مقالات رأي

أيهما أولى بالاهتمام: العنف أو العنف ضد المرأة ؟‎ – حسن المرابطي

“حيثما وُجد العنف فلا دليل، حيثما وجد الدليل فلا عنف، حيثما وجد العنف فلا حوار، حيثما وجد الحوار فلا عنف، لا فلسفة حيث يوجد العنف، ولا عنف حيث توجد الفلسفة” هذا ما قاله الفيلسوف الكبير د. طه عبد الرحمن عندما تحدث عن العنف وأراد معالجته.

 انطلاقا مما أثاره الفيلسوف طه عبد الرحمن وتفاعلا مع الحديث الحاصل حول العنف ضد المرأة بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة العنف ضد المرأة، تم عقد العزم على الاشارة الى بعض الجوانب التي تُغفل سهوا أو عمدا  عند التطرق في وسائل الإعلام  أو على مستوى الملتقيات المنظمة من طرف المنظمات النسائية والحقوقية، خصوصا بعدما تبين أن العنف والحديث عنه يقتصر على نوع محدد دون ربطه بالعنف الممارس على جميع المستويات لتحديد تشخيص شامل وعام يكون البداية للوصول إلى الحل وسبل القضاء على العنف سواء تعلق بالمرأة أو الإنسان بشكل عام. وهذه المحاولة المتواضعة المخصصة للحديث عن موضوع الساعة ستكون مختصرة ومعتمدة على بعض المفاهيم حسب ما أخذ به الفيلسوف طه عبد الرحمن، بيد أن المقام لا يسمح التطرق لجميع الجوانب بشكل تفصيلي وحسبنا في ذلك توظيفها توظيفا يناسب المقام والمقال. 

إن دراسة العنف تقتضي من الناحية المنهجية الوقوف على المفهوم بداية، حتى إن وُفي القدر الكافي تم الانتقال إلى أسبابه ليتم في الأخير دراسة العالم الذي ينتشر فيه العنف، وذلك للإحاطة بجميع جوانبه الأساسية والتي تكون سببا في تفكيك الظاهرة بالشكل السليم لتقديم العلاج المناسب وعدم الوقوع في ما نريد محاربته. وبما أن المقام لا يسمح بكثير من التفصيل، فإنه سيكتفي بالإشارة فقط للمساهمة في تجويد النقاش حتى لا يظن المتتبع أن الموقف من العنف يقتضي بالضرورة سلك نهجا معينا في التصدي له محصورا في مجالات معينة كما يراد التسويق له.

ساد عندنا أن استعمال القوة من أي جانب كان يعتبر عنفا حتى صار العنف أشكالا لا تنعد وأقدار لا تنحد وهذا عليه اعتراض كما يقول طه عبد الرحمن، لأن العنف والقوة شيئان مختلفان بل متضادان، ذلك أن القوة تكون متى لُزم منهج العدل والعنف عند الحياد عنه، بل إن العنف مرتبط بعدم الانضباط ومخالفة القوانين وتعدي الحدود واندفاع غير عاقل عكس القوة التي تكون منضبطة متوافقة مع القوانين ملتزمة الحدود، ليتحصل في النهاية عندنا تحديد خاصيتين للعنف هما الظلم والجهل. وبهذا يكون التعريف المجمل للعنف حسب الفيلسوف طه هو ” العنف إيذاء ناشئ عن ظلم وجهل”

إن اعتبار الجهل والظلم خاصيتين مميزتين للعنف محددتين لتعريفه، يأخذنا للانتقال إلى أسبابه. أكيد أن الأسباب المؤدية للعنف متعددة ويأتي فقد الحوار والأخلاق وحب التسلط في الصدارة، ذلك أن الحوار هو طريق الوصول إلى الحق باعتباره روح العقلانية النافعة لتعدد السبل الموصلة إليه، وإن الأخلاق هي الميزة التي يختص بها الإنسان وفقدها أو إهمالها يوصل الى مستويات لا إنسانية بل أقل من البهيمية، وحسبنا في ذلك التأمل في قول الله عز وجل: ” أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا”، ويبقى لنا الإشارة إلى السبب الثالث المتمثل في حب التسلط لنخصص له فقرة خاصة.

إن التسلط قائم في البشر منذ أن تسلط قابيل على هابيل فسفك دمه بغير حق كما يقول طه عبد الرحمن، لكن إمكان إزالة التسلط من النفوس  ليس محالا حتى لو أثبت الواقع استحالته، لذا وجب تخفيفه على الأقل لأن الإنسان أقدر على التغيير وإيقاف مسلسل العنف. والعنيف بقدر ما يزعم أداء الأمانة يخونها وبقدر ما يزعم محو الجهل يثبته وكذلك مع دفع الظلم ليقع في جلبه. بل إن الاستئثار بملكية الحق دون غيره تجعله يسطو ويتملك الآخر بسبب الإسراف في التملك ما ينتج العنف في أبشع صوره إما تعذيبا أو قتلا أو سجنا وغير ذلك. بهذا نتساءل جميعا عن سبب التسلط المؤدي إلى العنف وسنة التغيير هي التي تحكم عالمنا؟

  إن اليأس الذي يصيب الإنسان مع إغفال سنة التغيير كفيلة بالالتجاء إلى العنف، لأن الإنسان اليائس لا يأتي منه خير ومصيره الخسران كما أكد الفيلسوف طه، بدل طلب التغيير والتفكير في طرق غير عنيفة تمكنه من التغيير، يبقى حب التسلط والاتصاف بالجهل والاستعجال تحول دون ذلك بل تعمي البصيرة. وهذا يأخذنا للحديث عن عالم العنف محددين صفاته الأربع كما قال الفيلسوف طه:

  • عالم تنتشر فيه المصالح المادية بإطلاق، وتنعدم فيه الأخلاق، إلا ما كان خادما لهذه المصالح،
  • عالم يسوده التنازع بإطلاق،
  • عالم منافق بإطلاق،
  • عالم ينتهي بالهلاك حربا.

لذا، عالم العنف يمكن إدراج ضمنه جميع الأنواع لكونه يتعلق بالإنسان، وما العنف الممارس ضد المرأة إلا جزء يسير إن قارناه بما يقع في الكون من عنف، ما يعني أيضا أن ما يحكم عالم العنف يجري على العنف الممارس ضد المرأة، رغم انتشار خطاب إعلامي يسعى دائما لفصله عن العنف وعالمه وإعطائه فلسفة أخرى لإثبات وجود صراع بين المرأة والرجل، إما قصدا، أو غفلة منهم. متناسين أن العنف يأخذ أشكالا مختلفة منها ما هو مادي يبدو لكل ناظر ومعنوي يخفى على الكثير، ما يجعل العنف في نظرهم يمارس على المرأة لكونها امرأة ولأن الرجل يبقى المُعنِف في جميع الحالات، كما يستبعدون تعرضه للتعنيف من المرأة. لكن المنطق السليم يستلزم النظر من جميع الزوايا واحتمال جميع الإمكانات، حتى إن وصل بنا  الأمر احتمال تعرض الرجل للعنف من المرأة ولو بدا غير مقبولا، وأن العنف الصادر منه هو ردة فعل على عنف سابق ومحاولة لتقويمه لكن بسلك طريق العنف، لاسيما أننا نعلم بأن الإنسان المتسلط المتصف بالجهل والظلم يكون يائسا فلا يرى إلا استعمال الإيذاء عن جهل وظلم، بل يكفي من كون عالم العنف يتصف بالتنازع وينتهي بالهلاك حربا.

إن التركيز على العنف الممارس ضد المرأة وحصر الصراع بين الجنسين أصالة، غلّب مقاربة المقاومة بدل مقاربة التغيير، بل أصبح العنف يدفع بالعنف وعلى الفور، ما يجعل مسلسل العنف مستمر، لأن الطريق المتبع غير قادر على إزالة العنف من النفوس حتى إن نجح في إزالته ظاهريا بالقوانين والأوامر التقليدية، ولعل العنف الظاهر في تزايد ناهيك عن العنف الخفي رغم كل الإجراءات والقوانين والخطابات الرنانة.

ختاما، لكل ما سبق ومحاولة المساهمة في إيجاد الحل ودفع العنف المؤذي للإنسان، نعرض نظرة الفيلسوف طه عبد الرحمن والتي تضمنت طرقا ثلاث تم استنباطها من القرآن الكريم، حيث اعتبرها طرق ليست من رتبة واحدة، أدناها المجادلة وأوسطها الموعظة وأعلاها الحكمة، كما  أشار إلى أن أعلى هذه الرتب يتضمن أدناها. ليكون بذلك مهمة المجادلة الحسنة دفع الاعتقاد بأن الصواب في خيار العنف والموعظة الحسنة في دفع مظاهر العنف والحكمة العملية في دفع قابلية العنف. ليتحصل التغيير وتحقيق الصور الأخلاقية للعنيف الآتية:

1 – نقله من الشعور بأنه مالك لنفسه إلى الشعور بأنه مؤتمن عليه،

2 – نقله من الشعور بكونه سيدا على سواه إلى الشعور بكونه عبدا لمولاه،

3 – نقله من الشعور بأنه مسلم مخالف لغيره إلى الشعور بأنه إنسان أخ للإنسان،

4 – نقله من منازعة غيره إلى منازعته لنفسه،

5 – نقله من مواجهة العالم بالأوامر إلى مواجهته بالأخلاق،

6 – نقله من النظر الأشيائي (النظر الذي يجمد على ظاهر الأشياء جموده على ظاهر النصوص) إلى النظر الاسمائي(النظر الذي يتعدى ظاهر الأشياء إلى معانيها).

ومتى تحقق لنا هذا، اجتنبنا العنف وجميع صوره، وتجاوزنا التفرقة بين صور العنف، ومحاولة معالجتهم بشكل فردي ينم عن قصور في إدراك كنه العنف، وهذا يظهر جليا في الحديث المنتشر عن العنف ضد المرأة والذي يتهم فيه الرجل فقط، متناسين أن المرأة تحمل من حب التسلط والجهل ما يكفي لدخولها عالم العنف المتسم بالتنازع والهلاك والنفاق والمصالح  مثلها مثل الرجل. الأمر الذي يدعونا جميعا لإعادة النظر في كل السبل والطرق المعتمدة لإثبات عدم جدواها والتسلح بطرق أكثر قوة وفاعلية ولعل الفيلسوف طه عبد الرحمن سهل الطريق، وما علينا إلا الاطلاع على مشروعه الفكري لاسيما الكتب المهتمة بكل ما له علاقة بالعنف: أصول الحوار وتجديد علم الكلام، روح الدين، سؤال العنف، الحوار أفقا للفكر، حوارات من أجل المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق