس بمنع الحج عند غياب الأمن.

إن تقييد تصرفات الرعية عمل اجتهادي، وهو باب من أبواب السياسة الشرعية للدولة الإسلامية، تُلزم به الرعية عندما يترتب عليه مصلحة عامة، كما تمنعهم منه عندما يُخشى من إطلاقه مفسدة معتبرة. وقد لجأت كثير من الدول اليوم إلى هذا المبدأ فأغلقت حدودها ومنعت التنقل مع دول الغير، وفرضت إقامة إجبارية على بعض رعاياها وأغلقت بعض المؤسسات . إن السياسة الشرعية هي التي تجعل الناس أقرب إلى مرضاة الله، وأحرص على رعاية المقاصد الكلية للدين. قال ابن قيم الجوزية: “السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه و سلم، ولا نزل به وحي” (3) . ومن أجل ذلك منحت الشريعة ولي الأمر سعة التصرف بما يحقق صلاح الخلق، سواء بالمنع، أو التقييد، أو الإلزام بأمر من الأمور وفق اجتهاده الذي توصل إليه بعد النظر السليم، والبحث والتحري، واستشارة أهل العلم الأمناء، وأهل الخبرة العدول، بشرط التزامه بالأصول العامة للشرع. وأكد العز بن عبد السلام أن ولي الأمر مطالب بتدقيق النظر فيما يصلح للمُولّى عنهم، بحيث لا يقتصر على الصلاح مع القدرة على الأصلح  وقال: “وكل تصرف جر فسادا أو دفع صلاحا فهو منهي عنه.” (4)

وأكد الفقهاء على اختلاف مذاهبهم  وجوب الامتثال لولي الأمر فيما يُقيده من المباحات والتصرفات؛ بل إن بعضهم أثبتوا وجوب طاعته فيما يعتمده من رأي فقهي وإن خالف المذهب، وكذلك فيما يأمر به من أعمال التطوع (5).  وقال الغزالي الشافعي: “دلّ الدليل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم؛ لأن صلاح الخلق في إتباع رأي الإمام والحاكم.”(6)  أما المالكية فقد نبّه ابن رشد الجد إلى أن طاعة الإمام واجبة وإن لم يكن عدلا ما لم يأمر بمعصية وقال ” واجب على الرجل طاعة الإمام فيما أحب أو كره ، وإن كان غير عدل ما لم يأمره    بمعصية .”  (7)

إن  كثيرا من الإجراءات الاحترازية التي قامت بها الدولة المغربية أو ستقوم بها لمواجهة التحديات التي فرضها انتشار فيروس كورونا،  تجد له مسوغا من هذه القاعدة ويمكن أن نمثل لبعض ذلك فيما يأتي:

1 – منع التجوال والخروج إلا للضرورة مع الالتزام بالقيود التي يفرضها ولي الأمر:

 إذا كان من الحقوق الثابتة للإنسان حقه في أن يتنقل ويخرج كيف شاء ومتى شاء، فإن  هذا الحق يُقيد عند أدائه إلى الضرر العام كنشر الأمراض والأوبئة. وقد ظهر من خلال تجارب بعض الدول أن الاستهانة بحظر الدخول والخروج للبلد، ساهم بشكل كبير في ارتفاع عدد المصابين بالعدوى. ومن ثم فإن ايقاف الدراسة،  وإغلاق بعض المحلات والمؤسسات والمرافق، ومنع التجوال لمن لا ضرورة لخروجه عند صدوره من الدولة يجب الالتزام به والتقييد به طاعة لله تعالى. وقد ثبت مشروعية الحجر الصحي في عمل عمر رضي الله عنه.

2 – إغلاق المساجد مع الإبقاء على شعيرة الأذان:

لقد لجأت الدولة المغربية استنادا إلى فتوى المجلس العلمي الأعلى إلى إغلاق المساجد أمام المصلين مع الإلتزام بوجوب رفع شعيرة الأذان. إن هذا التقييد يستند إلى أصول كلية منها قواعد منع الضرر، وتحريم الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. وإذا كان بعض الناس قد رأوا أن فيه تقديم مصلحة النفس على مصلحة الدين، فإن ذلك غير صائب عند التمحيص.  إن حفظ الدين  قائم بحمد الله تعالى من خلال الابقاء على شعيرة الأذان، وأداء الإمام أو المؤذن الصلاة  لوحده في المسجد محقق لفضل الجماعة وهو ما نقله المازري في شرح التلقين عن شيوخ المذهب حيث قال: ” ألا ترى أنه إذا صلى الإِمام الراتب وحده فإنه لا يعيد في جماعة لأنه وحده كالجماعة(8). ومن جهة أخرى في حفظ الدين قائم بأداء المسلم للصلاة في بيته مع أسرته، والذي عليه المالكية أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة وليست واجبة، وخاصة عندما يتعارض إقامتها في المساجد مع حفظ أصل كليات أخرى كحفظ النفوس والأموال، والتي بدونها أو بفقدها قد يضيع الدين. وقد أمر النبي عليه السلام آكل التوم باعتزال المصلى وهو ضرر يسير، فكيف بالضرر الكبير الذي يُسهم في نقل الأمراض والأوبئة وهلاك الأنفس.  إن المعطيات الصادرة عن الخبراء تؤكد أنه بدون هذا الحجر الصحي وتقليل فرص اللقاء فإنه يمكن أن يتطور انتشار الفيروس بشكل متتالية هندية أساسها أكبر قطعا من واحد،  ويؤدي ذلك  إلى ضياع الأنفس وهلاك الأموال، وشيوع الفتن العامة التي لا قدر الله قد تهلك الحرث والنسل.

3 – إلزام بعض الناس بالمرابطة على خدمة الصالح العام :

من تجليات القاعدة سالفة الذكر أنه بموجبها قد تصدر التعليمات لمن يتوقف عليهم حفظ الأمن والصحة العامة بأن يداوموا أكثر من غيرهم في مؤسساتهم، وقد يمنعوا من إجازاتهم ورخصهم الإدارية, ووجب على المعنيين التزام الأوامر وتنفيذها بصرامة.  وينسحب ذلك مثلا على العاملين في الصحة والأمن والخدمات الأساسية المرتبطة بحفظ النظام العام.

4 – فرض التضامن بين أفراد الأمة لمجابهة التحديات الممكنة :

ويتعلق بذلك أيضا أن تفرض على أغنياء المسلمين أداء أموال إضافية ( الوظائف) لخزينة الأمة إضافة للزكاة الواجبة . وهو ما كان يطلق عليه في الدولة الاسلامية قديما ب “الوظائف”، أو “الخراج”، أو” النوائب” أو “الكلف السلطانية” وهي تكليفات مالية يُلزم بها السلطان رعيته أو طائفة منهم. ويعتبر هذا التصرف من الحكام من تقييد المباح على الرعية، فالأصل أن الناس مسلّطون على أموالهم يفعلون بها ما يشاءون، لكن هذه الإباحة ليست على إطلاقها، لأنه قد يدعو إلى تقييدها من طرف ولي الأمر وجود الحاجة أو المخمصة. واستنبط ابن حجر من فوائد حديث أصحاب الصفة مشروعية التَّوظِيف عند حصول المخمَصة (9). وكان الإمام الجويني ممن أفتى بمشروعية التوظيف من أجل سد الحاجيات وقال:” لابد من توظيف أموال يراها الإمام قائمة بالمؤن الراتبة، وإذا وظّف الإمام على الغلاّت والثمرات يسيرا من كثير، سهُل احتماله، وانتظمت قواعد المُلك أحواله”(10)، وإنشاء صندوق خاص لمواجهة تداعيات هذا الخطر يعتبر خطوة إيجابية، المأمول المبادرة التطوعية من الأغنياء قصد توفير احتياطي معتبر يوفر الحاجيات الصحية، ويدعم الأسر المتأثرة من تداعيات الإجراءات المعمول بها بسبب الفيروس.

5 – تقييد الأسواق ضمانا لوصول الحاجيات لكل الناس:

ويدخل في ذلك أيضا عند الحاجة لجوء الدولة إلى ضبط الأسواق وتحديد الأسعار حرصا على توفير الحاجيات لكل الناس، وقد يصل الأمر إلى تحديد ما يقتنيه كل مواطن من المواد الأساسية.  ويشهد لهذا ما رواه أبو داوود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ عِندَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَلْيَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ عِندَهُ فَضلُ زَادٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي الفَضْلِ»(11) . وورد عند مسلم  بزيادة لأبي سعيد فيها:«فَذَكَرَ مِن أَصنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ»(12) . فمنطوق الحديث يحث على الصدقة والمواساة، ويدعو إلى إنزال المسلم المحتاج منزلة النفس. وإن حق الظهر قد يكون لصالح الخواص، كما يكون للمصلحة العامة كتوفيره عدّة للمجاهدين في سبيل الله(13)، وسار بعض أُمراء النبي عليه السلام على هديه في هذه المسألة. روى البخاري عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ فَأَمَّرَ عَلَيهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ وَهُم ثَلَاثُ مِائَةٍ وَأَنَا فِيهِم فَخَرَجنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزوَادِ ذَلِكَ الْجَيشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمرٍ فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ فَلَم يَكُن يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ »(14)، وظاهر القصة يُفيد أنه لما فني الزاد العام الذي كان عند الأمير جَمَع ما كان عندهم من زاد خاص في مِزود واحد وقسّمه بينهم بالتساوي. وثبت أن عمر رصي الله عنه سن قانونا يقتضي بمنع شراء اللحم مرتين متتاليتين بسبب الجفاف(15). إن مثل هذه المواقف تكشف النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي التي لا تلغي حق الفرد، وإنما تُقيّده من أجل المصلحة العامة، خاصة في حال الأزمات.

نسأل الله تعالى أن يعجل الفرج عن البشرية، وأن يحفظ وطننا وبقية أوطان الاسلام .

الهوامش :

1 – نظام الملك هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، ولد سنة 408 هـ وتوفي سنة 486 هـ، أحد العباد والزهاد، تولى الوزارة للسلطان السلجوقي ثم بعده لابنه، عرف بالعدل في سيرته، مقدمة كتاب الغياثي لعبد العظيم الديب، ص 51 م.

2 – ناقش الجويني المسألة وعرض أدلة منع السلطان من الحج ورد حجج المخالفين، أنظر غياث الأمم ،الجويني، الصفحات 517 _ 525.

3 – الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن القيم الجوزية، ص 19.

4 – قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ،ج2 ، ص 158.

5 – اخذ أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني في تكبيرات العيد بقول ابن عباس رغم أنه مخالف لمذهبهم بناء على أمر الخليفة العباسي هارون الرشيد ، أنظر حاشية بن عابدين، ج 3، ص 50.

6 – المستصفى، أبو حامد الغزالي، ص 533 . ورسالة حكم الحاكم يرفع الخلاف وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي” للباحث حسن محمد الجازي ،وقد نوقشت يوم الاثنين 08-06-09 بدار الحديث الحسنية تحت إشراف د عبد الحميد عشاق.

7 – البيان والتحصيل، أبو الوليد بن رشد القرطبي، ج3، ص 63 .

8 – شرح التلقين (1/ 712)

9 – الفتح، ابن حجر، كتاب المناقب، باب علامة النبوة في الإسلام، حديث 3581، (7/303).

10 – الفقه اللاهب تهذيب غياث الأمم للجويني، أحمد الراشد، ص 102.

11 – سنن أبي داوود ، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، وقال عنه الألباني بأنه صحيح.

12 – صحيح مسلم ، كتاب اللقطة ، باب المواسات بفضول المال.

13 – الإحسان الإلزامي في الإسلام وتطبيقاته بالمغرب، محمد الحبيب التجكاني، ص 228.

14 – صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد ، حديث 2484، الفتح (5/424).

15 – أنظر الباب الأول، الفصل تقييد المباح وقواعد الضرر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق