ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة
"اَلتَّوْحِيدُ أَسَاسُ الْإِيمَانِ وَأَصْلُ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،
كما كان متوقعا عادت خطبة الجمعة ليوم 04 جمادى الأولى 1448هـ الموافق لـ 16/10/2026م إلى موضوع الحياة الطيبة وشروط تحققها، الذي سبق أن تناولته خطب موحدة منذ سنتين، فكان أول شرط تناولته هو الإيمان “اَلتَّوْحِيدُ أَسَاسُ الْإِيمَانِ وَأَصْلُ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ”، إلا أنه لا جديد في الموضوع يذكر ، ولا شيء يشد الانتباه في طريقة تناوله وعرضه.
ملاحظات على الخطبة:
1- يبدو أن منهج واضعي الخطب الموحدة يميل إلى تقديم النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن أكثر من مواجهة المستمع بالفجوة بين ذلك النموذج وواقعه.
ولذلك فالخطبة ينقصها منهج التحليل، تحليل النصوص وربطها بواقع تدين الناس، وكيف يرتقي الناس إلى الإيمان المطلوب؟ وما هي معيقاته؟ وما هي معيناته؟ كما خلت الخطبة من ذكر النماذج الحسنة التي يقتدى بها.
إن وضوح الرسالة التربوية في خطبة الجمعة تعني أن تكون رسالتها محددة، ومُوَجِّهة للواقع، وتخاطب عقول المصلين وقلوبهم بأسلوب عملي ومباشر، عندها تكون أكبر معين لهم على الالتزام بها.
2- ورد في الخطبة “وهذا متوقف على تحقيق معنى قوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُۥ﴾، ونفي الشـرك هنا يتناول كل أنواع الشـرك، وأخطرها على الإنسان تأليه نفسه وركوب أنانيته وكبريائه.”
على خلاف ما ذكرته الخطبة فإن أخطر أنواع الشرك بالله ليس هو “تأليه نفسه وركوب أنانيته وكبريائه” وإنما هو الشرك الأكبر، الذي يُعتبر أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولا يغفره الله لمن مات عليه دون توبة، ويحبط جميع الأعمال ويوجب الخلود في النار. قال تعالى: {اِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُۖ وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ اِ۪فْتَر۪يٰٓ إِثْماً عَظِيماًۖ } النساء الآية: 47.
والوصية بالتوحيد وملازمته أمر بالغ الأهمية، لكن غاب في الخطبة ذكر بعض الممارسات التي تنافي التوحيد ويقع فيها البعض مثل:
- شرك العبادة والدعاء؛ وهو صرف الدعاء أو الاستغاثة أو طلب الحوائج وكشف الضر من الموتى أو الغائبين، وهو أصل الشرك في الناس.
- شرك الطاعة والاتباع والتشريع؛ وهو مساواة غير الله بالله تعالى في الحكم والتحليل والتحريم، كأن يطيع الإنسان المخلوق في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله معتقداً جواز ذلك أو مقدماً حكمه على شرع الله.
- فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لِي: «يَا عَدِيٌّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» قَالَ: فَطَرَحْتُهُ، وَقَالَ: وَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ؟ فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، وُيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَعْمِلُونَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ» [1]
- ظاهرة الذبح والنذر تقرباً لغير الله عز وجل، أو لأصحاب الأضرحة، سواء بقصد التبرك أو لدفع البلاء، وهو عمل محرم ومناف للتوحيد.
3- إن الارتقاء بخطبة الجمعة شكلاً ومضموناً يعد ضرورة ملحة في العصر الحالي، نظرا لأن الخطبة تمثل وسيلة توجيهية وإعلامية أسبوعية تجمع المسلمين على اختلاف ثقافاتهم، مما يتطلب تجديدها والابتعاد عن المواضيع المكررة لتواكب قضايا العصر وتلامس واقع الناس اليومي.
قال ابن القيم في بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: ” وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه.”[2]
ومن الطرائف ما نشرته إحدى الجرائد الوطنية في ثمانينيات القرن الماضي، أن أحد الأساتذة كان يشاهد البرنامج الديني “ركن المفتي” وبرفقته صديق فرنسي، فكان هذا الأخير يطلب منه ترجمة الأسئلة والأجوبة الواردة في البرنامج، ولما انتهى من ذلك علق الفرنسي قائلا: هل أنتم حديثو عهد بالإسلام؟ لأنه اعتبر أن ما طرح من الأسئلة الدينية البسيطة خاص بالمسلمين الجدد، وليس لأمة مضى على إسلامها قرون عديدة. وإلى يوم الناس هذا لا زالت نفس تلك الأسئلة تتكرر.
4- ما فتئت خطة تسديد التبليغ والخطب الموحدة تبشر الناس بالحياة الطيبة، فتتحدث مثلا عن القناعة والرضى كخلقين عظيمين، إلا أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين القناعة والرضا كقيمتين إيجابيتين، وبين تحويلهما إلى “خطاب تخديري” يُستخدم لتبرير الاستسلام أو القبول بالظلم الاجتماعي والاقتصادي، فلا حياة طيبة بدون كرامة إنسانية.
و الخطاب الوعظي في الخطبة الموحدة، في كثير من تجلياته، يغلب عليه نزوع واضح نحو التزهيد في الحياة، وإماتة اللذة والاستمتاع بما أحل الله، والنظر إلى متع الدنيا بوصفها تفتن في الدين أو تضعف الإيمان، وفي المقابل يتم التركيز على أن التعويض الحقيقي يكون في الآخرة في الجنة وثوابها المؤجل.
هذا الخطاب الوعظي الذي يكرّس زهد الفقراء بينما يتغاضى عن بذخ الأغنياء والمترفين يعكس انحرافاً عميقا للوظيفة الأخلاقية للدين؛ حيث يتم توظيف مفاهيم الصبر والقناعة لتخدير العامة، مقابل إسبال غطاء شرعي أو تبرير غير مباشر لثروات النخب الحاكمة.
والحمد لله رب العالمين
***
[1] – سنن الترمذي.
[2] – زاد المعاد في هدي خير العباد، 1/179.





