تجريم الإثراء غير المشروع بين مطالب مكافحة الفساد ومخاوف الاستغلال

عاد ملف تجريم الإثراء غير المشروع إلى صدارة النقاش العمومي في المغرب، بعدما جعلته الحكومة ضمن التزاماتها لمكافحة الفساد. فبينما يراه المدافعون عن الشفافية أداة ضرورية لكسر الإفلات من العقاب، ويحذّر البعض من استغلاله وتحويله إلى أداة للضغط أو للمساس بقرينة البراءة.
يقوم مفهوم الإثراء غير المشروع على مساءلة المسؤول أو الموظف العمومي إذا ظهرت زيادة ضخمة وغير مبررة في ذمته المالية، لا تتناسب مع دخله المشروع ولا يستطيع تفسير مصدرها.
وترى منظمات مكافحة الفساد مثل ترانسبرانسي المغرب وجمعيات حماية المال العام أن هذه الجريمة تكشف نتائج الفساد التي لا تظهر دائما عبر دليل مباشر على رشوة أو اختلاس، مثل التواطؤ والسرية واستغلال النفوذ.
وقد طالبت “ترانسبارنسي المغرب” الحكومة بإحالة مشروع قانون لتجريم الإثراء غير المشروع، واعتباره مطلبا مجتمعيا ملحا وآلية لتعزيز النزاهة والوفاء بالتزامات المغرب بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
كما أن مؤسسة دستورية هي الهيئة الوطنية للنزاهة تنبه إلى إصلاحات مؤجلة منها تجريم الإثراء غير المشروع. وتشير إلى غياب إطار تشريعي لتنازع المصالح، وعدم إصلاح منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات.
وأكد تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة لسنة 2025 أن تأخر تجريم الإثراء غير المشروع يمثل أحد مظاهر التعثر في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ودعت إلى استكمال الإطار القانوني بما يحقق النجاعة ويحترم ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة والأمن القانوني.
لكن وزير العدل عبد اللطيف وهبي الذي سحب قوانين مكافحة الفساد من المسار البرلماني يبدي تخوفا من المشروع، متسائلا عما إذا كان الأمر يتعلق بمحاربة الفساد في إطار القانون وضماناته، أم بتحويله إلى موضوع للشعبوية والشعارات والمزايدات السياسية.
وعبر المسؤول ذاته أثناء الجلسة المخصصة للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين عن مخاوفه من منح سلطات تقديرية واسعة ومطلقة دون توفير ضمانات كافية لحماية الأفراد مستقبلا، مجددا التأكيد على أن محاربة الفساد مطلب يجمع عليه الجميع، ولا يستدعي المزايدات السياسية.
ويمثل تجريم الإثراء غير المشروع اختبارا حقيقيا للإرادة السياسية في الانتقال من خطاب مكافحة الفساد إلى مساءلة عملية. فالقانون الجيد يجب أن يجمع بين قوة الزجر، عبر المصادرة والعقوبات الفعالة، وبين ضمانات صارمة تحمي الأبرياء من الظلم والانتقاء.
وفي هذا السياق ترى حركة التوحيد والإصلاح أن المنفذ الأساسي يتمثل في ترسيخ ثقافة القرب والإنصات للمواطنين، وتبسيط المساطر الإدارية، ومحاربة مختلف أشكال الفساد والريع والاستغلال التي تمس بحقوق المواطنين وكرامتهم.
وكانت الحركة شددت في مذكرة أرسلتها للأمناء العامين للأحزاب السياسية قبيل إجراء الاتخابات التشريعية الأخيرة على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية والنزاهة.




