محمد عز الدين توفيق يبرز معاني الاقتداء بالنبي ﷺ وثمرات الاحتفاء بمولده

نظمت حركة التوحيد والإصلاح -إقليم ابن مسيك عين الشق لقاء دعويا تربويا بمناسبة شهر المولد النبوي الشريف، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وذلك يوم الجمعة 04 شتنبر 2026، الموافق لـ22 ربيع الأول 1448هـ، بالمقر الإقليمي للحركة بالطاح/عين الشق.
وأطر اللقاء الذي يندرج في إطار السلسلة الشهرية الراتبة “مقامات التزكية”، الدكتور محمد عز الدين توفيق عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، وخطيب مسجد الهداية بحي النسيم 2 بمدينة الدار البيضاء.

وفي مستهل حديثه عن المولد النبوي، أوضح الدكتور محمد عز الدين توفيق أن الاحتفاء بهذه المناسبة يمكن أن يتخذ صورا متعددة من بينها إقامة الندوات وتنظيم المحاضرات وإلقاء الخطب والدروس حول شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقبه وأخلاقه وسيرته.
وأكد توفيق أن من صور الاحتفاء أيضا إظهار الفرح والسرور بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، والتحدث بنعمة الله تعالى الذي جعلنا مسلمين وأكرمنا باتباع هذا النبي الكريم، والتنافس في الاقتداء بهديه والسير على سنته. واستشهد في هذا السياق بقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وشدد المتحدث على أن التأييد للاحتفاء بالمولد النبوي إنما يتعلق بصور مشروعة من التذكير بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته وتعظيمه والاقتداء به، ولا يعني قبول ممارسات أخرى قد تشتمل على الشرك أو البدع أو المعاصي.
وأوضح أن القيمة الحقيقية للاحتفاء بالمولد النبوي تظهر في ثمرته؛ فإذا كان من شأنه أن يزيد المسلم محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيما له، وتوقيرا لمقامه، وحرصا على الاقتداء به، فإنه يؤدي وظيفة تربوية مهمة في حياة المسلم.
ومن هنا انتقل المؤطر إلى الآية المحورية في اللقاء: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، مبينا أنها شهادة ربانية في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، صادرة عن الله تعالى الذي خلق الخلق ويعلم ظاهرهم وباطنهم، فاختار محمدا صلى الله عليه وسلم لحمل رسالته.
وتوقف الدكتور محمد عز الدين توفيق عند معنيين رئيسيين ذكرهما العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، موضحا أن الاختلاف بينهما هو اختلاف تنوع وتكامل، وليس اختلاف تضاد، فالمعنى الأول: “إنك على دين عظيم”، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أما المعنى الثاني، فهو: “إنك على سلوك وسيرة وخُلُق عظيم”، وأكد أن المعنيين يلتقيان في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو على أعظم دين، وقد ترجم هذا الدين في حياته وسلوكه ومعاملاته إلى أكمل صورة بشرية ممكنة.
وفي سياق توضيحه للعلاقة بين الدين والأخلاق، أشار المحاضر إلى أهمية التمييز بين الدين في مصادره، أي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين الدين في واقع الناس، أو ما يمكن التعبير عنه بمفهومي “الدين” و”التدين”.
وأوضح المتحدث أن المشكلة التي تواجه المسلمين في كثير من الأحيان تتمثل في اتساع الهوة بين ما يقرره الإسلام من قيم ومبادئ، وبين مستوى تمثل المسلمين لهذه القيم في حياتهم اليومية.
وقال إن جهود المصلحين عبر التاريخ كانت ولا تزال تتمحور حول تقليص هذه الهوة، والارتقاء بالمسلمين في تدينهم حتى يقتربوا من مستوى ما يقرره الإسلام، معتبرا أن النبي صلى الله عليه وسلم يمثل النموذج الأكمل في ترجمة الإسلام إلى واقع وسلوك، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.
وفي معرض حديثه عن معنى “الدين العظيم”، تطرق الدكتور محمد عز الدين توفيق إلى موضوع مقارنة الأديان، موضحًا أن الأديان تتضمن عادة جانبًا نظريًا يتعلق بتفسير الوجود والإنسان والحياة والمصير، وجانبًا عمليًا يتعلق بالتعاليم والأحكام والعبادات وتنظيم مختلف جوانب الحياة.
وأشار إلى أن دراسة الأديان ومقارنتها تتيح للمسلم التعرف على تصورات اليهودية والنصرانية والمجوسية والبوذية وغيرها، مؤكدا أن الإسلام يتميز بشموله وتوازنه في الجمع بين التصور العقدي والتوجيه العملي، مضيفا أن المسلم الذي يطلع على تصورات الأديان الأخرى يمكنه أن يدرك بصورة أعمق قيمة النعمة التي أنعم الله بها عليه بالإسلام.
وتوقف محمد عز الدين توفيق عند الدلالة اللغوية لكلمة “الخُلُق”، موضحا أنها تقابل “الخَلْق”، وأن الخُلُق يرتبط بسيرة الإنسان وسلوكه وطريقته في الحياة. فالإنسان، بحسب هذا المعنى، لا يُعرَف خُلُقه من خلال موقف عابر، وإنما من خلال نمط سلوكه المتكرر وثبات صفاته؛ كالصبر والكرم والتواضع والشجاعة والحلم والرحمة، ومن هنا، فإن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه على “خُلُق عظيم: يعني أنه بلغ في سيرته وسلوكه مستوى عظيما، وأن حياته كلها كانت ترجمة عملية لقيم الإسلام ومبادئه.
وأوضح الدكتور محمد عز الدين توفيق أن عظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لا تكمن في وجود صفات حميدة متفرقة فحسب، وإنما في تكاملها وثباتها في مختلف المواقف. فكان صلى الله عليه وسلم شجاعًا وُصف بالحلم والكرم والرحمة والتواضع، ولم تكن هذه الصفات حالات عابرة، بل كانت جزءًا أصيلًا من سيرته.
وأشار إلى ما كان الصحابة رضي الله عنهم يروونه من شجاعته صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم كانوا يلجؤون إليه في شدة القتال، مؤكدا أن سيرته تمثل النموذج الذي لا تكاد تجد فيه انفصالًا بين المبدأ والتطبيق.

وفي ختام حديثه، توقف الدكتور توفيق عند اسم النبي صلى الله عليه وسلم، موضحا أن اسم “محمد” مشتق من الحمد، وأنه يدل على كثرة الخصال المحمودة، مشيرا إلى أن من ينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بإنصاف، بعيدًا عن التعصب، يجد نفسه أمام شخصية اتصفت بمكارم الأخلاق وعظيم الصفات، حتى إن محمودية خصاله لم تكن مقصورة على جانب واحد من حياته، بل شملت علاقته بربه، ومعاملته لأهله وأصحابه، وتعاطيه مع الضعفاء والأطفال، وتعاملاته في المجتمع، بل وحتى تعامله مع خصومه وأعدائه.
واختتم اللقاء بالتأكيد على أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن تبقى مجرد عاطفة، وإنما ينبغي أن تتحول إلى اقتداء وسلوك وعمل، وأن أعظم ما يمكن أن يثمره الاحتفاء بسيرته وشمائله هو أن يراجع المسلم علاقته بدينه، وأن يسعى إلى تقليص المسافة بين ما يؤمن به وما يعيشه في واقعه.
ابراهيم حليم




