أخبارالرئيسية-ثقافة و مجتمع

كيف يمكن للثقافة أن تساهم في التغيير الحضاري؟

يميز علي عزت بيغوفيتش بين الثقافة والحضارة كون الأولى “الخلق المستمر للذات” بينما الثانية هي “التغيير المستمر للعالم” معتبرا أن هذا هو تضاد الانسانية والشيئية.

كما يقول أيضا أن موضوع الثقافة موضوع ثابت هو لماذا نحيا؟ أما الحضارة فهي تقدم متصل يتعلق بسؤال آخر هو: كيف نحيا؟ أول سؤال عن معنى الحياة والثاني عن كيفية هذه الحياة، في حين أن الحضارة تُعلِّم أما الثقافة فتُنور. تحتاج الأولي إلى تعلم أما الثانية فتحتاج إلى تأمل.

وإن كان التمييز بينهما مهم جدا إلا أن السؤال القديم الحديث والذي يثير الجدل دائما وهو “كيف يمكن للثقافة أن تساهم في التغيير الحضاري؟” خصوصا وأن دول العالم تجعل من الثقافة عنصرا هاما في التنمية والارتقاء الحضاري.

وفي المغرب رغم محاولة رفع ميزانية قطاع الثقافة في عدد من المحطات آخرها في قانون المالية 2019 بأزيد من 3 بالمائة وعزم الوزارة على رفعها في قانون المالية 2021 إلى 930 مليون درهم بدل 762 مليون درهم سنة 2020 إلا أن إسهام القطاع في التنمية لا يزال ضعيفا بشهادة عدد من الفاعلين بالإضافة إلى سوء التدبير وانتشار الرداءة والريع.

ونلمس أهمية هذا الموضوع في السياسات العمومية وما يرافقه من جدل خاصة في الغرفة التشريعية وفي خضم النقاش الدائر مؤخرا حول ميزانية القطاعات في قانون المالية 2021 حيث تبرز مكانة قطاع الثقافة كأحد القطاعات الحيوية.

أبو زيد: أخطر قطاع في صناعة الإنسان هو القطاع الثقافي لأنه يحفظ الهوية

ومن بين الفاعلين الذين أثاروا هذه الأهمية هو المفكر الإسلامي أبو زيد المقرئ الإدريسي؛ من خلال دوره التمثيلي كعضو لفريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، حيث نبه إلى الأهمية المقزمة لقطاع الثقافة من خلال تخصيص ميزانية متواضعة لهذا القطاع بالمقارنة مع باقي القطاعات الأخرى، مبرزا أن أخطر قطاع في صناعة الانسان هو القطاع الثقافي لأنه يحفظ الهوية كمغاربة عندهم كينونة واحدة.

وحذر المقرئ الذي كان يتحدث خلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة الثقافة والشباب والرياضة، يوم الأربعاء 4 نونبر الجاري، من أن الثقافة أخطر من قطاع التعليم الذي يستحوذ على نسبة أعلى من ميزانية الدولة، بحيث يستفيد التعليم من 30 في المائة من الميزانية بينما لا يستفيد قطاع الثقافة إلا من 0.3 في المائة من الميزانية وهذا أمر مجحف، على حد تعبير المتحدث ذاته.

وتابع النائب البرلماني أن الإنسان قد يستغني عن التعليم في أفق التعليم الذاتي والمنزلي الذي قد يخفف عن كاهل الخدمة العمومية لكن الثقافة يستحيل ألا تبقى يوما ما خدمة عمومية، مضيفا أن أوروبا تقاتل اليوم على قوتها وجبروتها من أجل الاستثناء الثقافي.

وشدد أبو زيد على أنه” ليس مسموحا أن تبقى وزارة الثقافة على الوضع التي هي عليه مهمشة وموارد بشرية ومالية محدودة وبوزير تتنازعه ثلاثة قطاعات وهو ما يجعل أداء الوزارة دون المأمول”.

ومن جهة أخرى، أثار الإدريسي، الصناعة الثقافية والمنتوج الثقافي المغربي الذي يعاني من فرض الذات والاستقلال عن الدعم وخروجه الى الواقع والتفاعل مع الزبناء، واعتبر أن الدعم  هو بمثابة عائق بنيوي تتخلله اختلالات كثيرة.

 كما نبه أيضا إلى سوء  تنزيل اللامركزية الثقافية من خلال سوء توزيع المراكز الثقافية والدعم الموجه لهذه المراكز، حيث إن هناك تباينا بينها على مستوى التراب الوطني. 

لشهب: في مواجهة الريع والرداءة.. لا بد من بيئة ثقافية تنتصر للحرية والعدل والجمال

وعن أهمية الثقافة في التغيير الحضاري، يرى رئيس مؤسسة بيت الثقافة نور الدين لشهب أنه لا يمكن اختصار القول في موضوع مركب مثل هذا، لأنه همّ متواصل عند المفكرين والمصلحين والتقدميين، وموضوع بحث ودراسة في مجالات علمية متعددة ، لكننا سنكتفي بالإشارة والتلميح، على أمل التفصيل في مواضع أخرى.

ويؤكد رئيس مؤسسة بيت الثقافة في تصريح لموقع “الإصلاح” أنه لا يماري أحد أن للثقافة دورا محوريا في تنشئة الأفراد وتشكيل المجتمعات، كما يسلم الجميع أن الثقافة مرآة للفرد والمجتمع.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه –حسب رئيس مؤسسة بيت الثقافة-  كيف يمكن استثمار الثقافة في التغيير الحضاري؟ بعد وضوح الوجهة من هذا الاستثمار والتوظيف للثقافة، التي هي التغيير الحضاري، “بالطبع نقصد الإيجابي منه تقدما ورفاها وفضاء إنسانيا للعيش والإبداع. يمكن حينذاك النظر في الثقافة (ثقافة المجتمع المراد تغييره) وتشخيص مكوناتها وديناميات التفاعل بين عناصرها وتصنيفها وفق الهدف المنشود ثم يلي ذلك تقوية المكونات المرغوبة وإبرازها وتحييد العناصر السلبية مع الأخذ في الاعتبار عامل الوقت في التغيير، وتقريبا لهذه الآلية يمكن النظر في عمل المزارع الذي يختار التربة المناسبة ثم يهيئها قبل البذار ثم يتعهدها بالسقي والتسميد وإزالة الأعشاب غير المرغوبة، إلى أن تستوي ناضجة فيجني الغلة والثمار.

ويشير لشهب للتمثيل على ذلك إلى أن مصطلح الثقافة culture يجد جذره في الزراعة غير أن الأخيرة موضوعها رعاية البذور النباتية في حين أن الأولى موضوعها استنبات الأفكار وتنميتها. بحيث أنه لا يمكن الحديث عن تطوير للإبداع وتنميته في بيئة ينتشر فيها الريع والتصفيق للرداءة والاستنساخ والابتذال، بل لا بد من بيئة ثقافية تنتصر للحرية وللعدل والجمال.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى