ذة فاطمة أزرور تكتب: خارطة الطريق: “في التخلي تجلي” 4/5
بعد أن تزوّدنا بـ “الاستغناء”، نصل إلى المحطة التي تفصل بين من يكتفي بالكلمات ومن يختار النجاة: أدب الرحيل.
التخلي ليس قراراً نبيلاً نتخذه بابتسامة، بل هو غالباً “عملية جراحية” واعية لاستئصال ما استنزف أرواحنا، وأطفأ وهجنا.
من المخادعات: الاعتقاد أن الأمر سهل، والأكيد أن التخلي صعب، والرحيل مؤلم، نحن بشرٌ نحزن، ونشعر بمرارة الخذلان، غير أن أول أدب في التخلي هو الصدق: نعم، الاعتراف بالألم والوجع، لكن وجع العبور أهون من وجع البقاء في مكان ليس مكانك ولا مقامك.
(إنك لَن تدَع شيئًا للهِ عزَّ وجلَّ إلا بدلك اللهُ به ما هو خيرٌ لكَ منه) السلسة الصحيحة للألباني.
التجلي لا يبدأ إلا حين يتوقف الإنسان عن “تمثيل” القوة، ويبدأ في “ممارسة” النجاة.
التخلي عن العتاب، لأنَّ العتاب استجداءٌ متخفٍّ، حين نعاتب، فنحن نطلب “ترميماً” من اليد التي كَسرت أو مازالت مستمرة في الكسر، وهذا تناقض يطيل أمد الجرح ويُسقط الوقار.
أدب الرحيل يعني أن نبتلع كلمات العتاب المرة، ونختار “الانسحاب الهادئ”، أن نصمت ليس صمت الضعيف، بل صمت “المستغني” الذي أدرك أنَّه يحتاج طاقته لبناء نفسه، لا لمحاولات إفهام مَن اختار ألا يفهم.
في هذا الصمت، يتجلى الوقار الذي كان يتبدد في كلمات لا تُسمع.
نحن لا نرحل لأننا فوق الشعور، بل نرحل لأنَّ التمسك ببعض الروابط أصبح “استنزافاً للنفس”.
أدب الرحيل هو رسم للحدود، وترديد ل “إلى هنا ويكفي”.
عندما نتخلى عن “وهم الانتظار”، يتجلى لنا السلام الذي غاب عنا طويلاً.
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(غافر: 44).
حين “التخلي” عن انتظار الإنصاف من البشر، “يتجلى” معنى التفويض.
التفويض ليس استسلاماً، بل هو “سحبٌ للملف” من قاضٍ غير عادل وتسليمه ل “العدل الخبير”.
عِوَضُ “الودود اللطيف السلام” للمستغني هو تلك “السكينة الباردة” التي تسكن القلب حين يدرك أنَّ “البصير المؤمن” رأى كل شيء، وأنه “الكفيلُ” بكل شيء.
هنا، يختفي صوت الأنين ليحل محله وقار المستغني الذي أغلق بابه، وفوّض أمره، ومضى في طريقه لا يلتفت.
طوبى للغرباء الذين استردوا أنفسهم من أيدي العابرين بسلام.
عابر السبيل لا يغادر لأنه “بطل”، بل لأنه “مسافر” يملك وجهة أسمى من الوقوف على أطلال الخيبات.
في التخلي تجل لحقيقتك.. رغم الألم، تعبر مفوضا أمرك ل”البصير المؤمن اللطيف العليم الخبير”
#فطوبى للغرباء





