ذ مليكة شهيبي تكتب: حين تصبح الرغبة مرجعا

تطلع علينا بين الفينة والأخرى ظواهر وأحداث تدفعنا إلى إعادة طرح أسئلة قد تبدو بديهية، لكنها في زمن اختلاط المفاهيم وتبدل المسميات لم تعد كذلك.
وأنا أقرأ خبر رفع راية المثلية في أحد الفضاءات العمومية بالدار البيضاء، أثار انتباهي تعليقا على الخبر يقول: أليست الرغبةُ من خَلق الله؟ فكيف تستنكرون ما خلق الله؟
وأحالني هذا التعليق على تساؤل كان دائما يراودني عندما يثار موضوع المثلية: إذا كان كذلك فكيف يمكن للمُبرمج سبحانه ان يُخطئ البرمجة؟
فالله سبحانه وتعالى هو خالق هذا الانسان، وهو الذي سوّاه وأودع فيه فطرته وبرمج في تكوينه غرائزه ورغباته، كما جعل لكل كائن حي حيوانا أو نباتا نظاماً يحكم وجوده واستمرار حياته. فكيف يمكن أن نتصور أن المبرمج سبحانه قد أخطأ البرمجة؟!
وعند التأمل في السؤال، وجدت فكرة طرحه في حد ذاتها خاطئة لأنها تنطوي على قدر من قلة أدب مع الله سبحانه وتعالى، فهو الذي خلق فسوى وقدر فهدى. وقد أنهى سبحانه وحسم الجدال حول فطرية الرغبات في كتابه الحكيم في سياق حديثه عن قوم لوط: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
فالأجدر بنا حين نرى بعض الرغبات والممارسات التي تناقض نظام الفطرة، أن نتساءل عن اختلال في استجابة الإنسان لما فُطر عليه، بدل أن نعيد تعريف الفطرة نفسها لتستوعب ما استجد من رغبات واختيارات. فهو الذي خلق الشهوة وأودع في الإنسان الغرائز والرغبات ولم يتركه أسيراً لها، بل كرّمه بالعقل وميّزه بالإرادة وأرشده بالوحي إلى ما تستقيم به حياته وتنضبط به رغباته، وإلا، فما دلالة وصفهم بقوله سبحانه 🙁 بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ).
فليس كل ما نشعر به ينبغي أن نتبعه، وليس كل ما نرغب فيه يصبح حقاً لمجرد أننا نرغب فيه… فبَيْن الرغبة والاستجابة هناك مساحة واسعة من الاختيار والمسؤولية تتجلى فيها قيمنا ومبادئنا.
والأجدر بنا كذلك حين نرى راية هنا وهناك، أن نتوقف عند هذا التحول الذي يراد له ان يمتلك الشرعية ويجعل من بعض الممارسات موضوعاً للاحتفاء والاحتفال، ومن الاعتراض عليها موقفاً يستدعي التبرير، وأن يتحول بعض ما كان موضع إنكار واستنكار إلى تعبير عن التنوع والاختلاف. وكأن المجتمع مطالب بالتخلي عن مرجعيته وقيمه بل والاستغناء حتى عن النقد والاستنكار حتى يُثبت أنه يحترم الاختلاف ويصون حرية الآخر بل ويُطلب منه حين تطغى الرغبات أن يُقرها ويحترمها.
فاحترام حرية الإنسان لا يعني أن نتخلى عن حقنا في مناقشة الأفكار والممارسات، كما أن التمسك بقناعاتنا لا يمنحنا الحق في امتهان كرامة أحد..
إن الإشكال الذي يستحق النقاش اليوم لا يتعلق بمجرد وجود أشخاص لهم اختيارات أو ميولات مختلفة، وإنما الاشكال الحقيقي أن تتحول تلك الاختيارات إلى هوية يُحتفى بها ورمز يُرفع في الفضاء العمومي وخطاب يُراد له أن يتحول إلى قيمة مجتمعية لا تقبل النقاش، وعوض أن نتحدث عن انحراف الفطرة، يريد البعض أن يصبح هذا الانحراف حقّا تُؤسَّس له جمعيات تدافع عنه حين يوُصم، وتُوضع له قوانين تحميه حين يُمنع من التعبير عن ذاته كما تم ذلك برفع علم قوس قزح.
ولعل أخطر ما في الأمر أننا لم نعد نناقش مجرد سلوك أو ممارسة، بل أصبحنا أمام محاولة لإعادة ترتيب منظومة المفاهيم ذاتها، حيث يُعاد تعريف الفطرة وتُستبدل معايير الصواب والخطأ بمعيار الرغبة والاختيار.
وهنا لا بد أن نتساءل: هل كل ما يختاره الإنسان ينبغي أن يتحول إلى قيمة مجتمعية؟ وهل الحرية تعني أن نُسقط كل مرجعية تضبط رغباتنا واختياراتنا؟ ثم أليس من حقنا في مجتمع مسلم أن نتمسك بمرجعياتنا الدينية والثقافية، وأن نعبر عن قناعاتنا دون أن نُتهم بالتضييق على الحريات؟
إننا حين ندافع عن الفطرة لا ندافع عن تصور عابر أو موقف ظرفي، بل عن منظومة من المعاني التي نؤمن أن الله أقام عليها خلقه وجعل صلاح الإنسان في انسجامه معها.. لا في إعادة تشكيلها كلّما اصطدمت برغبة أو اختيار.
فهل أصبح المطلوب منا أن نغيّر بوصلتنا حتى لا نختلف مع اتجاه الموجة، وأن نتخلى عن قناعاتنا حتى لا نُتهم بمناهضة الحريات؟ أم أن من حقنا أن نتمسك بما نؤمن به، حتى حين يصبح التمسك به موقفاً غير مرغوب فيه؟
فالخالق سبحانه أحسن الخالقين، وما أقامه في خلقه من فطرة وبرمجة ليس موضع خطأ أو مراجعة، فهل نجعل هذه الفطرة مرجعاً نزن به رغباتنا، أم تصبح الرغبات هي المرجع الذي نعيد على ضوئه تعريف الفطرة؟
مليكة شهيبي




