مقالات رأي

اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعف عني – نادية الناصري

عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله : أرأيت إن علمت أيّ ليلة القدر، ما أقول فيها ؟ قال قولي : “اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعف عني “أخرجه الترمذي وصححه الألباني.

كانت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها حريصة على الخير، مسارعة إليه، لا سيما في مواسم الطاعات، متعرضة لخير النفحات، مستوعبة لما يتلى في بيتها من الكتاب والحكمة.

لذلك بادرت الرسول صلى الله عليه وسلم بالسؤال عن خير ما يمكن أن تدعو به في ليلة القدر، ليلة العتق، ليلة الفوز، ليلة العفو، ليلة خير من ألف شهر ، فعلمها النبي الكريم صلى الله عليه و سلم هذا الدعاء لتعلمه للأمة كلها، فهي الفقيهة معلمة الصحابة، بل ومعلمة كل الأجيال: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.

دعاء موجز يسير، لكنه عظيم وكبير بمضمونه وما اشتمل عليه، فهو يتضمن التوسل باسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم العفوّ الذي لم يرد في كتاب الله سوى خمس مرات، مرة جاء مقترنا باسمه القدير، حيث قال تعالى: “إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا  ” النساء 149″ فلا يعفو إلا من يقدر، أما من لا يقدر فلا يعفو، لأنه على ذلك مقهور ومجبور.

كما جاء اسم الله ” العفو” أربع مرات مقترنا باسمه تعالى الغفور، ومن ذلك قوله تعالى :” فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا “النساء: 99

فهو سبحانه غفور يستر عباده، ويغفر ذنوبهم، ويتجاوز عن معاصيهم وزلاتهم ولا يشترط عليهم في ذلك سوى التوبة والإنابة والاستغفار وصالح الأعمال.

يقول صاحب الاتحافات السنية :” والعفو في حق الله تعالى عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلية، فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين ولا يطالبه بها يوم القيامة، وينسيها من قلوبهم، لئلا يخجلوا عند تذكرها ويثبت مكان كل سيئة حسنة، والعفو أبلغ من المغفرة، لأن الغفران يشعر بالستر والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر” .

فسبحان العفو، الغفور، الحليم، الستير، الكريم المنعم، الذي ألهم عباده الدعاء بطلب العفو، فيعفو عنهم، ولأن العفو يشمل الفضل، فهو يتفضل بمسح الخطايا من صحف الحفظة الكاتبين، ومن قلوبهم .

قال تعالى :” ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو” البقرة 219 ، فالعفو هنا ما يزيد عن الحاجة وما يفضل.    

وبذلك يتبين لنا أن عفو الله على عباده يكون بالتجاوز عنهم، وبمحو ذنوبهم، وبالتفضل عليهم بما لا يستحقونه، فهو يتفضل على العباد بالعفو، ليس لأنهم أهل له، بل لأنه تعالى أهل للعفو ويحب العفو.

يحب العفو لأنه اسم من أسمائه، ويحب العفو لأنه يحب أن ينعم به على عباده، ويحب العفو أن يكون بين عباده، بأن يعفو بعضهم عن بعض، حتى يعفو عنهم جميعا بمنه وكرمه، فالجزاء من جنس العمل، يقول تعالى :” سارعوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء و الضراء، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ” آل عمران 133

وفي تمثل هذا الخلق نجد أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هو أول الممتثلين، فسيرته العطرة حافلة بمواقف العفو والصفح والمغفرة مع الكفار والمشركين والمنافقين وغيرهم .

فقد جاءه ملك الجبال يعرض عليه أن يطبق الأخشبين على أهل مكة المكذبين الجاحدين الذين آذوه واضطهدوه هو وأصحابه، فلم يقبل العرض وقال :”بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يدعو الله ولا يشرك به شيئا “.

وعفا عنهم لما دخل مكة فاتحا وقد وقفوا أمامه مطأطئين رؤوسهم متضرعين، فقال: “لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء”. فلله ذرّه من عفو حليم .

وللمنافقين من عفوه وصفحه نصيب وفير، فقد عيّروه:” ليخرجن الأعز منها الأذل”، وسعوا لنشر الفتنة في المدينة، واتهموا حبيبته الرزان العفيفة بالإفك المبين، فلم يقتلهم ولم يفضحهم بل أوكل سريرتهم إلى رب العالمين .

ولليهود من عفوه نصيب وأي نصيب، حيث امتثل فيهم قوله تعالى :”ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين “المائدة130 فعفا عن لبيد بن الأعصم الذي سحره، فلما سئل عن عدم القصاص منه قال :”شفاني الله، و كرهت أن أثير شرا”.

كما تكرم بالعفو عن اليهودية التي أرادت قتله حين أهدته شاة مسمومة.

وهاهم الصحابة يقتدون بنبيهم وحبيبهم في العفو وبه يتأسون.

وهاهو الصاحب الأول أبو بكر الصديق الذي أوذي في كريمته عائشة رضي الله عنها بأن لاك عرضها بعض المنافقين وقلة من المسلمين، كان فيهم قريب له اسمه مسطح بن أثاثة، فأقسم أبو بكر أن يقطع عنه نفقة كان قد أجراها عليه، فنزل قوله تعالى:”وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” النور 22، فأيقن الصديق أنها مغفرة مقابل مغفرة، وأنه عفو مقابل عفو فأذعن لله واستجاب.

فهلا أذعنت قلوبنا واستجابت، وغفرت نفوسنا وسامحت، وبالعفو عن الناس تكرمت؟

فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق