الرئيسية-دروس ومواعظ

معالم في دعوة القرب

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد لها وليا مرشدا ونشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله

أما بعد أيها الإخوة الأفاضل الحديث يحلو ويطيب حينما نتحدث في موضوعات تلامس هموم الناس وقلوبهم ومصائرهم، الدعوة إلى الله عز وجل أحد الأبواب التي تمكن الدعاة من هذه المفاتيح من أجل أن يصلوا إلى قلوب الناس ليعالجوا مشاكلهم الحيوية والنفسية وأيضا همومهم الاجتماعية والمعيشية التي يعيشونها، أن تكون داعية إلى الله بمعنى أن تكون دالا عليه سبحانه وتعالى، أن تكون داعية أن تكون مرشدا ودليل الناس إلى الله عز وجل وتعرف الناس بخالقهم سبحانه وتعالى، فالدعوة بهذا المقياس هي وظيفة كل مسلم ومسلمة كما قال الله عز وجل : “قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني”، فهي وظيفة كل مسلم بلا شك وبلا جدال.

سأختصر هذه الكلمة في أربعة نقاط، للتأسيس لما نسميه بدعوة القرب، كيف تكون دعوة الإسلام؟ كيف تكون دعوة الدعاة قريبة من الناس؟ والأصل في الدعوة الى الله هي أنها تعيش مع الناس وتخالطهم وتهتم بهمومهم وتغتم بغمومهم وهكذا.

أول هذه النقاط أن الدعوة الى الله عز وجل هي دعوة لمجموع وليست دعوة المفرد، فربنا عز وجل عندما خاطب آدم خاطبه في مجموعه “وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما”، لكن لما خاطب إبليس : ” وإذ قلنا يا إبليس ما منعك” بمفرده، ولهذا جاء خطاب إبليس “قال ربي أنظرني إلى يوم يبعثون قال فانك لمن المنظرين”، بمعنى أن دعوة إبليس دعوة إلى الشر والمنكر مازالت مستمرة ومسترسلة في الزمن وقائدها مازال حيا يرزق، لكن دعوة الأنبياء والرسل والدعوة الى المعروف وإلى الخير توقفت مع النبي صلى الله عليه وسلم رحم النبوة على الأقل توقف بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بدل أن يصطفي الله رجلا او داعية او نبيا يوحى إليه بعث أمة، يقول الله عز وحل :”ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير” وكما قال أيضا :”كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”، هذه الدعوة لا بد أن تكون في دائرة المجموع ودائرة الجماعة، والحديث الذي رواه الامام البخاري حديث السفينة يصور مجتمع في تركيبته وبنيته مجموعة بشر يركبون سفينة واحدة تحيط بهم تهديدات البحر من تحتهم والمخاطر تحيط بهم من كل جانب، وهنا يأتي دور الداعية القائم على حدود الله إن ترك الناس يعيثون في السفينة فسادا يحدثون فيها ثقبا فالنتيجة تعرفونها أن السفينة ستغرق بمن فيها، بصالحها وبغير صالحها، كما جاء في الحديث حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم “أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث”، فهذا الصلاح اذا لم يكن مؤهلا للحد من إشاعة الفساد وانتشاره هذا مؤشر أن الله يخسف ويقضي ويهلك على هذه الأمة التي ينتعش فيها الفساد ولا يجد من يوقف ويحد من أثره.

النقطة الثانية هو أن الدعوة إلى الله دعوة اجتماعية بطبعها لا يمكن أن نفصل الدعوة إلى الله عن طابعها الاجتماعي، وعندما نتحدث عن طابعها الاجتماعي نتحدث عن ضرورة إقامة وجود اجتماعي لهذه الدعوة، فالقران الكريم مثلا يتحدث عن الصلاة وعن إقامة الصلاة، ويتحدث عن العدل وفي نفس الوقت يتحدث عن إقامة العدل، إقامة الشيء : أقامه يقيمه إقامة، أن توجد له وجودا اجتماعيا يعيش فيه فالصلاة لا يمكن أن تكون حية الا إذا أوجدنا لها وجودا اجتماعيا تؤثر في الناس وتحرك مشاعر الناس وهكذا من هذه الأمور، الدعوة الاجتماعية لا بد أن نقيم لها هذا الوجود الاجتماعي لكي تعيش فيه، لا يمكن أن نتصور البتة داعية إلى الله يعيش منعزلا عن الناس غير مهتم بأمورهم وبمشاكلهم، ولهذا الدعوة في موضوعاتها العامة، الداعي إلى ماذا يدعو ؟ يدعو إلى الصلاة، والى فرائض الإسلام، وأركان الإسلام، والأخلاق ومنظومة القيم الإسلامية، وكل هذه الموضوعات لها أبعاد اجتماعية، فالصلاة حينما تكلم عنها القران الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم رغب في أن تكون في جماعة مع الناس يراك الناس وترى الناس، ففي حديث سليك الغطفاني رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل المسجد : (قم وصل ركعتين)، لينتبه الناس لحاله لأنه كان فقيرا، والزكاة لها أبعاد اجتماعية الغني يعطي للفقير، والحج مناسبة أيضا اجتماعية بامتياز، وهكذا من المناسبات والموضوعات، وهذه هي القضايا التي يشتغل عليها الداعية، مناسبات قريبة وملتصقة بالناس، فالداع يجب أن يكون قريبا من الناس ملتصقا بأمورهم، وهذه القضايا تستلزم خلطة الناس وكما جاء في الحديث الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، هناك خيرية وأفضلية، فالذي يخالط الناس ليس كالذي لا يخالطهم، وإن صبر على الأذى إن وجد الأذى ليس كالذي لا يصبر على هذا الاذى، وفي حديث العازب بن البراء قال علمني رسول الله أمور كثيرة وذكر منها سبعة عيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة وغيرها من هذه الأمور وهذه كلها قضايا اجتماعية بامتياز، بمعنى أن تعيش مع الآخرين وأن تكون معهم كما أراد الله سبحانه وتعالى، ويقول تعالى  على سبيل المثال فقط ، إن لم تكن دعوة القرب حاضرة يمكن أن يقوم بها غير الذين لا تتوفر فيهم شرط القرب، ” وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون”، جاء من أقصى المدينة بمعنى انعدم الدعاة القريبين والمجاورين، إذا انعدم هذا الشرط قد نحتاج إلى دعاة من خارج المدينة ومن خارج الفضاء المكاني الذي يعيش فيه الناس، وهذا دليل على أن الداعية ينبغي أن يكون موجودا بين الناس ويعيش همومهم ومشاكلهم.

النقطة الثالثة أن الدعوة إلى الله هي تخفيف عن هموم الناس، وهذا شرط أساسي في الدعوة إلى الله لأنك تعرفهم بخالقهم سبحانه وتعالى، ففي الحديث الذي يروي الإمام البخاري، ذات يوم مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة على قبر تبكي، مات ابنها أو أحد أقربائها، فقال لها يا امرأة  اتقي الله واصبري، فالتفتت اليه وقالت له إليك عني انك لم تصب بمصيبتي، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إليها الناس وقالوا لها يا امرأة ألم تعرفي من تحدث معك، قالت لا، قالوا : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت إليه وقالت له يا رسول الله لم أعرفك، فقال لها : إنما الصبر عند الصدمة الاولى، والشاهد عندنا في هذا الحديث هو أن النبي كان يواسي الناس ويخفف ما بهم بالكلام، فالداعية لا يملك أن يعيد لها من فقدت حيا، ولكن يملك لسانا يخفف به عن الناس في همومهم وما يتعرضون إليه.

وطبعا نحتاج للدعاة الذين يذكرون بالله في كل مناشط الحياة، في هذه الحياة التي أصبحت مع الأسف حياة معقدة نحتاج إلى من يذكرنا بالله سبحانه وتعالى، وفي حديث أبي هريرة، “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله”، يقول راوي الحديث وأحسبه قال : “كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر”، هذا الحديث معناه، القائم على الأرملة والمسكين، فهذا السعي قد يكون ماديا وقد يكون معنويا، فالداعية قد لا تكون له إمكانيات، ولكنه يملك بيانا ولسانا وبلاغة ليتحدث مع الناس ويعرف بالقضية ويشرح للناس، لأن المجتمع الذي تسود فيه الأرامل ويسود فيه الفقراء والمساكين هو مجتمع متعثر ، فيه شيء ما يجب أن يقوم ويصحح، والدعاة يملكون أدوات الاصلاح ورتق الفتق وجبر الضرر  في المجتمعات الانسانية.

والنقطة الاخيرة، الداعية أحب أو لم يحب يصبح عنوانا لكل الناس، أو على الأقل للذين يجاورونه، فيقصده الناس كما يقصدون الطبيب والمهندس والمحامي والأستاذ لمصالحهم وأغراضهم، فالداعية اليوم أصبح مطلب كثير من الناس يقصدونه ويستفسرونه ويتعلمون منه ويطلبون منه المشورة والاستشارة، والداعية ينبغي أن يعلم هذا الدور وهذا المركز الذي أعطاه الله إياه بحكم وظيفته التي يتصرف بها بأنه داعية الى الله سبحانه وتعالى، والداعية بهذا القصد يكسب ثقة الناس ويصبح نقطة ارتكاز في محيطه ومجتمعه الذي يتحرك فيه، طبعا هذا الداعية ينبغي أن يعيش زمانه وواقعه، ولا يجوز له أن يغرب الناس عن واقعهم، فالناس لهم مشاكل وقضايا يومية معاصرة يعيشونها ويأتي داعية فيغربهم زمانا ومكانا، ويستدعي شواهد من زمن مضى وولى، ربما لم يعد صالحا في هذا الزمان، وهذا لا يعني أن الداعية ينبغي أن يقطع صلته بالتراث والماضي ليس هذا المقصود، ولكن إن كانت هناك أسئلة تستدعي إجابة معاصرة، فينبغي على الداعية أن يكيف إجابته مع واقع العصر وخصوصية العصر حتى يكون متحركا في واقعه ويكون قريبا من الناس ويكون معالجا لمشاكلهم وقضاياهم.

ففي قوله تعالى : “قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها” هذه قصة وقعت وحكاها القران ومازالت تحكى إلى يوم الدين، مشكل بين امرأة وزوجها، فالرسول كان قريبا من هموم الناس يجيب عن إشكالاتهم وقضاياهم بالطريقة التي أرادها الله سبحانه وتعالى، وفي سورة الليل قصة عجيبة :”والليل اذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والانثى” هذه القصة في أسباب نزول هذه السورة ذكرها الامام النيسابوري : ( كان هناك رجل فقير يجاور رجلا غنيا، وكان لدى الرجل الغني نخلة باسقة عالية وكانت تطل على فناء جاره الضعيف الفقير، وكلما أينعت النخلة نزلت الرطب في فناء دار جاره الفقير بدل من أن تسقط في فناء صاحبها، فكان صبية الفقير يجدون التمر منثورا في بيتهم فيأخدونه ويأكلونه فكان الرجل الغني يقرع باب بيت الفقير ويدخل ويجمع التمر حتى اذا وجد تمرة في فم أحد الصبية كان يدخل أصبعه في فمه لينزعها منه، فاشتكى الفقير لصاحب النخلة واقترح عليه إما أن يقطع النخلة أو يجد حلا، فذهب إلى النبي إمام الدعاة صلى الله عليه وسلم يشتكي أمره : فقال له سأنظر في الأمر، فذهب إلى صاحب النخلة وقال له، هل تبيعني النخلة بنخلة في الجنة؟ فقال له الرجل أسهل ما طلبت، لكن لي نخل كبير وكثير اطلب ما تشاء إلا تلك النخلة فهي أحب النخل إلى قلبي ولا أريد ان أبيعها ورفض الطلب، فسمع هذا الكلام صحابي جليل هو ابو الدحداح رضي الله عنه، وذهب عند الرجل صاحب النخلة وفاوضه بأربعين فدانا وفي الأخير، ذهب أبو الدحداح الى النبي وقال له : يا رسول الله النخلة الآن أصبحت لك، وذهب النبي مستبشر الوجه الى الرجل الفقير وقال له: النخلة الآن أصبحت لك ولعيالك، فأنزل الله والليل إذا يغشى والنهار اذا تجلى”، بهذا كان الدعاة يعيشون مع الناس ويعيشون قريبين من هموم الناس، والدعوة الناجحة هي التي تلامس هموم الناس وتبحث قدر ما تستطيع أن تجد حلولا لمشاكل الناس.

أسأل الله ان يوفقني لما يحبه ويرضاه والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

صالح النشاط / سلسلة تبصرة

ملاحظة: تم تفريغ هذه المادة  من كلمة للأستاذ صالح النشاط  ألقاها في إطار سلسلة تبصرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى