التواج يكتب: وقفات تربوية مع دعاء ليلة القدر

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: ” قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي “.

تخريج الحديث:

– سنن الترمذي، بَابُ جَامِعِ الدَّعَوَاتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

– سنن ابن ماجه، باب الدعاء بالعفو والعافية.

– المستدرك على الصحيحين، كتاب الدعاء.

– سلسلة  الأحاديث الصحيحة(7/ 1011 – 1012)،

وقد صححه بمجموع طرقه جماعة من أهل العلم :

– الترمذي في السنن(5/499).

 -الحاكم في المستدرك(1/530).

-النووي في الأذكار(317).

-ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين(4/229).

تمهيد:

مِن عظيمِ مِنَنِ اللهِ تعالى على أُمَّةِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ جعَلَ لها في أيَّامِ دَهْرِها نَفحاتٍ؛ لِيَتعرَّضوا لها، ولِيَفوزوا فيها بعطايَا مِن اللهِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ “[1] ومِن تلك النَّفَحاتِ الجليلاتِ ليلةُ القدْرِ التي هي خيرٌ مِن ألْفِ شَهرٍ، كما أخبَرَ اللهُ تعالى في كتابِه العزيز.

وفي هذا الحديثِ أنَّ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها سألَتْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن لَيلةِ القَدْرِ، فقالتْ: “إنْ وافَقْتُها، “فبِمَ أدْعو؟” أي: ما يَفضُلُ مِن الدُّعاءِ في تلك اللَّيلةِ؟ فأرشَدَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى أفضَلِ أنواعِ الدُّعاءِ في تلك اللَّيلةِ.

وجاء هذا الدعاء النبوي سهلا في لفظه واضحا في معناه، من غير سجع ولا تكلف، قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ».[2]

– شرح المفردات:

قولها: “أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ”: وهي لا تقصد العلم المسبق بليلة القدر، كما دلت عليه رواية: إن وافقت، وفي رواية: إن أدركت. والموافقة تحصلُ لكل أحد قام هذه الليلة. وقد سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَتْ: «لَا أَدْرِي أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةٌ الْقَدْرِ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا الْعَافِيَةَ».[3]

قوله:” اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ”:  العَفُوُّ اسم من أسماء الله تعالى. قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي مَعْنَى الْعَفُوِّ: (إِنَّهُ الْوَاضِعُ عَنْ عِبَادِهِ تَبِعَاتِ خَطَايَاهُمْ وَآثَامِهِمْ، فَلَا يَسْتَوْفِيهَا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ إِذَا تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا، أَوْ تَرَكُوا لِوَجْهِهِ أَعْظَمَ مَا فَعَلُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهُمْ مَا فَعَلُوا بِمَا تَرَكُوا، أَوْ بِشَفَاعَةِ مَنْ يَشْفَعُ لَهُمْ، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ كَرَامَةً لِذِي حُرْمَةٍ لَهُمْ بِهِ وَجَزَاءً لَهُ بِعَمَلِهِ)[4] 

قوله: “تُحِبُّ الْعَفْوَ”:أي أن اللَّه تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب من عباده أن يتعبَّدوه بها، والعمل بمقتضاها وبمضامينها .والعفو يتضمن معنيين:

المعنى الأول: أنه الذي يعفو عن السيئات بمحوها، والتجاوز عنها، وعدم المؤاخذة بها.

أما المعنى الثاني الذي يتضمنه معنى العفو فهو: أنه جلَّ في علاه يستر على المذنب، فلا يطلع عليه أحدا، وهذا من جميل كرمه أنه لا يفضح بها؛ بل يستر على عبده، وهذا زيادة فضل، ومزيد إنعام على العبد ليترك له فرصة للتوبة.

قوله:” فَاعْفُ عَنِّي”أي: فتجاوز عني سَيء عَملي، والسيء من العمل هنا يشمل نوعين من الأعمال:

 النوع الأول: ترك الواجبات، فإن ترك الواجبات ذنب يتطلب عفوًا ومغفرةً.

والثاني من العمل الذي يندرج في السيئات: انتهاك الحرمات، سواءً كانت حرمة مال، أو حرمة عرض، وكل ما لا يليق من السيئات التي يرجو العبد ربه ويسأله أن يتجاوز عنه بقوله: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».

وبالجملة فإن الله تعالى إذا عفا عن الإنسان وتجاوز عن ذنوبه أصلح له شأنه كله في الدنيا والآخرة، وعافاه من عقوبات الذنوب وآثارها، وهذا يشمل العافية والمعافاة في الآخرة من النجاة.

– وقفات تربوية

في سؤال عائشة رضي الله عنها كما في إِجابة النبي صلى الله عليه وسلم لها بهذه الإجابة عدة وقفات تربوية منها:

1- أنَّ في الحديث بيانُ حِرْصِ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها على التَّعلُّمِ مِن هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعلى مَعرفةِ أبوابِ الخيرِ.

2- فيه التأكيد على أهمية الدعاء في حياة المسلم وأنه من أجل العبادات التي يلجأ بها العبد إلى الله تعالى، وقد عرف الخطابي رحمه الله الدعاء بأنه”  استدعاءُ العبدِ ربَّه عزَّ وجلَّ العنايةَ، واستمدادُه منه المعونةَ، وحقيقته: إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتبرُّؤ من الحول والقوّة، وهو سمةُ العبودية، واستشعارُ الذلَّة البشريَّة، وفيه معنى الثناء على الله عزَّ وجلَّ، وإضافة الجود والكرم إليه.” [5]

وفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الدعاء ،دون غيره في هذه الليلة المباركة، دلالة واضحة على أهميته. وعلى أن ليلة القدر هي إحدى أوقات إجابة الدعاء. كما دلّ على ذلك حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

 وتأكيدا على فضل هذا الدعاء خاصة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ، أَفْضَلَ مِنْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.”[6]

ويستفاد منه أيضا الحثُّ على الدَّعاءِ المبارك لا سيَّما في الأوقاتِ الفاضلةِ.

3- وفي الحديث أن اللَّه تعالى يحب العفوَ من عباده بعضهم عن بعض فيما يحب اللَّه العفو فيه. وهذا الأمر في غاية الأهمية، أن يكون للعبد حظّ من اسم الله «الْعَفُوُّ»  وهو تعبد الله بهذا الاسم والعمل بمقتضاه، وهو أن يعفو عن كلّ من ظلمه بل يحسن إليه كما يرى الله تعالى محسنا في الدّنيا إلى من عصوه ولم يعجل لهم بالعقوبة. كما في قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}النور. وفي قوله تعالى:{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)}آل عمران.

4- وفيه أن الدعاء بهذا اللفظ يتضمن أدبا من آداب الدعاء المهمة، وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله وبما يناسب مطلوب الداعي، ولا يخفى في تقديم التوسل باسم كريم للَّه تعالى قبل سؤاله له أهميّة جليلة في إعطاء المرجوّ منه تعالى، والإتيان بين يدي سؤال الله عز وجل بما يناسب سؤالَ وطلب الداعي من أسمائه عز وجل وصفاته، أو أن يختم دعاءه به، وهو يؤيد ويوافق قوله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ الأعراف: 180.

ولما كان مقام طلب العفو الذي هو مِن أهم ما يُطلَبُ في ليلة القدر، ناسَب أن يتقدَّمه اسم من أسماء الله عز وجل، وهو العَفُوُّ الذي يطلب منه العَفوَ عز وجل.

5- وفي الحكمة مِنْ تخصيص هذه الليلة بسؤال العفو، قال الحافظ ابن رجب: “وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر- بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر -لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصر.”[7]

ولا ينفك أحدٌ منا من خطيئةٍ تقترفها يداه؛ ولذلك في مقام طلب العفو جاء الإطناب والتفصيل؛ لأن الخطأ من العباد كثير، وفي الحديث « اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ»[8]؛ كل هذا في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في مقام طلب المغفرة لكثرة الذنوب عند الناس، وتنوعها واختلاف ألوانها. ومنها ما يعلمونه، ومنها ما لا يعلمونه، منها ما يذكرونه، ومنها ما يصدق عليه قوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾.

وفي ذلك دلالة قاطعة على أَنَّ العبد فقير إلى الله من جهة معافاته له من أنواع البلاء فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها، وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له، فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة، فما نجى أحد إلا بعفو الله، ولا دخل الجنة إلا برحمة الله.)[9]

كما أن في هذا الدعاء استشعار لحسن الظن بالله تعالى، والطمع في رحمته الواسعة،  فيعمر قلب المؤمن بالرجاء، ولا يقتله اليأس والقنوط من رحمة الله.

6- خطورة اعتماد العبد على العفو وقعوده عن المسابقة الى الخيرات:
لأن المؤمن يجمع بين الإحسان والخشية. قال ابن القيم رحمه الله: “الفرق بين الرجاء وبين التمني، أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، فالأول: كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها، والثاني: كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع، فمن عمل بطاعة الله ورجا ثوابه أو تاب من الذنوب ورجا مغفرته فهو الراجي، ومن رجا الرحمة والمغفرة بلا طاعة ولا توبة فهو متمنٍّ، ورجاؤه كاذب .وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله، يفتح عليه باب الخوف، ونظر إلى سعة رحمة الله وفضله العام والخاص به، يفتح عليه باب الرجاء.) [10]

خاتمة:

لا شك أن كل مسلم قد أتى في هذه الشهر الكريم بقربات وطاعات، لكن لا شك أيضا أن فيها من التقصير والتفريط ونقص الإخلاص ما يجعله يدعو ربه أن يعفو عن كل هذا؛ لذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة هذا الدعاء لتقوله في ليلة القدر، وتدرك به عفو الله تعالى بعد ما قدمته في رمضان عمومًا وفي هذه الليلة خصوصًا من الطاعات. فقد تغتر النفس؛ فتظن أنها قد أعطت لله تعالى حقه من الصوم والقيام والذكر، لكنها حين تتفكر في دعاء ليلة القدر تجد أن هذا الدعاء يحمل معنى الانكسار من عبد مليء بالعيوب والتقصير في حق ربه عز وجل، فهو يتوسل إلى ربه باسمه العفُوّ ليكون أرجى في نيل المغفرة والعفو والرحمة.

 

[1] – سلسلة الأحاديث الصَّحِيحَة: 1890

[2] – سنن أبي داود، باب الدعاء.

[3] – مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة، باب الدعاء بالعافية.

[4] – الأسماء والصفات، للبيهقي (1/ 149).

[5] – شأن الدعاء (ص4).

[6] – سنن ابن ماجه، باب الدعاء بالعفو والعافية.

[7] – لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف،ص:242.

[8] – صحيح مسلم، بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

[9] – شفاء العليل ، لابن القيم (ص: 118)

[10] – مدارج السالكين،1/476.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى