د مصطفى قرطاح يكتب: اسم ” الفرقان” – الحلقة السادسة

سمى الله تعالى كتابه باسم الفرقان، وجاء ذلك صريحا في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان:1]، والفرقان: «مصدر فَرَّق بين الشيئين إذا فصل بينهما»[1]، وقيل:« هو اسم لا مصدر»[2]. والفرقان « أبلغ من الفَرْقِ، لأنه يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل، وتقديره كتقدير: رجل قنعان: يُقْنَعُ به في الحكم»[3].
وفي إطلاق اسم “الفرقان” على القرآن الكريم وجهان:
ــــــ أحدهما: أنه «يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول»[4]،
ـــــــ والثاني: «لأن نزوله كان متفرقا؛ أنزله في نيف وعشرين سنة، ودليله قوله تعالى: ﴿ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ [الإسراء: 106] ونزلت سائر الكتب جملة واحدة»[5]، وقد بين الله تعالى الحكمة من ذلك حين رد على المشركين قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، فقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:32 ـ 33]. ووجه الجمع بين الوجهين أن تفرقة القرآن الكريم بين الحق والباطل تمت من جهة خطابه؛ إذ هو القول الفصل، ومن جهة كيفية تنزيله؛ إذ كلما رفع باطل رأسه خلال فترة الوحي أرسل عليه صاعقة من الحق، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ [الأنبياء: 18] ، وبهذا تكامل الوجهان فلا حاجة للترجيح بينهما. ويشهد لهذا الجمع قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، أي أن القرآن ظل في تنزله المفرق يتتبع الباطل فيدحضه، قال ابن كثير: ولا يأتونك «بحجة وشبهة {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}؛ أي: ولا يقولون قولًا يعارضون به الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم»[6].
والفرقان بهذا المعنى كما يطلق على القرآن بمجموعه يطلق كذلك على بعضه، وهذا ما يفسر إضافة الفرقان إلى القرآن في بعض الآيات من كلام الله تعالى؛ كما في قوله سبحانه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [ آل عمران: 3 ـ 4]، فالمراد بالكتاب في الآية هو القرآن، والفرقان هو « القول الفَصْل بين الحقِّ والباطلِ فيما اختلَفتْ فيه الأحزابُ وأهلُ المِلَلِ في أمرِ عيسى وغيرِه»[7]، وقد رجح الطبري هذا الوجه من التفسير، ونسبه إلى محمد بن جعفر بن الزبير، وعارض به تفسير قتادة والربيع؛ إذ ذهبا إلى أن المراد بالفرقان في الآية «هو القرآنُ، أنزَله على محمدٍ، وفرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ»، ويعنيان القرآن بمجموعه. قال الطبري: «وإنما قلْنا: هذا القولُ (لمحمد بن جعفر بن الزبير) أوْلَى بالصوابِ؛ لأن إخبارَ اللهِ عن تنزيلِه القرآنَ قبلَ إخبارِه عن تنزيلِه التوراةَ والإنجيلَ في هذه الآيةِ، قد مضَى بقولِه:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، ولا شكَّ أن ذلك الكتابَ هو القرآنُ لا غيرُه، فلا وَجْهَ لتكريرِه مَرَّةً أخرى، إذ لا فائدةَ في تكريرِه» [8].
ومثله أيضا في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، فقوله: “والفرقان” عطف على “الهدى”، وكلاهما عائد على “البينات”، وهي حال من “القرآن”، فكون “الفرقان” عائدا على “البينات” يدل على أنه ليس المراد به في هذا السياق القرآن كله بل بعضه. قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «والمراد بالهدى الأول ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير من الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية»[9].
[1]ـ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري محمود بن عمر بن أحمد (ت 538 هـ) ج 3، ص 262
ـ المفردات في غريب القرآن، ص633.[2]
[3] ـ المفردات، (ص633.
[4]ـ فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب،ج 2، ص261.
[5] ـ الرازي، مفاتيح الغيب، ج 2، ص 261.
[6] ـ تفسير القرآن العظيم، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (701 – 774 هـ)، ج 5، ص 593.
[8] ـ «تفسير الطبري» (5/ 183 ـ 184)
[9] ـ التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، ج 2ص: 173.





