أنفَسُ صبغة للاكتساب والإنماء

الصبغة هي الهيئة المكتسبة بعد إضافة الصباغ، فتصبح سمة مميزة للصبيغ. والصبغة التي سيتناولهاهذا المقال هي الصبغة الربانية الواردة في سورة البقرة: “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون” الآية 138. وهذه الصبغة الربانية لا تكتسب إلا انطلاقا من سن التكليف. تعزز وجودها الفطرة السليمة النقية التي خلق الله الناس عليها.

 تمر عملية الصباغة بمراحل عدة: من إذابة الصباغ إلى غمس الصبيغ ثم امتصاص الصباغ فتثبيته على الصبيغ حتى يصبح سمة مميزة له. أليست صبغة الدم الحمراء صفة مميزة له؟ فإن فقدها، فقد اسمه ولم يعد دما. أليست الصبغة الخضراء تميز الخضروات؟ فإن فقدتها، فقدت اسمها وما هي عليه.  بخلاف الطلاء، الذي يكون سطحيا ولا ينفذ إلى الداخل، فإن الصباغ له خاصية النفاذ إلى العمق حتى يمتزج بجوهر التكوين فينضح من الداخل ليتدفق إلى الخارج، إلى الجوارح (تلين جلودهم وتخشع قلوبهم) ثم يتدفق على جميع مناحي الحياة، في العلاقات والمعاملات: في الأسرة والمجتمع والاقتصاد، كما يظهر أثر الصباغ على الثوب، فهو يتغلغل في جميع ألياف النسيج.

في سياق الآية الكريمة “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون”، أتى الحديث عن إبراهيم عليه السلام فكانت صبغة الله: هي ملة إبراهيم حنيفًا. فها هي صبغة الله تتحقق في ملة إبراهيم، ولماذا إبراهيم؟ ونحن في شهر ذي الحجة، شهر تخليد تجرد وعبادة إبراهيم، يتبادر إلى الذهن أن إبراهيم عليه السلام تتحقق فيه جميع مراحل الصباغ: فهو انغمس في ملكوت الإله وامتص صباغه وتثبت فيه كلما أقدم على طاعة مولاه. فقد عاش إبراهيم متنقلا بين ظواهر الكون العظيمة إلى أن وجد الحقيقة الكبرى حقيقة التوحيد فلولا النظر والتفكر في الخلق والكون، لما نفذ الصباغ إلى نفس وعقل ووجدان إبراهيم. فكلما حقق القرب من مولاه، استطاع إبراهيم أن يتشرب الصبغة الربانية و تثبت في خصائصه النفسية و القلبية والروحية. تمكن إبراهيم عليه السلام من أن يجعل الصبغة تنفذ إلى أسرته وأبنائه بل أن تصلنا نحن في القرن الحادي والعشرين.

فقد ظهر أثر الصباغ على الصبيغ في سمته وهَديه، في أخلاقه وسلوكه، في تجارته وتعاملاته، في صناعته وزراعته، بل في كل سلوك إنساني يصدر منه حتى كانت هذه الصبغة الربانية وذاك اللون الإلهي لا يفارقانه بل يزدادان ثباتا ووهجا مع مرور الوقت، وكذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم الذي فاز بمرتبة الخلة مناصفة مع إبراهيم عليه السلام. وفي الصحيح عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال : “لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن” – رواه مسلم. وذلك لأن الخلة أعظم درجة من المحبة وسميت بذلك لأنها تتخلل جميع أجزاء الروح.

ونحن في شهر ذي الحجة من كل عام قمري، تتأكد لنا صبغة إبراهيم الربانية وتزداد نفاذا إلى أعماقنا. فهي صبغة متنوعة المزايا: صبغة حنيفية، صبغة موحدة، صبغة شاملة وصبغة عقلانية.

صبغة الحنيفية

قرر مجمع اللغة العربية في القاهرة مصطلح (الحنيفية) حسب ما ورد في كتاب معجم ألفاظ القرآن الكريم ما يلي: حنيفاً – حنفاء، حنف يحنف حنفاً: مال.والحنيف :(المخلص الذي أسلم لأمر الله فلم يلتو في شيء من دينه وجمعه حنفاء).

قال تعالى: “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة” [البينة:4].

إن أكثر ما يتهدد المسلم اليوم أن يميل عن الحق عوض أن يميل إلى الحق وأن يفقد هذه الصبغة الربانية. فهو معرض إلى تلون الوقائع وأخذها شكل الحق والعدل، في حين أنها بعيدة كل البعد عن الحق والاستقامة وأكثر من يساهم في هذا التلون وسائل الإعلام. فعلى المسلم الذي يطمح إلى صبغة حنيفية ربانية ألا يصطبغ بحقائق مزيفة وأن يحتفظ بصبغة الحق والاستقامة ويرعاها حق رعايتها كما فعل أب الأنبياء إبراهيم عليه السلام. فحقا، وبقوة واجه الخليل أباه ومعتقدات بيئته وحاكم بلدته وحده، ضاربا بفأسه المعتقدات الفاسدة السائدة آنذاك ولاقى في سبيل ذلك ما لاقى.

صبغة التوحيد

بعد صبغة الحنيفية، تنفذ إلينا صبغة التوحيد الناصعة البياض، فبالانغماس في صباغ التوحيد، تتوهج في دواخلنا الفطرة النقية وتترسخ المعالم الإبراهيمية في شهر ذي الحجة من كل سنة قمرية، تلبية وطواف، مبيت بمنى، عبور بمزدلفة و إحياءعرفة، كلها محطات تردنا إلى أصل وجودنا في هذا الكون، إلى موجد هذا الكون حتى نتحرر من الدوران في فلك من دونه. وأحسن من جسد هذه المناسك، إبراهيم الذي وفى، إبراهيم الذي امتص صباغ التوحيد فقام بتثبيته على أحسن وجه حتى استحق وبحق أب الأنبياء، لأنه، عليه السلام، كان أول وأفضل سفير للتوحيد على مدى الأزمنة والعصور، أحياه فردا وأسرة وأمة. كلما ذكر التوحيد، ذكر إبراهيم. ونحن في هذه الحقبة الزمنية المليئة بالمغريات والأهواء، قد يصبح لدى المسلم صباغ التوحيد شاحبا باهتا في ظل ما يجذبه إلى الحضيض عوض أن يجعله يحلق في سماء الطهر والنقاء.

 فضلا عن هاتين الصبغتين، هناك صبغتان ثانيتان لا تقلان وهجا عن الأوليتان. صبغة الشمولية وصبغة العقلانية. 

 صبغة الشمولية

لا يقتصر أن نكون حنفاء موحدين على إخلاص الوجهة والنسك لله بل لا بد أن يشمل ذلك جميع الجوانب الفردية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية.

والقرآن ـ كما أخبر ربنا تبارك وتعالى عنه ـ في شموليته: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38].

فقد تحققت صبغة الشمولية كترجمة عملية لأمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه:﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾-الأنعام: 162-

نعم لقد ظهر أثر هذه الصبغة الإلهية على المسلمين الأُوَل وتداخلت في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب فطهرت قلوبهم من الدنس والشك والظلم والحسد والتوكل على غير الله عز وجل وغيرها من أمراض القلوب.

فنفذت هذه الصبغة وامتزجت بقلوبهم وعقولهم وأرواحهم وتدفقت حية على جوارحهم وأعمالهم ومعاملاتهم وسلوكياتهم. 

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله عليهم هم الأنموذج الأول لأثر هذه الصبغة فقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: “كان خُلقه القرآن”.

صبغة العقلانية

أما صبغة العقلانية، فقد أعمل النبي إبراهيم عليه السلام عقله في البحث عن الخالق، وبعد أن أصبح نبيًا أعمل عقله في كيفية إحياء الموتى، وشرع عليه السلام في رحلته لليقين. وبعد تفكير عميق، تأكد له أن مهمة الخلق لا يمكن أن تكون من شأن نجوم السماء ولا القمر ولا الشمس، لأنهم يغيبون والخالق لا يغيب عن خلقه، فهو المتحكم في الكون كله، وهو موجود وإن كنا لا نراه، ولذلك آمن إبراهيم بالله لا شريك له دون أن يراه. فانتصر صوت العقل على الفكر الموروث بعد أن انتهى إلى أن عبادة الأصنام غير ممكنة عقلا ولا مقبولة قلبا: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) –الأنعام: 83.

ولم يتوقف عن تساؤلاته العقلانية حتى بعد أن أصبح نبيًا: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي..)- البقرة: 260.

لقد أراد إبراهيم أن يقطع الشك باليقين في أمر لا يتحقق معه الإيمان إلا بالتسليم به غيبًا، وهو قدرته تعالى على بعث الحياة في الموتى، وقد استجاب الله لإبراهيم وحقق رغبته، لأن سؤاله لم يكن سؤالا تعجيزيا أو سؤالا إثباتيا للإيمان بالغيب، فهو مؤمن، وإنما كان سؤالا للاطمئنان. 

وباستخدامه للعقل صار النبي إبراهيم يعدل أمة كاملة: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) – النحل: 120، وأصبحت طريقة عبادته ملة لدين الله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) -النحل: 123.

وسماه تعالى بالمسلم: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) –البقرة: 131، وسمى تعالى كل من يتبع دينه مسلمًا: “مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ.”-الحج: 78

كيف نكتسب وننمي هذه الصبغة النفيسة؟

إن الجواب يأتي صريحا في الآية الكريمة “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون”، إن السر في آخر الآية ” ونحن له عابدون”. ألم نتساءل يوما لم فرض الله الصلاة خمس مرات في اليوم والصيام والإنفاق زكاة وصدقة ثم الحج وسن الذكر وقراءة القرآن وأي عمل صالح يقرب إليه و جعل الإكثار والاستمرار في هذه العبادات وغيرها من الطاعات هي الكفيلة بأن تتيح تثبيت الصبغة النورانية. نعم إنها صبغة نورانية لأنها تنبع من نور الله وتأتي على شكل أنوار بعد الموت ويوم القيامة. قال تعالى :” نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير” -التحريم: 8. فالوضوء نور و الصلاة نور و قراءة القرآن نور …..

كما أنه سبحانه وتعالى شرع العبادات فرائض وسننا وجعل مواسم الخيرات كرمضان والعشر الأواخر منه والعشر الأوائل من ذي الحجة و أيام الحج ثم الأشهر الحرم بمثابة صهريج صباغ كلما غصنا في أعماقه كلما ازدادت صبغتنا ثباتا ووهجا. إن عملية الاصطباغ هذه لا بد أن تكون دائمة غير منقطعة، موصولة بمادة الصباغ الروحانية المنبعثة من الذات الإلهية بدليل تقريره سبحانه: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة. فهلا انغمسنا في صباغ الخالق حتى نكتسب صبغته النورانية على مدى الحقب والعصور.

ذ. سحر الخطيب

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى