شهيبي تكتب: همسة في أذنكِ سيدتي بمناسبة الثامن من مارس

تطل علينا كل سنة ذكرى الثامن من مارس، مذكّرة إيانا نحن النساء بحقوقنا، ودافعة بنا إلى حلبة صراع وهمي شيدت منذ عصور، لنتنافس فوق خشبتها بأجساد مختلفة وقدرات بدنية متباينة ونفسيات لا تشبه بعضها بعضا.
وُجهنا، رجالا ونساء، إلى مبارزة لا تنتهي، بينما يقف خارج الحلبة من يدير المشهد، يصفق تارة للرجل لأنه أحكم السيطرة، ويصفق تارة للمرأة لأنها نجحت في الترويض، وكأن العلاقة بينهما معركة غلبة لا سكن ومودة.
وتتعالى الأصوات: مرة تنادي بضرورة أن تثبت المرأة ذاتها عبر استقلالها المادي، وألا تفرط في عملها مهما كان الثمن، ومرة تطالب الرجل باسترداد قوامته، وألا يسمح للمرأة بأن تزاحم الرجال في ميادين العمل، لأن مكانها الطبيعي” هو البيت.
وسط هذا الضجيج ينتابني خوف.
خوف من أن ننسى جوهر القضية ونحن نتجادل حول شعاراته الوهمية.
خوف من أن تتحول الحقوق إلى عناوين صدام بدل أن تكون جسور محبة ومودة ورحمة و تكامل.
خوف من أن تختزل المرأة في وظيفة خارج البيت أو داخله، ويختزل الرجل في سلطة أو منافسة.
أخاف أن نعيد إنتاج ثنائية قاتلة ووعيا سطحيا بالقضية: إما استقلال يقصي الأسرة، أو قوامة تقصي إنسانية المرأة، ونحن نرى كل يوم في مواقع التواصل الاجتماعي من ينادي بعدم الزواج بالموظفة بالإطلاق ومن ينادي باستقلالية المرأة لدرجة الندية في الأدوار دون مراعاة سنن الله في الخلق والأمر، فأمر الله في المرأة والرجل غير منفصل عن خلقتهما وتكوينهما.
وأتساءل: متى نتحرر من وهم الصراع لنعود إلى منطق الوحي في الخلق والأمر؟
متى ندرك أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست سباق تفوق، بل مشروع بناء مشترك ؟
متى نفهم أن الكرامة لا تنتزع بالصدام بل تصان بالعدل، وأن الحقوق لا تكتمل إلا حين تتوازن مع الواجبات؟
إنني لا أحتاج ليوم يذكرني أنني ضد الرجل، ولا عن خطاب يدفع الرجل ليكون ضدي، بل أبحث عن وعي يعيد ترتيب الأولويات، ويخرجنا من الحلبة، ويجلسنا إلى طاولة الحوار، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل أسرة متماسكة، ومجتمع متوازن، وإنسان مكرم لكونه إنسانا.
لعل الثامن من مارس يكون فرصة لا لإحياء الصراع، بل لمراجعة المفاهيم، وتصحيح المسارات، وإحياء معنى السكينة الذي بها تستقيم الحياة.
ذة مليكة شهيبي




