كافي يبسط أبرز معالم تجريم الإثراء غير المشروع في ميزان الشريعة (حوار)

يعد موضوع تجريم الإثراء غير المشروع من بين أبرز المواضيع المطروحة داخل القبة البرلمانية خاصة فيما يتعلق بالتعديلات المقترحة في مجموعة القانون الجنائي والتي تشمل عددا من المقتضيات من بينها تجريم الإثراء غير المشروع الذي من شأن اعتماده أن يساهم إلى حد كبير في محاربة الفساد والاغتناء غير المشروع.

ويحاول الدكتور أحمد كافي؛ أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن يعالج هذا الموضوع من زاويته الشرعية في الدين الإسلامي الحنيف، عبر عدد من الأسئلة طرحها موقع “الإصلاح” في حوار مخصص في الموضوع.

أجرى الحوار لموقع “الإصلاح”: ي.ف

السؤال الأول: كيف حارب الإسلام الإثراء غير المشروع؟

الحفاظ على أموال الناس والمجتمع من المقدسات عندنا في الشريعة الإسلامية، فحرم كل اعتداء على هذا المال بأي طريقة من طرق الاعتداء التي تخالف الشرع والقانون المنظم للمجتمع.

وقد حارب الإسلام هذا الإثراء من خلال العقوبات المنصوص عليها والتي تصل درجة قطع الأيدي التي امتدت إلى مال الغير. وحاربها بجعل تصرفات عديدة في بتاب الإثراء غير المشروع خاضعة للسلطة التقديرية للقضاء، أيا كان هذا الحكم الذي يرتب على المعتدين على المال العام أو الخاص.

السؤال الثاني: محاربة الإثراء المشروع في سيرته صلى الله عليه وسلم؟

اشتهر عنه صلى الله عليه وسلم المحافظة على مقصد المال الذي هو عصب الحياة، وتجلى ذلك في سيرته عليه الصلاة والسلام من خلال المعالم الآتية:

أ ـ أنى لك هذا؟

أي لا بد من مساءلة من استحدث مالا غير معهود عن أمثاله، وأنه يجب استفساره عن ذلك حتى يؤكد صحة ما عنده من المال، أو يعاقب على صنيعه إن ثبت انعدام الحجة في هذا المال، أو اعترف بخيانته.

ومن ذلك، مثلا: عن أم عبد الله – أخت شداد بن أوس – أنها أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن عند فطره فرد الرسول إليها فقال: أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاتي. فرد الرسول إليها: أنى لك هذه الشاة؟ قالت: اشتريتها بمالي. فلما كان الغد أتته فقالت: يا رسول الله، أرسلت إليك باللبن راثية لك من طول النهار وشدة الحر فرددت الرسول إلي فقال:« بذلك أمرت الرسل قبلي لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا».

فالمساءلة عمل صالح، كما في هذا الحديث. وهو عمل جميع الأنبياء.

ب ـ هلا جلس في بيته:

وهو من باب محاسبة الساهرين على الشأن العام، الذين بفعل عملهم واحتكاكهم بالناس، قد تكون وظيفتهم مجالا لابتزاز المرتفقين بإرهاقهم في أموالهم من أجل قضاء حاجاتهم، أو تضييع أوقاتهم بظلم وعدوان.

فيجب على الدولة أن لا تقبل تصرفات هؤلاء. وأن تقوم بالإنكار عليهم بأي وجه من وجوه الإنكار التي تبدأ من التنبيه والتحذير، وتنتهي إلى العقوبة القضائية لأمثالهم.

ومن هذه الحراسة الشديدة لتصرفات المشتغلين في المجال العام، إنكاره صلى الله عليه وسلم على من أخذ هدية وهو يمارس عمله الذي يتقاضى عليه راتبا. وأن هذه الهدية لم تهد له لسواد عيونه، وإنما بسبب وجوده في هذا المنصب.

فعن أبي حُمَيد الساعديِّ: أن النبي صلَّى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من الأزد يُقال له: ابنُ اللّتبِيّة، على الصدقةِ، فجاء فقال: هذا لكُم، وهذا أُهْدِي لي. فقام النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم على المنبر فحمِد اللهَ وأثنى عليه، وقال: ما بَال العامِل نبعثه فيَجِيء فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي لي، ألاَّ جلَسَ في بيت أمه وأبيه، فينظرَ أيُهْدى إليه أم لا؟ لا يأتي أحدٌ مِنكم بشيءٍ من ذلك إلا جاء به يوم القيامة، إن كان بَعيراً فَله رُغاءٌ، أو بقرَةً فَلها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ” ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرةَ إبطيه، ثم قال: “اللهُمَّ هل بَلَّغْتُ، اللَّهُمّ هل بَلَّغْتُ”.

ولقد بلغ من حرصه صلى الله عليه وسلم على محاربة استغلال النفوذ، ورفضه أخذ أموال الناس بغير حق، أن دعى الناس وخطب فيهم، محذرا وناهيا، ومشددا في العقوبة على فاعل ذلك.

والمهم من كل هذا:

1ـ إن الأموال محترمة معصومة لا تؤخذ إلا من حل، وأنها إن أخذت بغير طريق شرعي فكبيرة وحرام.

2ـ إن محاربة الإثراء غير لمشروع يوافق مقاصد الاسلام في الحفاظ على مقصد المال وطهارة المجتمع من الآفات الاجتماعية التي تتناسل من طريق الإثراء السيء الحرام.

3ـ إن الأمة مطالب منها أن تبدع في الوسائل التي بها تضيق على المجرمين المنتهكين لحرمة الأموال العامة أو الخاصة.

السؤال الثالث: مقاصد تجريم الإثراء غير المشروع؟

لا تخفى المقاصد السامية لمحاربة الإثراء غير المشروع، والتي منها:

المقصد الأول: حماية الناس وأموالهم من المتسلطين عليها بغير وجه حق.

المقصد الثاني: بعث رسائل الطمأنينة في النفوس، وأن الأمن المالي في وسطهم معزز ويتم السهر عليهم من الذين يتولون أمورهم.

المقصد الثالث: إقبار مجموعة من الآفات الاجتماعية التي ترافق هذه المصيبة، والتي منها: القتل، والرشوة، والغش، والظلم، والخوف، والاحتيال، والكذب…وغيرها من الآفات التي تنبت في المجتمعات التي لا تسهر على محاربة الإثراء غير المشروع.

المقصد الرابع: إشاعة نفس الجدية في المجتمع، وأن الإثراء غير ممنوع، بل قنواته معلومة ميسورة لمن سلكها. لكن من أراد أن يثري بالالتفاف والاغتصاب والسرقة وترويج المحرمات…فذلك لا يجديه نفعا أمام مجتمع يقظ تكون المساطر الجاري بها العمل لا تقبل هذه الآفة. وتضرب بقوة لكل من سولت له نفسه أن يأخذ ما ليس له.

السؤال الرابع: كيف يمكن أن يساهم البعد الديني في محاربة الإثراء غير المشروع في المجتمع والدولة؟

كل ما ذكرناه آنفا من القضايا المرتبطة بهذا الموضوع هو وجه من وجوه المساهمة الجادة في محاربة الإثراء غير المشروع من زاوية البعد الديني.

ويمكن إجمال هذه المساهمة في شعبتين كبيرتين:

الشعبة الأولى: تعزيز الإيمان والرقابة الدينية والخوف من الله تعالى…وأن الإنسان إن كان قادرا على التحايل على القوانين، فإنه يتوقف عن كل عبث واستهتار، ولا يقبل أن يتجاوزها، بسبب امتلاء صدره بمعاني التقوى والدار الآخرة والخوف من الله الرقيب على تصرفات عباده.

وهذا البعد غائب في جميع التشريعات التي بين يدي الناس. والإسلام مليئة نصوصه بهذه المعاني التي تحمي المجتمع بإرادة ذاتية من أفراده.

الشعبة الثانية: سن المساطر القانونية التي تعزز حماية الأفراد والمجتمع من هذه الآفة. فإن صنفا من البشر لا يزعهم الوعظ والرقائق، وهؤلاء تكون العقوبات الصارمة في حقهم هي الكفيلة بإيقاف عدوانهم وشرورهم.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى