
كشفت الدكتورة فاطمة الزهراء السليماني عضو مركز إشعاع للدراسات الأسرية، أن قضايا التطليق تستأثر بالصدارة والحصة الأكبر مما يعني أن أكثر من ثلاثة أرباع حالات إنهاء الميثاق الزوجي تسلك مسار التطليق القضائي. وهذا يكشف حجم اللجوء إلى القضاء لمعالجة النزاعات الأسرية وإنهاء الروابط الزوجية.
وأوضحت السليماني في قراءتها لتقرير المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القراءة الدقيقة لبنيّة الانفصال الزوجي تكشف عن تباين واضح في طبيعة المسارات المتبعة؛ إذ يُهيمن الطلاق الاتفاقي بشكل مطلق داخل صنف قضايا الطلاق، فيما يظهر أن اللجوء إلى القضاء عبر باب التطليق يظل غالبا مرتبطا بتأزم الخلافات واستحكام النزاعات، في حين يختار جزء من الأزواج الحسم التوافقي عبر مسطرة الطلاق الاتفاقي متى توفرت الإرادة المشتركة لإنهاء الرابطة الزوجية.
وكان المجلس الأعلى للسلطة القضائية كشف في شهر أكتوبر المنصرم عن بلوغ عدد قضايا الطلاق والتطليق المسجلة بأقسام قضاء الأسرة والمراكز القضائية خلال السنة الماضية 154 ألفا و377 قضية، بزيادة قدرها 4,38 في المائة مقارنة بسنة 2024، وذلك وسط استمرار هيمنة “واضحة” للطلاق الاتفاقي ومسطرة التطليق للشقاق، خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وذكّر التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025 الذي نشر حديثا بالجريدة الرسمية للمملكة أن عدد قضايا الطلاق والتطليق المسجلة؛ شهد تراجعا طفيفا سنة 2024 مقارنة بسنة 2023، إذ انخفض من 151.168 قضية إلى 147.895، أي بنسبة انخفاض قدرها 2,17 في المائة.
وأضاف أن هذا العدد عاد ليسجل ارتفاعا خلال سنة 2025، حيث بلغ 154.377 قضية، مسجلا بذلك زيادة قدرها 6482 قضية مقارنة بسنة 2024، بنسبة بلغت 4,38 في المائة.
وذكر التقرير بتمييز مدونة الأسرة بين الطلاق والتطليق، موضحا أن الطلاق، كما عرفته المادة 78 من المدونة، هو “حل ميثاق الزوجية يمارسه كل من الزوج والزوجة، كلٌّ بحسب الشروط والضوابط المقررة له، تحت مراقبة القضاء ووفقا لأحكام مدونة الأسرة”. وقد أوجبت المادة نفسها ضرورة الحصول على إذن من المحكمة للإشهاد بالطلاق قبل توثيقه.
أما التطليق، حسب المصدر نفسه، فيقصد به حل ميثاق الزوجية بحكم قضائي يصدر عن المحكمة بناء على طلب أحد الزوجين، وفق الحالات والأسباب المحددة في المدونة.
وتكشف مقارنة الإحصائيات المسجلة خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن “هيمنة واضحة” للطلاق الاتفاقي مقارنة بباقي أنواع الطلاق. فيما رصد التقرير “هيمنة واضحة” لمسطرة التطليق للشقاق مقارنة بباقي أنواع التطليق خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وزير العدل يوضح بخصوص أرقام الطلاق والتطليق
وفي رده على الأرقام المتداولة بشأن الظاهرة، أوضح وزير العدل محمد وهبي خلال تفاعله مع استفسارات النواب في الجلسة الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفوية بشأن الطلاق والتطليق، أمس الإثنين 02 نونبر 2026، أن رقم 154 ألفا الذي طرحه النواب يتعلق بطلبات الطلاق والتطليق، وليس بحالات التطليق الفعلية، مبرزا أن الطلبات المقدمة إلى المحاكم لا تنتهي جميعها بصدور أحكام.
وأشار وهبي إلى أن المغرب يسجل سنويا 268 ألف حالة زواج، مقابل 154 ألف طلب للطلاق والتطليق خلال الفترة المعنية، مؤكدا ضرورة التمييز بين عدد الطلبات وعدد حالات الطلاق الفعلية.
وفي هذا الإطار، قال إن وزارة العدل تتعامل مع الموضوع بمنهج مؤسساتي من خلال اعتماد الوساطة وإقرار مجموعة من التدابير، مبرزا أن إشكالا أساسيا يكمن في كون القاضي يتولى، مع الأسف، مباشرة الوساطة، رغم عدم توفر الوقت الكافي لديه لإجراء وساطة معمقة بين الأطراف، وهو ما دفع الوزارة إلى اتخاذ إجراءات في هذا الشأن.
وشدد على ضرورة توحيد المعاييرالإحصائية أولا، ثم استقاء المعطيات بدقة، باعتبار أن تقديم طلب الطلاق يختلف عن صدور حكم بالتطليق، وأن عددا من الطلبات لا يصل إلى نهايته، مستحضرا في هذا الجانب تجربته في محاكم الأسرة، حيث لا تستمر قضايا كثيرة بسبب تدخل العائلات وعوامل أخرى.
تقرير مركز إشعاع للدراسات الأسرية
وأكدت الدكتورة فاطمة الزهراء السليماني عضو مركز إشعاع للدراسات الأسرية أن مقارنة السنوات الثلاثة الماضية حول أرقام الطلاق والتطليق أظهرت أن الإحصاءات المتعلقة بالانفصال الزوجي لم تتخذ مسارا تصاعديا خطيا مستقرا، بل عرفت تفاوتات دالة؛ 2025. وأن التراجع الملحوظ سنة 2024 مرده في الغالب إلى العوامل الإجرائية والمساطر القانونية؛ وهو لا يعني بالضرورة تراجعا بنيويا في حدة الخلافات الأسرية، بل قد يعود لتراكم بعض الملفات أو تأخر استكمال وثائق الصلح والمساطر الشكلية، مما أدى إلى رحيل جزء منها وتسجيله رسمياً ضمن تدفقات سنة 2025.
وأكدت أن المعطيات الإحصائية كشفت عن تراجع ملحوظ لصور الطلاق والتطليق المعروفة في الفقه الإسلامي (كالخلع، والطلاق الرجعي، والتطليق للضرر، أو للغيبة، أو لعدم الإنفاق)، مقابل تركيز شبه كلي على مسطرتين قضائيتين رئيسيتين: مسطرة الطلاق الاتفاقي عند توفر التراضي بين الزوجين، ومسطرة التطليق للشقاق عند النزاع. وهذا الأمر يدعونا للتفكير الجاد في إعادة الاعتبار إلى الخيارات الفقهية الأخرى والعمل على تفعيلها وتيسيرها شأنها شأن الطلاق الاتفاقي والتطليق للشقاق.

وأوضح التقرير الأسباب التي تقف خلف هذه المؤشرات والأرقام وهي تحولات مجتمعية يمكن حصرها في:
- الضغوط السوسيو-اقتصادية وتراجع القدرة الشرائية
- التغيرات القيمية وطغيان الفردانية
- التأثير السلبي للفضاءات الرقمية
- ضعف التأهيل المسبق للزوجين
- غياب ثقافة الحوار والتغاضي
- الوعي الحقوقي لدى النساء
ويخلُص التقرير إلى أن الاستقراء العميق للأرقام الصادرة في تقرير المجلس الأعلى للسلطة القضائية سنة 2025 حول الطلاق والتطليق لا يقف عند حدود رصد الأعداد والإحصاءات القضائية، بل يكشف عن تداعيات ملموسة تمس عمق المجتمع المغربي في ظل التحولات التي يعيشها.
فعلى مستوى الأبناء، يشكل الانفصال غير المحسوب ضربة مباشرة لتوازنهم النفسي والسلوكي؛ إذ يعانون من الضياع وتشتت الانتماء الأسري، كما تتراجع نتائجهم الدراسية بسبب الصراعات المتواصلة بين الوالدين حول الحضانة والنفقة والزيارة.
وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي تفكك الأسرة إلى تراجع التماسك والتضامن بين أفرادها، مما يُنتج ظهور أجيال تفتقد إلى الأمان العاطفي، ويزيد فرص الانحراف والجريمة، ويضعف دور العائلة في التوجيه والحماية.
أما على المستوى المجتمعي، فإن هذه الظاهرة تسارع بالانتقال من نمط الأسرة الكبيرة الممتدة، إلى الأسرة النووية، ثم إلى الأسرة التي تعيلها المرأة بدل الرجل. وهذا يضع العديد من النساء والأطفال أمام صعوبات مادية واجتماعية معقدة. ولا يخفى أن الطلاق يخلف ضغوطاً مالية كبيرة على الطرفين معاً لتغطية مصاريف السكن والعيش، والأبناء.
إضافة إلى ما سبق نجد أن كثرة حالات الطلاق أضعفت ثقة الشباب في مؤسسة الزواج، فأصبح الكثير منهم يترددون أو يؤخرون قرار الزواج خوفاً من الفشل، وهو ما يؤثر تدريجياً على التوازن الديموغرافي وتماسك الروابط الأسرية.
وأوصى التقرير بضرورة الانتقال من مرحلة رصد الأزمات وتشخيصها إلى مرحلة العمل الاستباقي والعلاجي من حلال مقاربة شمولية تتكامل فيها الأدوار القانونية، والمؤسساتية، والمجتمعية، وذلك عبر التدابير الآتية:
في الجانب الوقائي والتأهيلي
إحداث دورات تأهيلية إلزامية للمقبلين على الزواج، تُشرف عليها مؤسسات متخصصة، لتعريفهم بالمسؤوليات الأسرية، ومهارات التواصل الفعال، وكيفية إدارة الخلافات الزوجية وتدبير الميزانية.
دعم مكاتب الصلح داخل المحاكم، وتوسيع تدخل الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لإعطاء فرص حقيقية للتوافق قبل التسرع بإنهاء الزواج
في الجانب التشريعي والقضائي
تقنين وتأطير مسطرة “التطليق للشقاق” بشكل يمنع استسهالها كحل سريع، مع إعادة الاعتبار للخيارات الفقهية الأخرى كطلاق الخلع، والطلاق الرجعي، وغيرها من الصور التي يمكنها أن تساهم في تقليص الأرقام المخيفة للطلاق في مجتمعنا.
سن قوانين لدعم النساء المعيلات للأسر والأبناء ماديا، وذلك بخلق صندوق للتكافل العائلي يساهم في ضمان حقوق المحضونين بعد الانفصال.
في الجانب التوعوي
إطلاق حملات توعوية هادفة للتخفيف من المخلفات السلبية للطلاق، والتوعية بالآثار الهدامة لمواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات الزوجية، وترسيخ قيم الصبر والمودة، وإعادة الاعتبار للأسرة باعتبارها الحصن الأساسي لاستقرار المجتمع وأمان أفراده.
وختمت السليماني تقريرها بالتأكيد على أن تطويق هذا النزيف الأسري لا يمكن أن ينجح عبر المقاربات الأمنية أو القضائية الضيقة وحدها، بل يقتضي إرادة جماعية تترجم في شكل استراتيجية وطنية استباقية، تدمج التأهيل القبلي للمقبلين على الزواج، وتفعل أدوار الوساطة والصلح، وتطور المنظومة التشريعية لتوازن بين حماية الحقوق وصيانة الروابط.
موقع الإصلاح



