حاجتنا إلى الإخلاص والصدق

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على هذا النبي وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

“يا أيها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون”

“يا أيها الناس اتقوا الله الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا اله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان بكم رقيبا”

“يا أيها الناس اتقوا ربكم وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنبوكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما”.

إخواني وأخواتي،

إن الإقبال على كل أمر عظيم وعند استئناف كل مسير يحتاج المسلم ضمن ما يحتاج، يحتاج إلى التأكد من أصول الإيمان في نفسه وتفقد زاد المسير الذي لا غنى له عنه، ونحن نستأنف مسيرنا ومسارنا للموسم الدعوي 2017 2018 نستحضر جميعا طبيعة الأمر الذي نجتمع عليه، إنه أمر الدعوة إلى الله، حصن هذا الدين وقلعة قلاعه هذه الأمة، هذا الأمر يكفيه شرفا وقدرا أنه حاز شرف اتباع الأنبياء والرسل والاقتداء بهم، وهو أمر لا يحده عمر ولا تستوعبه أوقات، وإن أمرا بهذه المواصفات إخواني أخواتي، لا يشك أحد في أنه عبادة وأنه دين يتعبد به الله عز وجل، وحتى تكون هذه العبادة انقيادا وطاعة وخضوعا وتحوز رضا الله عز وجل وقبولا لا بد لها من شروط أحببت أن أقف عند شرطين أساسيين ضمن لائحة لها بداية وليست لها نهاية : أحببت أن أقف فقط عند شرطي الإخلاص والصدق.

فالإخلاص شأنه شأن كل أمر عظيم يحتاج إلى مكابدة ومجاهدة ويحتاج إلى قرار وعزيمة، فالنفس كما تعلمون لا تصفو رغباتها ولا تخلص مقاصدها إلا بالمجاهدة والمكابدة، حينها توحد وجهتها وقبلتها ويصبح القصد واحدا لا تخالطه الأغيار ولا تكدره الأكدار، عندئذ يصبح الله عز وجل هو مرادها فلا ترى لها مقصودا سواه، والمؤمن هذا شأنه وهذا ديدينه لا يزال كذلك حتى يلق الله تعالى وهو يجاهد خواطر التحريف وخطر التزييف والتضليل في نفسه، تلك هي طريق الدعوة وذلك موقع الإخلاص فيها. ومدار الإخلاص في اللغة وكتبها مدار على الصفاء والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء، يقال هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه أحد، والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع، ويقولون خالصه في الصحبة أي صافاه، والإخلاص حقيقة هذا الدين وهو مضمون دعوة كل الرسل يقول الله عز وجل:”وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء”، وقد جمعت كتب التزكية ومصنفات التربية والترهيب والترغيب أقوالا رائعة في هذا الباب ليس المجال هنا لتعقبها جميعا، ولكن أختار بعض أقوال بعض المربين وبعض الصالحين.

يقول العز عبد السلام رحمه الله : (الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيما من الناس ولا توقيرا ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي)، ويقول السهل بن عبد الله (الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة )، ويقول الهروي ( الإخلاص تصفية العمل من كل شوب )، وقال سفيان الثوري (ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي أنها تتقلب علي )، وقيل الإخلاص تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.

هذه أقوال اخترها لعدد من المربين من علماء التزكية كلها تصب في أن الإخلاص يحتاج إلى مكابدة ومجاهدةـ ويحتاج إلى حمل النفس لكي تكون مراقبة لله عز وجل في كل أمر من أمورها، فمع الإخلاص ينفع كل عمل قليله وكثيره، ومن دون إخلاص لا ينفع عمل لا قليله ولا كثيره. فلا تعبأ إذن الا بما يرضي الله عز وجل وليكن أخي شعارك أختي عند كل مسيرة آو مسار، وعند كل خطوة من هذا الأمر الذي نجتمع عليه الهي أنت مقصودي ورضاك وحدك مطلوبي، فلا أحد منا إخواني يرضى أن يأتي الله غدا يوم القيامة بجهد وعمل وعرق فيرد عليه ذلك كله والعياذ بالله، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه إن يوم الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأوتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لكي يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، وكذلك يفعل بالعالم ويفعل بالمنفق أو الجواد الذي لم يستحضر إلا أن يقول الناس عالم وأن يقول الناس جواد كريم.

إخواني أخواتي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الإخلاص ويحملهم عليه ويريهم ذلك من نفسه، ولذلك لا بد أن يكون الإخلاص في حياتنا الدعوية خاصة وفي حياتنا عامة ما يمكننا أن يجعلنا من المقبلين على أعمالنا ونحن لا نبتغ منه إلا وجه الله والدار الآخرة.

هذا الإخلاص لا يتم إلا بالشرط الثاني وهو الصدق، والمؤمن في صدقه مع الله عز وجل يتذكر أن الصدق عنوان الأنبياء ووسامهم جميعا اثني الله بهم عليه فقال عن نبيه إبراهيم عليه السلام فقال :”واذكر في الكتاب ابراهيم إنه كان صديقا نبيا”، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف الناس الصدق في وجهه قبل أن يعرفوه في قوله وفعله، يقول عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله عرفت أن وجهه ليس وجه كذاب، ولذلك لا بد للمؤمن في مخالطته الناس وإخوانه أن يروا علامات الصدق على وجهه قبل أن يروها في قوله وأعماله، وقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بالصدق في آيات متعددة وفي مواقع كثيرة اختار منها قوله عز وجل :”يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”، فالصادق مع الله صادق مع نفسه صادق مع الناس، فهو لا يريد من وراء فعل فعله إلا وجه الله تعالى ولا يبتغ من فعل تركه إلا مرضاته عز وجل، ومن أجل ما يحتاج إلى الصدق العهود والمواثيق فنحن إخواني أخواتي تنظم أعمالنا عدد من المواثيق والبرامج وهذه المواقع التي بيننا هي بمثابة عهود تحتاج ونحن نتفق عليها ونوقع عليها ونمضيها بيننا أن نتحرى فيها الصدق، وأن نعمل من أجل أن يكون الصدق عنوانا لهذه المواثيق.

فالصادق مرتاح النفس وبه مطمئن النفس منشرح الصدر وفي الحديث الصدق طمأنينة، والصدق إخواني سبب للنصر والرفعة والتمكين، فالصادق لا يخذله الله أبدا، وهذه خديجة رضي الله عنها تطمئن رسول الله مما لاقاه من شدة الخوف أول نزول الوحي عليه فتقول كلا والله لا يخزيك الله أبدا انك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، والشاهد عندنا في هذا الكلام عن خديجة رضي الله عنها (إنك لتصدق الحديث) فيكون صدق الحديث عنوان للقرب من الله تعالى وضمان لكي يكون في كنفه فلا يرى من الخوف والشدة ما يفزعه.

والصدق أنواع اخترت منها أربعة :

الصدق مع الله

والصدق في الأحوال

والصدق في الأقوال

والصدق في الإعمال

فالصدق مع الله وهو أجلها على الإطلاق ويتجلى في الحرص على ما يرضيه عز وجل من أعمال وأقوال وأحوال، يقول الله تعالى :”فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم”، يقول ابن القيم في فوائده (ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله ما فوق ما يصنع لغيره).

والصدق في الأحوال يكون بحسن الانقياد والإذعان والخضوع والإخلاص والخوف والرجاء والرضا والتوكل والمحبة أي أن يكون ذلك كله ابتغاء وجه الله عز وجل وابتغاء مرضاته.

والصدق في الأقوال يكون بحفظ اللسان فلا ينطق إلا حقا، وكما أن الصدق مطلوب في القول فهو مطلوب أيضا في نقل الأخبار فلا بد من التثبت واجتناب الظن والكف عن نشر كل ما ينشر والخوض في كل ما يتحدث فيه، ولعل ما نلاقيه كل يوم بل كل ساعة بل كل دقيقة على صفحات الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي ما يحز في النفس ويجعلنا فعلا أن نتواصى بهذه الخصلة خصلة الصدق الذي يجب أن تجبننا كثيرا من الأقوال والأفعال والخوض في ما لا نفع فيه.

وأخيرا الصدق في الأعمال ولا يتحقق إلا بالمجاهدة الدائمة والتجرد المتواصل، يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه خلق المسلم ( العمل الصادق هو العمل الذي لا ريبة فيه لأنه وليد اليقين ولا هوى معه لأنه قرين الإخلاص ولا عوج عليه لأنه نبع من الحق).

إخواني أخواتي هذه معان أحببت أن اذكر نفسي وإياكم بها، فالمسار طويل والسير شاق والعقبة كؤود ولا غنى لأي منا على تمثل هذه المعاني التي لم يستغن عنها لا رسول لا نبي ولا صديق فكيف بمن هم دونهم.

جعلني الله وإياكم من المخلصين الذين يصدقونه في القول والعمل والحال، آمين، والحمد لله رب العالمين.

مولاي أحمد صبير الإدريسي / سلسلة تبصرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى