أخبار الجمع العامالرئيسية-مقالات رأي

الشورى عند حركة التوحيد والإصلاح بين الفكر والممارسة – د. عبد العزيز الإدريسي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مـحمـد نبي المرحمة

وآله الغـر الكرام البررة وصـحبه المنتخبين الخـيرة

بمُناسَبة انعقاد الجمع العام الثّامن لحركة التوحيد والإصلاح أيام 23-24-25 أكتوبر 2026م، نستحضر قيمةً مركزية من منظُومة القيم القرآنية، ومبدأً أسَاسيا من مبادئ الحركة السِّتة الواردة في “الميثاق”، وهي:

  • المبدأ الأول: ابتغاء وجْه الله والدّار الآخرة
  • المبدأ الثاني: المرجعية العُليا للكتاب والسنة
  • المبدأ الثالث: الإسلام هو الهُدى
  • المبدأ الرابع: الدَّعوة إلى الله تعالى
  • المبدأ الخامس: الحُرية والشُّورى
  • المبدأ السادس: العمَل المؤسساتي

نستحضرُ مبدأ الشُّورى في التجربة الإصلاحية للحركة: كسبا فكريا وتنظيميا؛ باعتبارها قيمة محورية تؤطر فكر الحركة، وآلية تنظيمية من آليات الانتخاب واتخاذ القرار في جميع هياكل الحركة ومؤسساتها من الجمع العام الوطني إلى المجلس التربوي.

فإلى أي حدٍّ استطاعت الحركة تحويل مبدأ الشُّورى من أصْل شرعي نَظري إلى ممارسة مؤسسية مُلزمة؟ وكيف أصلَّت الحركة لمبدأ الشورى؟ وما حدود التَّوفيق بين المرجعية الفكرية والإكراهات التنظيمية؟ وما الفرق بين تصور الحركة للشورى الملزمَة والشورى الـمـُعلِمة؟ وما هي الآليات المؤسساتية والقانونية التي حولت بها الحركة الشورى من قيمة أخلاقية إلى قانون ملزم (الجمع العام الوطني والجموع الجهوية والإقليمية، مجلس الشورى، اللقاءات التنظيمية للجان والأقسام..)؟

صورة تجمع رؤساء الحركة من اليمين إلى اليسار: أحمد الرَّيسوني- محمد الحمْداوي- عبد الرحيم شِيخي- أوس رمَّال

إن الشّورى عند الحركة ليست شعارا مناسباتيا، بل هي مبدأ من مبادئها الستة، التي تأسست عليه، حيث أجمعت قيادة الحركة إبَّان الوحدة المباركة على المبدأ المنهاجي: “الرأي حرٌّ والقَرار مُلزم” وهذا تجلٍّ من تجليات الشّورى في الكَسب الفكري والتنظيمي للحركة، وبهذه المقاربة الشُّورية تدبر الحركة شؤونها وتدير أمورها وتتخذ قراراتها، فجعلتها مُمأسَسة ومُلزمة في وثائقها ومقرَّراتها.

  • الشورى في الكسب الفكري للحركة

 بالرجوع إلى “الميثاق” والذي يُعتبر دستور الحركة و وثيقتها المرجعية، في الصفحة 32 نجد ما نصه:” ونقصد بالشّورى ذلك الخلق الإسلامي الذي يقابل الاستبداد بالرأي والإعجاب به، فقد كانت الشورى خلق الأنبياء، كما كان الاستبداد خلق الجبابرة والطغاة. وليس للشورى مجال واحد، بل مجالاتها هي الحياة. فالله تعالى علمنا أن نحسم تدافع الإقدام والإحجام في مواقف الحياة باستخارة الخالق واستشارة الخلق. ولو كان أحد مستغنيا عن الشورى لكان الرسول ﷺ، فإنه كان مؤيدا بالوحي، وكان على غاية الفطنة والعقل وسداد الرأي، ومع ذلك لم يكن أحد أكثر استشارة لأصحابه منه. وقد أقره الوحي على ذلك، وأمره أن يستمر فيه، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. كما كان الرسول ﷺ يستشير في أمور البيت والأسرة والسياسة والحرب والمال والاقتصاد والطب والعلاج.. وغير ذلك. وكان التشاور ميزة الجماعة المسلمة كلها؛ فقد مدح الله تعالى المسلمين في مكة قبل أن يهاجروا بأن أمرهم شورى بينهم، والأمر هنا عام يشمل كل أمر مشترك يحتاجون فيه إلى رأي يعتمد، أو قرار يتخذ.

وفائدة الشورى في الأمور الخاصة والعامة أنها تجمع العقول القادرة على الاجتهاد للمسألة المعروضة، ولن تعدم الرأي الصواب باجتماعها وتداولها للرأي. كما أنه يحصل الاطمئنان للرأي الذي أسفر عنه التشاور، سواء كان تصورا فكرا أو فتوى فقهية أو قرارا عمليا. ولكي تكون الشورى إيجابية نافعة لابد أن تقترن بها أخلاقها المذكورة في الآية السابقة من سورة آل عمران: فتجب العناية بهاته الأخلاق لأنها تمثل الجانب الإنساني الذي يتكامل مع الجانب الإداري المتمثل في المساطر المنظمة للشورى والإجراءات التي تيسرها.”

إن هذا النص-رغم طوله- يؤصل لركن الشورى في فكر الحركة باعتباره أمرا قرآنيا وليست مجرد آلية إجرائية، فالقرآن العظيم قَرَن الشورى بصفات المجتمع المؤمن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، والأمر بالشورى في هذه الآية توسَّط الأمر بالصلاة والزكاة بخلاف باقي الآيات التي تجمع بين الصلاة والزكاة.

 ودلالة هذه الآية أن الشورى ليست حالة عارضة بل هي صفة ملازمة لجماعة المؤمنين في أمرهم العام والخاص، ويعضد هذا قوله تعالى مخاطبا النبي ﷺ وهو المعصوم المؤيد بالوحي: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾، وقد فسر الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى هذه الآية بأن المشاورة مقصودة لذاتها لتربية الأمة على المسؤولية.

ولقد صاغتْ الحركة مفهومها للشّورى ضمن مشروعها الإصلاحي الذي يتبنى الوسطية والاجتهاد المقاصدي والنّظر التجديدي، وشكلت كتابات ومحاضرات قادتها ومفكريها المتن الفكري الذي كان أساسا ومنطلقا للممارسة الشورية الراشدة، وعلى رأس هؤلاء نجد الدكتور العلّامة أحمد الريسوني -حفظه الله- أول رئيس للحركة في كتابه: “الشورى في معركة البناء”، فالشورى عنده ليست ديمقراطية غربية مستوردة، ولا هي مجرد معلمة تاريخية، بل هي مبدأ إسلامي أصيل يتقاطع مع الديمقراطية في الآليات ويتميز عنها في المرجعية.

فالمرجعية في فكر الحركة هي الإسلام بمقاصده الكبرى، والآلية هي الشورى الملزمة، وتقوم نظرية الشورى عند الحركة على ركيزتين:

الأولى: أن الأصل في الشورى الإلزام لا الإعلام في قرارات الهياكل ومخرجات المؤسسات.

الثانية: أن الشورى تشمل كل مجالات العمل الحركة الدعوية والتربوية والعلمية والتكوينية والشبابية والتخصصات…، ولا تقتصر على جانب من الجوانب، لأن الحركة حركة دعوية إصلاحية شاملة، فكل قرار يهم الحركة ومؤسساتها يجب أن يخضع للتشاور.

  • التنزيل التنظيمي للشورى في هياكل الحركة ومؤسساتها

انتقلتِ الحركة من التّنظير والتأصيل لمبدأ الشُّورى إلى الممارسة الممأسَسَة عبر تحويل الشورى إلى آلية تنظيمية ملزمة، فالنظام الأساسي للحركة ينص على أن أعلى هيئة تقريرية وهي الجمع العام الوطني الذي ينتخب رئيس الحركة ونائبيه وأعضاء المكتب التّنفيذي ومجلس الشورى ومنسقه العام، لا يتم ذلك إلا عبر محطات انتخابية شُورية يكون فيها التداول الحر في التعبير عن الآراء والتّصويت السِّري.

 وكذلكَ الجُموع الجهوية والإقليمية يَسري عليها ما يسري على القيادة الوطنية، بل إن قرارات الهيئات بدأً من المكتب التّنفيذي إلى المجلس التربوي لا تصبح نافذة إلا إذا كانت منبثقة من مداولات شورية ونقاش مستفيض، ولا يصبح القرار نافذا إلا إذا حاز الأغلبية أو الاجماع.

ومما أذكره كشاهد عيان ومتتبع من الميدان في الجمع الوطني الرابع بمدينة الرباط من16 إلى 18 يوليوز 2010 ، أن  ضيوف  الجمع  العام  من خارج المغرب وهم طائفة من قيادات العمل الإسلامي تضم علماء  ودعاة ومثقفين ومفكرين من  مختلف  البلدان حضروا  جلسة  انتخاب  رئيس  الحركة ، حيث  عبروا  عن  تقديرهم  بل إعجابهم  بالتنزيل  الراشد  والفعال  لمبدأ  الشورى  ترشيحا  وتداولا  وتصويتا وانتخابا، فلا  وصاية  ولا  تدليس ولا  كولسة، حيث تم  انتخاب  المهندس محمد الحمداوي،  وهو  الأمر  الذي وقع  في  الجمعين  العامين  الوطنيين الخامس سنة 2014م  والسادس2018 عند انتخاب المهندس عبد الرحيم شيخي، وفي الجمع  العام الوطني  السابع عند انتخاب الدكتور أوس رمّال سنة 2022م، وهذا  الذي  راكمته  الحركة  منذ انتخاب الدكتور  أحمد الريسوني رئيسا  للحركة  سنة  1996.

في غُضون ثلاثين سنة انتخبت الحركة أربعة رؤساء تولوا قيادتها، وهذا التداول السلمي على رئاسة الحركة ثمرة مبدأ تحديد الولايات، بحيث لا يجوز لرئيس الحركة أن يتولى أكثر من ولايتين متتاليتين، وينطبق نفس المبدأ على مسؤولي الجهات والأقاليم، فالمسؤولية في فكر الحركة لا تثبت إلا عبر اختيار شورى حر ونزيه، وليس بالتعيين أو التّزكية.

  • الشورى باعتبارها ممارسة تربوية وقيمة أخلاقية

لا تختزلُ الحركة الشورى في الانتخابات والجموع العامة واللقاءات التنظيمية، بل تجعلها قيمة أخلاقية وممارسة تربوية يومية، فالعضو منذ التحاقه بالجلسة التربوية يتدرب على آداب الشورى: الاستماع والانصات، وحسن الظن، وعدم المقاطعة، والحوار، وقواعد تدبير الاختلاف وتقديم المصلحة العامة على الرأي الشخصي، والالتزام برأي الأغلبية وإن خالف رأيه. وهذا مستمد من القاعدة: “الرأي حرٌّ والقَرار مُلزم”.

ولذلك لا يكون الالتزام بالشورى مسألة تنظيمية فقط، بل هو التزام أخلاقي وسلوك تربوي إرادي واختياري، يستصحبه العضو في مناشط حياته الاجتماعية، بحيث ربطت الحركة مبدأ “الشورى” بمبدأ  “الحرية” لأن:” طريق الدعوة والإصلاح يريد أناسا أحرارا ينطلقون في هذه السبيل على بصيرة من إيمانهم وقناعتهم، وبِزَادٍ من همتهم وتوكلهم؛ فليس كالحرية باعثا للهمم، وفاتحا لآفاق العطاء والبذل. حتى إذا تباينت الآراء وتفاوتت الفهوم واختفلت القابليات والميول؛ جاءت الشورى وِجاءاً وكِفاء، وكانت رداء وغطاء، وأخرجت من عالم الإمكان إلى عالم الكون إمكانات نظرية وعملية، تسدد السير، وتؤيد المسير. وكما أننا نرى الحرية لازمة، فإننا نرى الشورى مُلْزمة، لا نقتصر فيها على محض استئناس وإعلام، بل نرقى بفعلنا الشوري إلى مستوى القوة والإلزام”.(الميثاق).

خُلاصة القول، إن الكَسب الفكري والتنظيمي للحركة في تأصيل قيمية الشورى وتنزيلها، يقدم نموذجا متقدما للاجتهاد الحضاري المتوازن؛ من جهة الكسب الفكري، استطاعت الحركة أن تخرِج الشورى من الجدل الفقهي التاريخي حول هل هي ملزمة أم معلمة؟ إلى مستوى القيمة الحاكمة والمبدأ الأخلاقي والتربوي، فقررت بوضوح أن الشورى الملزمة هي الأصل في بناء القرار الجماعي، وأن الشورى المعلِمة استثناء.

من جهة الكسب التنظيمي، حولت هذا التأصيل إلى مؤسسات ومساطر: فجعلت الجمع العام أعلى هيئة تقريرية ملزمة للقيادة التنفيذية، وكرست قاعدة ” الرأي حرٌّ والقَرار مُلزم “، وضمنتْ حق الجميع في التعبير والاختلاف، مما حقق التوازن الدقيق بين حرية الرأي وانضباط التنظيم، وبرهن على أن الشورى ليست شعارا فارغا، بل مبدأ قرآني وخلق إسلامي قابلة للتنزيل والتفعيل، يحمي المؤسسة من آفتي الاستبداد ومن الفوضى في آن واحد.

أخبار / مقالات ذات صلة