مقالات رأي

الفقر بين المظهر والجوهر – بنداود رضواني

من أشق الإبتلاءات وأشدها على النفس، شظف العيش وإملاقه، وحرمان المرء من حد الضرورة وخصاصته، لذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر، فعن مسلم بن أبي بَكْرة عن أبيه: أن النبي كان يقول في دبر الصلاة: ” اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر “. رواه ابن حبان وابن خزيمة والنسائي.

ومع ذلك، فهل الحرمان مدعاة للزيغ والانحراف…؟!!

وهل العوز مبرر للإفساد وانحدار الأخلاق ؟!!!.

من المسلم به أن للمال أهميته ومحاسنه، وفي المقابل فللفقر مخازيه ومساوئه… لكن ومع ذلك لم تكن الحاجة المادية قط عبر التاريخ العنصر الحاسم والأساس في التوجيه الأخلاقي والتربوي للأمم والحضارات.

فتحميل الفقر جميع الشرور والمعايب الأخلاقية التي تخبطت فيها الإنسانية ولا زالت، فيه ما فيه من التجني عليه والإجحاف في حقه.

فالتاريخ عبر مسارات الأحداث و مجرياتها، يحدثنا أن الأفراد والمجتمعات تبقى بخير، رغم حاجتها المادية وخصاصها المالي، ما جعلت أخلاقها وعاء للقيم الإنسانية والمبادئ السامية…

فسيطرة النظرة المادية للكون والحياة، وحصر العلاقات الإنسانية في مربع المصلحة والإنتفاع، هما مصدر كل المصائب والقبائح، بل هما النيران التي تحمى فوقها قدور الإثارات والإغراءات…. وليس الفقر مسؤولا أولا ولا أخيرا عما يقع من انحرافات كما يتوهم بعضهم…

إن أية دعوة تستهدف إصلاح الجانب الطيني في الإنسان فقط، وتروم تلبية رغباته المادية بمعزل عن المبالاة بتنمية روحه وتقويتها، والعناية بمخبره قبل مظهره، تكون نتيجتها: المزيد من الهوس بالشهوات، والإستغراق المرضي في الماديات، فيغدو كائنا لا يحمل من الإنسانية إلا الإسم، ومن الجسد إلا الغلاف، يدور مع الأثرة حيث دارت، ويسير خلف الأنانية حيثما سارت…

فرغباته المادية بحر لا شاطئ له، و جُبِّ لا قرار له، وهذا ما أثاره استفهام التنبيه والإنكار للفاروق عمر رضي عنه حين قال ” أو كلما اشتهيتم اشتريتم ” ذكره المنذري في الترغيب والترهيب.

ودونما إنكار لدور الفقر المادي في إثارة القلق، وأثره في إزعاج النفس، لكن بمغالبة الغنى الروحي له، واليقين القلبي في قضاء الله وقدره في الأرزاق والمكاسب، فلا شك أن نوازع القلق واضطرابات النفس ستتلاشى على إثره، وسيدرك المرء أن الفقر الحقيقي هو فقر الروح، وانطماس القيم والبصيرة في النفس…، لا كما تروج المذاهب المادية بأنه متعلق بالخصاص المادي وقلة المتاع والأعراض.

فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول لله -صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى ؟ ” قلت: نعم يا رسول الله، قال ” أفترى قلة المال هو الفقر ؟ ” قلت: نعم يا رسول الله، قال ” يا أبا ذر أترى أن كثرة المال هو الغنى ؟ إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب، من كان الغنى في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا، وإنما يضر نفسه شحها ” الألباني/ صحيح الجامع.

فشتان بين فقر وفقر…

شتان بين من غناه في قلبه ومن غناه في بطنه.

بون شاسع بين الفقر في المظهر والفقر في المخبر،

نعم، فرق كبير يا ابن آدم بين الصورة والجوهر..

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق