ناجي: التعليم المغربي يعيش أزمة جودة والانتقال إلى التعليم عن بعد ليس بالأمر السهل (حوار)

أجرى موقع “الإصلاح” حوارا مع الأستاذ عبد الناصر ناجي الخبير التربوي ورئيس الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم – أماكن ، بمناسبة اليوم الدولي للتعليم والذي يحتفي به العالم في 24 يناير من كل سنة.

وطرح موقع “الإصلاح” عددا من الأسئلة المحورية التي تخص قضية التعليم في المغرب خاصة في ظل استمرار جائحة “كورونا” وتداعياتها على العملية التعليمية، وكذا مستقبل لغة التعليم في بلادنا.

 

س1 : اختارت اليونيسكو موضوع “تغيير المسار، إحداث تحول في العالم” للاحتفال باليوم الدولي للتعليم.  في رأيكم كيف يمكن للمغرب أن يحقق هذا الشعار ويواكبه؟

اليونسكو منظمة دولية تحاول التأثير على قرارات الدول في المجالات التي تؤطرها ومن ضمنها التربية. وقد أطلقت منذ 3 سنوات مشروعا للتفكير في مستقبل التعليم في أفق 2050 شعاره الأساس هو إحداث تغييرات عميقة في مجال التربية ترقى إلى مستوى التحول الكبير الذي يستطيع التأثير الحاسم في مستقبل الإنسانية. فوفق تقارير اليونسكو الأخيرة وخاصة بعد أزمة كوفيد-19 أصبح العالم بحاجة إلى صدمة ثقافية تشكل المدرسة ركيزتها الأساس من أجل بناء أجيال أكثر تصالحا مع القيم الإنسانية التي تحث على التضامن والتسامح والسلام والتعاون من أجل الخير الذي ينبغي أن يعم جميع الشعوب. تغيير المسار بالنسبة للمغرب يقتضي التحول من سياسة تعليمية تنشد تحقيق الأهداف الكمية وتحطيم الأرقام القياسية دون اكتراث بالقيمة الحقيقية لما يتم إنجازه، إلى سياسة تعليمية غايتها تحقيق جودة التعلمات وتطوير مستوياتها سنة عن سنة ولو كان الثمن هو تراجع منحنى الأرقام والإحصاءات.

ففي الوقت الذي تقر فيه جميع التقارير الوطنية والدولية بأن ثلثي التلامذة المغاربة لا يتحكمون في الكفايات الدنيا المفروض أن يتحكموا فيها، يصر المسؤولون على تبني سياسة إنجاح المتعلمين بنسب كبيرة تسمح بالانتقال من مستوى دراسي إلى آخر حتى لأولئك الذين لا تتوفر فيهم مواصفات النجاح، إلى درجة أننا أصبحنا نعاين ارتفاعا غير طبيعي لنسب النجاح في الشهادة الإعدادية وفي البكالوريا مع معدلات خيالية.

لقد أدى التسابق نحو الإنجاز الكمي إلى إغراق التعليم العالي بأعداد كبيرة من الطلبة لا يستجيبون للحد الأدنى من متطلبات متابعة الدراسات العليا مما أدى إلى ارتفاع نسب الهدر الجامعي وتدني نسب الحصول على شهادة الإجازة. هذا التوجه بدأ يسائل بقوة مصداقية الشهادات إلى درجة أن البنك الدولي قدر سنوات التمدرس المتوقعة المعدلة بمقدار الجودة بالنسبة للتلميذ المغربي بحوالي ست سنوات ونصف بدل العشر سنوات ونصف المعلن عنها رسميا، الشيء الذي يعني أن شهادة الإعدادي عندنا تساوي بمعيار جودة التعليم أقل من الشهادة الابتدائية.

س2 : كيف ترون وضعية التعليم في ظل موجة “أوميكرون” وما شهدته بعض المدارس من إغلاق؟ وما تداعيات ذلك على المسيرة التعليمية لهذه السنة ببلادنا؟ وخاصة بعد قرار الوزارة المعنية بخصوص صيغة الامتحانات بالجامعات؟

التعليم المغربي يعيش أزمة جودة حتى في الوضعية الطبيعية فما بالك في الوضعيات الاستثنائية التي تتطلب تدابير غير عادية. الانتقال من التعليم الحضوري إلى التعليم عن بعد ليس بالأمر السهل حتى في الدول المتقدمة. أما بالنسبة للمغرب فالدراسة المنجزة من طرف الهيئة الوطنية للتقييم بشراكة مع اليونيسيف أثبتت أن المغرب غير مستعد لتبني نمط التعليم عن بعد لعدة أسباب مرتبطة بعدم توفر التجهيزات الضرورية وعدم استعداد المتعلمين للانخراط في هذا النوع من التعلم بالإضافة إلى الخصاص في تأهيل المدرسين للتدريس عن بعد بحيث أن % 13.5 من الأساتذة لا يتقنون تكنولوجيات الإعلام والتواصل، و% 67.1 منهم مستواهم متوسط، و% 19.4 منهم فقط يتمتع بمستوى جيد أو جيد جدا في استعمال الرقميات، حسب معطيات الدراسة المذكورة.

وما إقدام الوزارة في السنتين الماضيتين على قرار اجتياز التلامذة للامتحانات فقط في البرنامج الدراسي الذي تم تدريسه حضوريا إلا اعتراف بعدم فعالية التدريس عن بعد. والاستمرار في هذا المنحى سيضع المغرب في خانة السيناريو المتشائم ضمن السيناريوهات الثلاث التي حددها التقرير المشترك بين اليونسكو واليونيسف والبنك الدولي الذي صدر منذ بضعة أشهر تحت عنوان “فاقد التعلّم بسبب كوفيد 19: إعادة بناء التعلّم الجيد للجميع”. هذا يعني أن فقر التعلم الذي يجسد عدم القدرة على قراءة نص بسيط وفهمه بحلول سن العاشرة، سيتفاقم بالنسبة للمغرب لتنتقل نسبة التلامذة الفقراء في القراءة من 66 في المائة حاليا إلى أكثر من 76 في المائة بعد الجائحة، كما أن سنوات التمدرس المتوقعة المعدلة بمقدار الجودة ستنخفض من حوالي ست سنوات ونصف حاليا إلى أقل من خمس سنوات ونصف. بالإضافة إلى ذلك فالتقرير يتوقع أن ترتفع نسبة التلامذة المغاربة الذين لا يتمكنون من الكفايات الدنيا في تقييم “بيزا” من 74 في المائة المسجلة سنة 2018 إلى حوالي 85 في المائة في التقييم الذي سينجز هذه السنة.

وللتخفيف من حدة هذا المصير المرتقب لا بد من جعل التعليم عن بُعد أكثر فعاليةً من خلال توفير دعم وتوجيه أقوى للمدرسين وإشراك الأسر، واعتماد ممارسات تربوية أكثر تركيزًا على المتعلم؛ بالإضافة إلى تقييم فاقد التعلم المحتمل، ودعم المدرسين لضمان تكييف التدريس مع مستويات تعلم التلامذة؛ وتقوية البنيات التحتية، بما في ذلك التكنولوجية، وتعزيز قدرتها على التكيّف والمرونة.

س 3: ما مستقبل لغة التعليم في المغرب في ظل توجه الدولة نحو اللغة الانجليزية من خلال عدد من الاتفاقيات المبرمة.  وهل هو توجه جاد ام سنشهد المزيد من هيمنة اللغة الفرنسية؟ وما موقع اللغة العربية في كل هذا؟

لا أعتقد أن هناك توجها واضحا نحو اللغة الإنجليزية بقدر ما هو انفتاح للمغرب على السوق اللغوية الدولية في إطار سياسة الانفتاح التي تنهجها الدولة. لا زالت اللغة الفرنسية وستبقى هي اللغة المهيمنة في منظومتنا التربوية بعد تبني مبدأ التناوب اللغوي بالصورة التي كرسها القانون الإطار وصوت عليها البرلمان المغربي بالأغلبية. وبحكم أن اللغة الفرنسية أصبحت لغة تدريس العلوم والتكنولوجيا في التعليم المغربي فإنها ستقتطع الثلثين من زمن التدريس في التعليم الإلزامي وتترك الثلث الباقي لتتقاسمه اللغتان الرسميتان للبلاد العربية والأمازيغية، مع تهميش أكبر لهذه الأخيرة التي لا يدرسها سوى 15 في المائة من التلامذة المغاربة. إذا أضفنا إلى ذلك تبوأ لغة موليير مكانة الصدارة في التعليم العالي وتصدرها للمشهد في مجالي المال والأعمال، فستكتمل صورة مغرب جديد أقرب للفضاء الفرنكفوني منه إلى أي تجمع حضاري أو ثقافي آخر.

س.ز / الإصلاح

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى