أخبار الحركةالدعوةالرئيسية-جهة الوسط

الدكتور أحمد كافي يستعرض التأصيل الشرعي للمشاركة السياسية

نظمت لجنة الدعوة والعمل الثقافي التابعة لحركة التوحيد والإصلاح بالفرع الإقليمي أنفا – الحي الحسني مساء الأربعاء 16 شتنبر 2026، محاضرة عن بُعد تحت عنوان “المشاركة في الانتخابات شرعًا وواقعا”، أطرها الدكتور أحمد كافي نائب رئيس حركة التوحيد والإصلاح بجهة الوسط، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بن امسيك بالدار البيضاء.

استهل الدكتور كافي محاضرته بالتأكيد على أن المشاركة السياسية للمسلمين في أوطانهم من الأعمال الصالحة العظيمة، معتبرا أن هذا الخيار كان حاضرا في تاريخ الأمة، وفي مختلف الأقطار والأمصار، كما استحضر نماذج من علماء ومصلحي المغرب الذين انخرطوا في الشأن العام، ومن بينهم علال الفاسي والوزاني وغيرهم من مختلف المشارب والتوجهات.

وتناول كافي موقف الداعين إلى مقاطعة الانتخابات والمشاركة السياسية، معتبرا أن هذا الاتجاه يظل محدود الانتشار مقارنة بالتيار الإصلاحي الذي يتبنى المشاركة، منتقدا ما اعتبره تناقضا بين الدعوة إلى الإصلاح والانسحاب الكامل من المجال السياسي، متسائلا عن إمكانية تحقيق الإصلاح مع ترك الساحة السياسية للآخرين.

وقال إن بعض دعاة المقاطعة ينتظرون الإصلاح دون بذل جهد كاف لتحقيقه، مشيرا إلى أن الانسحاب من المجال السياسي قد يؤدي إلى ترك المجال أمام من وصفهم بالمفسدين بدل مراقبتهم ومحاسبتهم والسعي إلى تغيير الواقع بالوسائل المتاحة.

وانتقل الدكتور كافي إلى التأصيل الشرعي للمشاركة السياسية، مستحضرا تراث الصحابة والعلماء والأئمة في مجال السياسة الشرعية، ومبينا أن علماء الإسلام لم يعتبروا السياسة شأنا منفصلا عن الدين، بل ألفوا فيها الكتب والفتاوى والقواعد الفقهية.

وأوضح أن العلماء ميزوا بين السياسة الظالمة الجائرة التي جاء الإسلام لمحاربتها، والسياسة الشرعية العادلة التي تستند إلى قواعد الشريعة ومقاصدها، مشددا على أن عناية العلماء بالسياسة الشرعية كانت تهدف من جهة، إلى بيان شمول الإسلام لمختلف مجالات الحياة، ومن جهة أخرى إلى توجيه من ينخرط في العمل السياسي نحو الالتزام بقواعد الشريعة ومقاصدها، تجنبا للزيغ والزلل وتحقيقا لمصالح الناس.

واستحضر المحاضر نماذج قرآنية للحكم والسلطة، وفي مقدمتها فرعون باعتباره نموذجا للحاكم المتسلط الظالم، وقارون باعتباره نموذجا للنفوذ المرتبط بالمال والثروة، مشيرا إلى حضور قضايا الحكم والعدل والظلم والمسؤولية في الخطاب القرآني.

وفي جزء آخر من محاضرته، تحدث كافي عن مرحلة ما بعد الاستعمار، معتبرا أن أصواتً ظهرت، بحسب قراءته، سعت إلى إبعاد العلماء والفقهاء والمصلحين عن الشأن العام، وإلى تنحية أحكام الإسلام عن عدد من مجالات الحياة العامة، مؤكدا أن الانتماء إلى الأمة لا يقتصر على المشاعر، وإنما يقتضي المشاركة في تحقيق مصالحها والدفاع عنها ومواجهة الفساد بالوسائل المشروعة.

وانتقد كافي، في هذا الإطار، بعض التوجهات التي قال إنها تدعو إلى العلاقات الرضائية أو إلى إبعاد المرجعية الإسلامية عن مدونة الأسرة، كما انتقد ما وصفه بالفساد في المال العام، داعيا إلى المشاركة والمساهمة في اختيار من يرى فيهم الناخبون الصلاح والاستقامة.

وقدم الدكتور كافي ثلاث حالات للاختيار السياسي وفق القواعد الشرعية:

ففي الحالة الأولى، إذا وجد الناخب مجموعة من الصالحين، فعليه ـ بحسب طرحه ـ أن يختار الأصلح والأجود والأفضل بينهم، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾.

أما الحالة الثانية، إذا وجد الناخب نفسه أمام صالح وفاسد، فإن مقتضى المسؤولية الشرعية، وفق نظره، هو اختيار الصالح والابتعاد عن الفاسد، معتبرا أن التصويت أمانة ومسؤولية.

واستشهد في هذا السياق بالحديث النبوي المتعلق بتولية من هو أرضى لله، وبالآيات التي تحذر من خيانة الأمانة، مؤكدا أن اختيار المسؤولين يدخل في باب الأمانة التي يتحمل الناخب مسؤوليتها.

ثم الحالة الثالثة، حين لا يجد الناخب أمامه إلا خيارات متعددة كلها تتضمن قدرا من الضرر أو الفساد، فقد عرض كافي قاعدة اختيار الأقل سوءا، معتبرا أن المقارنة هنا تكون بين درجات الضرر والمفسدة، بحيث يُختار الخيار الذي يترتب عليه ضرر أقل.

وشرح كافي أسباب تأكيد علماء الإسلام على هذه المساهمة السياسية، معتبرا أن أولها هو تحمل المسلم مسؤوليته تجاه أمته ووطنه، ووضع اليد في يد الصالحين، والسعي إلى الحد من الفساد بالوسائل المشروعة.

وثانيها، أن المشاركة في الشأن العام لها أصل في القرآن والسنة وعمل الصحابة والأئمة وخيار الأمة.

أما السبب الثالث، فهو تأكيد أن المشاركة أصل، وليست المقاطعة والانسحاب من الساحة هما الأصل، مع اختلاف طريقة المشاركة بحسب الظروف والخيارات المتاحة أمام الناخب.

وأضاف أن مسؤولية المواطن لا تنتهي عند اختيار الصالحين، بل تمتد إلى المساهمة في إيجاد المصلحين إذا لم يكونوا حاضرين بالقدر الكافي في الساحة العامة.

وتوقف الدكتور كافي عند أهمية المشاركة السياسية من الناحية الشرعية، معتبرا أن علماء الإسلام يعدون العمل السياسي من الأعمال المتعدية النفع، أي الأعمال التي لا يقتصر أثرها على صاحبها، وإنما يمتد إلى الآخرين والمجتمع.

وأوضح أن العمل الذي يتعدى نفعه إلى عدد كبير من الناس يمكن أن تكون له منزلة عظيمة من حيث الأجر، وهو ما يجعل خدمة المجتمع والشأن العام، في تصوره، مسؤولية تتجاوز المصلحة الفردية.

وأكد كافي أن المشاركة السياسية لا تقتصر على التصويت، بل تشمل كذلك المراقبة والمساءلة والتعبير عن المواقف ومواجهة الفساد بالوسائل المدنية والقانونية المتاحة.

واعتبر أن إدراك المسؤولين لكون المواطنين يشاركون ويتابعون أداءهم من شأنه، بحسب طرحه، أن يعزز احترامهم لقناعات المجتمع وهويته ومصالحه، وأن يجعل المسؤول السياسي مدركًا لوجود مساءلة شعبية ومؤسساتية.

وقال إن المواطن، عندما يكون يقظا ومشاركا لا يترك المجال أمام المسؤولين لكي يمارسوا الفساد دون رقابة، بل يظل حاضرًا في عملية المتابعة والمساءلة، دفاعًا عن مصالحه وعن أسرته وأرزاقه وكرامته وهويته.

وختم الدكتور أحمد كافي محاضرته بالتأكيد على مسؤولية المغاربة في رعاية أمانة الوطن والحفاظ على هويته الإسلامية، والدعوة إلى الإصلاح وخدمة الصالح العام، داعيًا إلى بذل الجهد في سبيل تحقيق الخير والصلاح بالوسائل المشروعة.

ابراهيم حليم

أخبار / مقالات ذات صلة