الرئيسية-دروس ومواعظ

فضيلة النصح والتناصح

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونومن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هدي له، وأشهد ألا اله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على هذا النبي وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

إخواني أخواتي اخترت لكم بين هذا اللقاء المبارك الحديث عن فضيلة عظيمة وقيمة جليلة عندما ننتبعها في كتب التزكية ومصنفات الأخلاق نجد أن لها مسميات ونعوتا فهي عند البعض أم الهي وفضيلة أخلاقية وهي واجب دني وضرورة اجتماعية وهي أساس من أسس هذا الدين ودعامة من الدعامات وهي خلق من أخلاق أنبياء الله ورسله، وهي سبب لحفظ الدين والثبات عليه ونحن نمارس دون شك قدرا منها في مجالسنا وهيئاتنا ونكاد نسجل يوميا حضورها في العلاقات الاجتماعية والمهنية والتنظيمية، ولكن مع ذلك نحتاج إلى التذكير بها والترغيب فيها والاستزادة منها.

إنها إخواني وأخواتي فضيلة النصح والتناصح، وقد جمع رسول الله صلى الله عيه وسلم الدين كله في هذه الفضيلة فقال “الدين النصيحة” فقلنا لمن يا رسول الله فقال “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”، رواه مسلم عن تميم بن أوس، وهو بذلك صلى الله عليه وسلم عبر عن الدين بأنه النصيحة لعظم منزلة النصيحة في الدين، كما عبر بقوله صلى الله عليه وسلم ب”الحج عرفة” لعظم عرفة في الحج، وقد ذكرت النصيحة باشتقاقات مختلفة في القران الكريم 13مرة، معظمها جاءت على لسان أنبياء الله ورسله، نسوق منها للاستئناس قول نوح عليه السلام :”وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون”، وقوله :”وأنا لكم ناصح أمين”، وقول صالح :”ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين” وقول شعيب :” ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين”، وقد جعل الله تعالى من خير الصفات لعباده المؤمنين أنهم مؤمنون وأنهم يعملون الصالحات وأنهم يتواصون بالحق وأنهم يتواصون بالصبر، وذلك في سورة العصر، وقد حذر القران الكريم من ترك التناصح بسوقه لنموذج بني إسرائيل قال عز وجل :” كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما كانوا يفعلون”، وبالعودة إلى حديث تميم سنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جعل النصيحة لله تعالى لتكون بإخلاص العبودية لله والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم بتعظيمه ونصرته وحسن المتابعة له، ولكتابه بتدبره والعمل بما فيه والنصيحة لائمة المسلمين بإرشادهم إلى الحق وإعانتهم عليه، والنصيحة لعامة المسلمين بتعليم جاهلهم وتذكير غافلهم وإصلاح أحوالهم.

والتناصح كما هو معروف عند أهل اللغة فعل متبادل بين طرفين أحدهما يسدي النصيحة ويقدمها والآخر يستقبلها ويتلقاها، ولأن الواحد منا قد يكون تارة ناصحا أحيانا ومنصوحا أحيانا أخرى، فهو بحاجة إلى اكتساب فضيلتين إحداهما بذل النصح لمن يحتاجه والثانية قبوله وتلقيه ممن يقدمه، وإذا كنت ناصحا أخي أختي فاعلم أن المقصود ليس إلقائها فحسب وإنما المقصود أن يحصل الانتفاع بها ولن يتم ذلك إلا بتجويدها والإحسان فيها، قال عز وجل :”فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”، وقال عز وجل لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون :”إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”، واللين والرفق مطلوب شكلا ومضمونا وإذا غابا معا صار نصحنا بحاجة إلى نصح، قال ابن القيم رحمه الله :”النصيحة إحسان إلى المنصوح بصورة الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة ومراد الناصح بها وجه الله تعالى ورضاه، والإحسان إلى خلقه فليتلطف في بذلها غاية التلطف وليحتمل أذى المنصوح ولائمته”، قال الشاعر :

ومن شروط النصح الناجح :

أولا أن تكون النصيحة بصدق وإخلاص

وذلك ب :

1 – ابتغاء وجه الله عز وجل فيكون الباعث لها إبراء الذمة والرأفة والرحمة بالناس، فما كل نصيحة صادقة، فان نصح ادم وزوجه وقاسمهما إني لكما من الناصحين،” فكانت أول نصيحة ظاهرها النصح وباطنها الخداع والتغرير.

2 – أن تكون النصيحة بفقه وعلم إذ أن النية حدها لا تكفي بل لابد من الفقه حتى تكون مسددة وللحق موافقة، وقد يكون الناصح في حاجة إلى أنواع من الفقه يسدد بها هذا النصح كفقه الواقع وفقه التغيير وفقه الاختلاف وفقه مراتب الأعمال فضلا عن فقه الأحكام، فالنصيحة لا توزن بقائلها بل بدليلها وكلما كانت النصيحة مؤصلة بعلم أدت المقصود منها وبلغت غايتها سواء استهدفت تصحيح اعتقاد أو تقويم عبادة أو إصلاح خلق أو تغيير عادة أو تصويب فكر أو منهج أو تسديد رأي.

3 – أن يكون النصح بأدب وخلق فالحكمة هي وضع الشيء في محله، والنصيحة يمكن تقديمها بأكثر من صيغة وإذا كان الناصح مخير بين حسن وأحسن، فإن عليه أن يختار الأحسن، قال تعالى :”وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا”، وقال أيضا :”ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”.

وللنصح آداب لا يسمح المقام بالاستفاضة فيها ولكن نذكرها في عناوين على عجل منها : الاستئذان في تقديم النصيحة، التبين والتثبت والسؤال عن الحجة قبل النصح، التلطف في الحديث دونما تعالم أو إحراج أو توبيخ، الإصرار بالنصيحة وأخيرا أن يكون الناصح قدوة فيما ينصح به قال تعالى :”أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم”، وبهذه الآداب والشروط يمكن للنصيحة أن تكون نافعة وقد يتعدى نفعها الأجيال، وسير الناصحين تشهد على ذلك، بدءا بالأنبياء  ثم الخلفاء ثم العلماء ثم الأمثل فالأمثل.

ثانيا عندما يكون الإنسان منصوحا، إذا كنت منصوحا فأنت بحاجة إلى اقتحام ثلاث عقبات :

العقبة الأولى أن تقبل النصيحة ولا يتم ذلك إلا بجهاد النفس لقبلوها، فالإنسان مجبول على حب النفس ويكبر عليه أن ينتقده الآخرون وأغلب الناس يردون النصيحة إنما انتصارا لذواتهم. وهذا نبي الله صالح عليه السلام يقول لقومه :”وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين”، وكثيرا ما ردت النصيحة بسبب الكبر الذي يكون سبب في منع المتكبرين من الانتفاع بالهدى والعلم :”وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبيس المهاد”، وكلما قبل الإنسان النصيحة كانت دليلا على تحرر قلبه من قيود المألوفات، ودليلا قاطعا على التواضع وحب الحق والتحول إليه.

شكر الناصح والثناء إليه، فكثيرا ما تدفع النصيحة إلى التدابر والعداوة وأحيانا إلى الانتقام، وتاريخ العلماء الناصحين طويل وعريض يقدم نماذج من رفض الحكام والخلفاء والأمراء لنصيحتهم، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لعبد الله بن مكتوم “مرحبا بمن عاتبني فيه ربي”.

ثالثا الرجوع إلى النصيحة والأخذ بها فقبول النصيحة خطوة وشكر صاحبها خطوة ثانية والرجوع إليها والأخذ بها خطوة ثالثة.

ختاما إخواني أخواتي لا بد أن نمضي النصيحة في صفنا نصحا وقبولا، ولا يجب أن يكون بيننا وبينها خصومة ولا بيننا وبين الناصحين عداوة، فقد حق لهذه الفضيلة أن تجد الموقع الذي تستحقه في منظومة أخلاقنا فالصف بدونها خراج ولا يحول بيننا وبينها حائل ولنتمثلها بآدابها ولن نرى في ذلك إلا الخير كل الخير والحمد لله رب العالمين.

ذ. مولاي احمد صبير الإدريسي / سلسلة تبصرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى